الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – القسم ال حادي عشر

حرب وسجن ورحيل – القسم ال حادي عشر

لقد تكلمت في الحلقه الماضيه بصوره مقتضبه عن وضع المرأه العراقيه أثناء تلك الحرب . لقد كانت معاناة المرأه العراقيه معاناة رهيبه فوق طاقة البشر فبالأضافه ألى فقدانها زوجها أو أبيها أو أخيها حيث دخل كل الأحتياط في الجيش العراقي أعتبارا من مواليد 1949 فصاعدا حتى مواليد 1962 وقلما وجدت أسره لم تفقد عزيزا لديها. لقد كانت زيارة المقابروعويل النساء وندبهن عندها أمر لايتحمله أنسان فالمرأه العراقيه عندما تنعى موتاها تختلف عن كل نساء العالم في تجسيد فجيعتها ولا أبالغ أذا قلت أن الدنيا كلها تبكي وتندب معها ومن المستحيل أن يسمعها أنسان ولن تنهمر دموعه مهما كانت قساوة ذلك الأنسان لقد كنت أشهد حالات من تلك التراجيديا الرهيبه عندما كنت أزور مقابر ضحايا تلك الحرب في النجف الأشرف وعند رجوعنا كنا لانميز معالم الطريق من شدة البكاء بالأضافه ألى تلك المأساة فقد أضطرت الكثيرات من الأرامل ألى العمل الشاق المضني لكي تعيل البقيه من صغارها وكانت تتعرض للكثير من المضايقات والأستغلال من بعض وحوش المجتمع الذين كانوا يستغلون فرصة اضطرارها ألى العمل للتجاوز على أنسانيتها وكرامتها وهي في أوج حزنها ومأساتها . تقول الدكتوره المناضله سعاد خيري في كتابها ( المرأه العراقيه كفاح وعطاء ) عن عمليات التهجير التي صاحبت فترة الحرب في الصفحه 121 ( وكانت عمليات التهجير من أبشع عمليات الأضطهاد التي مرت على الشعب العراقي , حيث فرقت عوائل بكاملها وسلبت ممتلكاتها , وأغلقت بيوت المهجرين بالشمع الأحمر ولم يسمح لهم بأخذ أي شيئ عدا حقيبه صغيره . ثم شحنت العوائل داخل مركبات كبيره . ورموا على الحدود الأيرانيه . كان بينهم الأم التي تركت أبنها في روضة الأطفال ولم يسمح لها بأخذه , والأم الحامل في أشهرها الأخيره , والأم المرضعه والتي لم يسمح لها حتى أخذ شيئ من الحليب لطفلها , وعجوز رقيد الفراش وهناك الألوف من المآسي ) كل ذلك وغيره الكثير الكثير حدث في زمن الحرب وقد انطبق عليها البيت الشعري صبت علك مصائب لو انها – صبت على الأيام صرن لياليا. فأي نظام أرهابي أجرامي دكتاتوري دموي أرتكب مثل هذه الجرائم؟ أنا أخاطب هؤلاء الذين فقدوا آخر قطره من الشرف والأخلاق ممن يدافعون عن ذلك الطاغيه المتوحش في هذه الفضائيات التي لاتجيد ألا الكذب وقلب الحقائق بأطلاق صفة الشهيد على ذلك الطاغيه الجلاد والباغي صدام حسين لقد رثيت للأفلاس الأخلاقي لذلك المذيع في محطة الجزيره عندما أجرى مقابله مع المدعي العام في محكمة الجنايات الدوليه قبل أيام وقال بالحرف الواحد ( لقد كانت محاكمة صدام حسين مسرحيه هزليه ) وليس لي ألا أن أقول من مات ضميره فلن يصحو أبدا وسيبقى ضمير الكثير من الأعراب ميتا ألى أن تقوم الساعه .
لقد مرت أربع سنوات على الحرب دون أن يلوح أي بصيص أمل في نهايتها وكان العراق يعيش في أسوأ حالاته وقد كنا نذهب ألى المدارس ونحن عسكر معرضون للذهاب ألى أي مكان من جبهات الحرب تريد السلطه البعثيه زجنا فيها وكنا نعيش كرهائن في وطننا. وخاصة نحن الأكراد الفيليين الذين كان يطلق علنا اسم ( الطابور الخامس ) وكنا تحت المراقبه المستمره. لقد كنت في مدرسه أسمها ( الخليج العربي ) ونعيش تحت سلطة مدير يعتبر صدام حسين هو الأله الذي يجب أن يعبد من دون الله وكان أسمه ( جميل عباس كمبر ) وهو عضو فرع في حزب البعث وكان همه الوحيد مراقبتنا ومعرفة مدى ولائنا وطاعتنا لصدام ولحزب البعث وكان من نتيجة هذا الشخص أن انتقل ألى محافظة البصره أثناء انتفاضة آذار عام 1991وهناك أعدمه على حسن المجيد لأسباب لاأعرفها وحملت جثته الممزقه ألى الكوت وسلمت لزوجته المصرية الجنسيه وكانت تعمل معلمه في المحافظه وتم أسدال الستار على تلك الجريمه وقد كنت أعتقد أنها ستقيم دعوى على علي كيمياوي وأراها في المحكمه الجنائيه العليا ولكن ذلك لن يحدث لأسباب أجهلها .
لقد أعدم قبل ذلك وفي عام 1986 الشاعر الشعبي المعروف ( غازي ثجيل ) بعد أن استدرج ألى أحدى الجلسات الليليه وسجلت له كلمات وهو ينتقد صدام حسين بعد أن مدحه بعشرات القصائد وقبض ماخف وزنه وغلا ثمنه وأصبح مديرا للأعلام الداخلي في المحافظه وقد حملت جثته بسيارة بيك أب وهي موضوعه في كيس ورميت من خلف سياج بيته بعد منتصف الليل وقد سرت شائعات بأن صداما قتله بيده . وكان كل شخص معرض للأعدام في تلك الفتره لو ثبتت عليه أدنى تهمه بانتقاده الحرب فكيف أذا كان انتقاده لصدام؟ فكان لابد أن يعدم مئة مره بعرفه الذي يتناقض مع كل الأعراف القانونيه في الدنيا.
لقد كان هم النظام الوحيد أثناء الحرب هو تخريب العقل العراقي وتمزيق الشخصيه العراقيه من الداخل وجعلها شخصيه عدوانيه تجاه الآخرين لاتؤمن بالقيم الأسريه النبيله التي درجت عليها العائله العراقيه منذ أن وجدت على هذه الأرض فبدل المحبه والتعاون كان زرع الخوف والشك وضرب أفراد العائله بعضها بالبعض الآخر لكي يسود الرعب بين أفراد الشعب من السلطه فأذا اختلفت الزوجه مع زوجها وذهبت في لحظة ضعف ألى دائرة الأمن وقالت أن زوجي يغلق التلفاز حال خروج الرئيس عليه فأن هذا الزوج المسكين لاتشفع له أية جهه ويذهب وكانه لم يكن وقد كتب صدام في أحدى كراريسه الموسوم ب ( الثوره والتربيه الوطنيه ) لابد من تثبيت أطار مركزي لتثبيت القيم الجديده في المجتمع وهو أن الطفل هو مركز الأشعاع في العائله ولابد أن يكون مصدر ألهامه ومعرفته هو الحزب قبل أبويه ) وقد استدرج بعض مدراء المدارس التلاميذ ليخبروهم ما يحدث في بيوتهم من كلام ودفع الكثير من الآباء حياتهم نتيجة وشاية زوجه أو خطأ ارتكبه أحد الأبناء بحق ابيه أو اعتراف من أحد أقاربه عليه تحت التعذيب وهذه الحاله يعرفها العراقيون جيدا .
لعل من أغلب الأمور التي رافقت الحرب هي لجوء النظام الصدامي الدموي ألى أساليب لم تعهدها البشريه وهي عملية قطع الآذان وجدع الأنوف . عندما أعتقد رئيس النظام بأن الأمور استتبت له تماما وأن الأعلام العربي والعالمي يحاول تغطية جرائمه بشتى السبل لأن له موقفا معاديا من أيران فقد لجأ ألى حاله غريبه وهي قطع أذني الهارب من الخدمه العسكريه وجدع أنفه ووضع وشم على جبينه بدون بنج الا في حالة دفع أهله قيمة ذلك البنج وقد مات الكثير منهم وبقي قسم منهم أحياء وهم يشكون ظلامتهم لربهم ولابد لي أن أذكر أحد الأطباء الشرفاء الذين ضحوا بكل مالديهم كي لايرتكبوا تلك الجريمه المخزيه وهو الطبيب الجراح ( عبد الحسين العماري ) الطبيب في ماكان يسمى بمستشفى صدام في الكوت حيث جيئ في أحدى الأمسيات بأثنين من الجنود وطلبوا من هذا الطبيب القيام بالعمل فوعدهم بأنه سيقوم به يوم غد لأن الأدوات غير جاهزه وبينما وضع الجنديان في أحدى الغرف التي كانت بمثابة سجن تسلل الدكتور عبد الحسين العماري في جنح الظلام من المستشفى وترك عيادته وبيته وسيارته مع عائلته وأطفاله في تلك الليله خارج العراق عن طريق أيران أو تركيا وكانت مغامره كبيره من أجل الحق وعدم ارتكاب الظلم وهذا هو شأن الشرفاء الذين أدوا القسم على أن لايرتكبوا ظلما بحق أحد وقد أصبح الصباح والدكتور عبد الحسين العماري خارج العراق وتركت تلك الحادثه أثرا طيبا في نفوس كل الذين كانوا يعانون من الظلم ؟الصدامي البغيض ولا أدري أين هو الدكتور عبد الحسين العماري الآن ؟ و هل رجع ألى العراق أم رحل خارجه ألى الأبد
دعوة آباء القتلى في الحرب
بدأت العديد من العوائل تفقد أثنين أو ثلاثه وأحيانا أربعه من أبنائها حيث ان العائله العراقيه معروفه بكثرة الأبناء وقد بدات تصدر هويات الأحوال المدنيه ومطبوع عليها جملة ( جيش القادسيه ) وزبينما كانت هذه العوائل غارقه في أحزانها صدرت أوامر من القصر الجمهوري بترتيب لقاءات دعائيه للنظام وهي جمع هذه العوائل مع رئيس النظام تحت الشعار المرفوع من قبل السلطه ( الشهداء أكرم منا جميعا ) وقد حول العراقيون ذلك الشعار ألى ( الشهداء أكثر منا جميعا ) حيث كان الأب والأم يبلغان من قبل السلطات الأمنيه بالموعد الذي سينقلان فيه ألى القصر الجمهوري للتشرف بمقابلة الرئيس ليقدم لهما التعازي كما كانوا يدعون وكان هؤ لاء المساكين المغلوبين على أمرهم لايجرؤون على رفض( دعوة السيد الرئيس القائد الكريمه ) وليس لهم من طريق ألا الأمتثال للأمر وقلوبهم تقطر دما على أبنائهم وكان يعطى لهم مبلغ من المال لشراء الملابس الجديده لهم حتى يراهم الرئيس وهم في أجمل هيئه وأحسن حال وهناك في ذلك المكان المقدس ( القصر الجمهوري ) الذي تحول ألى مرتع للأمريكان فيما بعد يجب تقديم الولاء والطاعه والهوسات والشعر الشعبي و ليقولوا للسيد الرئيس ( كلنه فدوه ألك ولقادسيتك ياسيدي الرئيس القائد ) حتى يرى العالم مدى حب الشعب العراقي للسيد الرئيس القائد حارس البوابه الشرقيه للوطن العربي ومنقذهم من الهجمه الفارسيه المجوسيه!! واستمرت هذه اللقاءات المبكيه والمضحكه في آن واحد لفترات طويله أثناء الحرب وكانت الصحف البعثيه في اليوم الثاني تدبج المقالات والقصائد والتحليلات الفكريه والعقائديه البعثيه العفلقيه التي لايدركها ألا من تعمق في فكر ( حزب البعث العربي الأشتراكي ) عن تلك اللقاءات وكان شاعر البلاط و( متنبي عصره ) كما يطلق عليه أحدهم في فضائية البغداديه عبد الرزاق عبد الواحد لايفوت جلسه من تلك الجلسات الا ويكتب ( قصيده عصماء ) عن جلال الموقف وعظمة اللقاء حتى يكتمل المشهد على اروع صوره وأبهى منظر حيث تتفتق لها شاعرية الشعراء والكتاب العرب لتتزاحم قصائدهم ومقالاتهم في وصف المشهد الفريد منه في كل الدنيا. وهنيئا لبعض العربان الذين تطربهم هذه المشاهد التي تهان فيه الكرامه الأنسانيه بأبشع صوره عرفها تأريخ البشريه. وفي القسم اللاحق سأكتب مشهدا آخر من فصول تلك المأساة الأنسانيه الرهيبه .