الرئيسية » مقالات » إلى طفلة لم تر النور، وأم منكوبة..

إلى طفلة لم تر النور، وأم منكوبة..

[ كانت زوجة صديقي تنتظر منذ سنوات ميلاد طفل، إذ واجهتها لسنوات مصاعب صحية مهمة.. وأخيرا حملت، ودخلت المستشفى، ثم جاءني خبر سقوط طفلتها ميتة.] تألمت، فكتبت:
أختاه!
ليست هذه بتعزية. أعرف أن ألمك هو فوق كل الكلمات، وإنها لعاجزة عن التعبير عن مشاعر أم انتظرت، وانتظرت، فإذا هي الصدمة، وإذا الحلم يباب.
أعرف كم كنتِ مشتاقة لسماع بكاء طفلتك، وكأنه موسيقى مهرجان، وأغاني أفراح.
لقد رأى المعري العظيم في بكاء الطفل لحظة ولادته، إحساسا غريزيا بأهوال العالم، ومصائب الحياة.. إنها نظرة تشاؤمية من غير شك، وإن الأم وحدها لأعرف بمغزى ومدلول هذا البكاء، وأقدر على فهم حقيقته، وما يرمز إليه.. الأم ترى في ذك البكاء أروع موسيقى، وتجاوبا مع أحاسيسها، وسعادة الطفل بالانطلاق من الخفاء المظلم، إلى نور الحياة، والفرحة باللقاء.
بالطبع، نحن نختلف مع المعري في التفسير، ولكننا، في الوقت نفسه، ننحني إعجابا بحدسه المرهف، والمذهل، حول قدرات الإحساس، والإدراك لدى المولود.
لقد نشرت مجلة [ تايمز ] منذ عقد تحقيقا علميا ضافيا عن عالم الطفل الرضيع، بل وهو في رحم الأم … دراسات، واختبارات المختصين والعلماء والمربين في أنحاء العالم، حول بدايات التحسس، والتمييز، والإدراك لديه، ووعي الأصوات، والألحان، والحركات، والألوان، وبداية الشعور لديه بالشخصية، والذات، والتجاوب، حتى، وهو في رحم الأم، مع صوت الأم، ومع الموسيقى الناعمة التي تأتي من بعيد، وتبرهن النتائج على أن المولود يعرف، ومنذ اللحظات الأولى، أكثر مما يتصور عنه معظم الناس. إنه يرى أكثر، ويسمع أكثر، ويدرك أكثر، وإنه متهيئ وراثيا، لمصادقة أي بالغ يعنى به، بل، وإن الطفل كومبيوتر صديق..
هذا هو الاكتشاف المثير.. ما رأي القارئ فيما أوردته المجلة عن أن مولودا عمره 43 دقيقة فقط كان قادرا على تقليد الكبار؟
لعل طفلتك الراحلة، يا سيدتي العزيزة، كانت تتحفز، وتتحرق، للخروج إليك لحظة، فلحظة، بمقدار ما كان اشتياقك أنت إليها، لتتعرفي عليها، وتقرئي أساريرها، وتمعني النظر في قسماتها، وتلمسيها، وتشميها، بعد أن كنتِ تتحسسين بها، وتناجينها، وهي في الأعماق.
إني لا أزال أذكر، وابنتي في الشهرين، ونحن في الغربة، عندما بكت ذات ليلة بكاء متواصلا أزعج الجيران، فصرخت بها صرخة غضب ندمت عليها في الحال.. لن أنسى كيف سكتت، وتطلعتْ إليَّ بذهول، ودهشة، وفزع، وعتاب، واحتجاج..ظلت ترفضني أياما حتى لانت أمام توسلات ندمي، وحزني…
عالم الأطفال مدهش، محير، غريب، كله أسرار، وألغاز، وأعاجيب، ولا شك في أن دراسات وأبحاثا جديدة سوف تكشف لنا مزيدا من معجزات الطفولة الباكرة، وما قبلها.
لا أستطيع تعزية أم مفجعة بالكلمات، ولا ترداد ما يقال في هذه الحالات، فانا أعلم، بل وأشعر، بخفقات الأم الحامل ليل نهار وهي بانتظار، فلا أدهش الدموع، ولا أجهل دواعي الحزن.
لكن الحياة، يا سيدتي، تبقى فسيحة، وجميلة، ومهما كبر ألحزن،ا فإن روح الأمل يجب أن تظل أقوى، وأكبر.. إن علينا أن نبقيها جميلة، وإن الأحزان نفسها من أركان الحياة، وخير للمفجع أن يجسد إصرار الأمل، ونبض الحياة، وأن يشعر بالفرح في ما يحزننا..
إن الزهرة التي نودعها باكين، ستولد لك بعدها، ومثلها، زهور متفتحات، وستمسح ابتسامةُ المولود الجديد دموع أمس، لا نسيانا، ولا جحودا بالذكرى، ولكنها سنة الحياة.
فيا زهرة جميلة ذوت.. وداعا.. وداعا!… ويا كل زهرة جديدة مرحى للميلاد، وحبا! ويا أيها الأمل العظيم: كن أقوى من آلامنا، ومعاناتنا..