الرئيسية » مقالات » هل المأساة والمهزلة اجتمعتا في شخص واحد ؟

هل المأساة والمهزلة اجتمعتا في شخص واحد ؟

عرف التاريخ الكثير من الشخصيات التي اعتبرت مأساة حقيقية على مجتمعاتها , إذ كبَّدت تلك الشعوب الكثير من الدماء والدموع وحملتهم الكثير من العداء إزاء الشعوب الأخرى , وعرضتهم إلى شتى أنواع الكوارث والمآسي. كان هذا قد حصل حين ظهر نابليون الأول في فرنسا وتحول خلال فترة وجيزة إلى دكتاتور أهوج نظم وقاد الحروب للاستيلاء على أوروبا والعالم وانتهى إلى منفاه ومنها إلى مزبلة التاريخ. وحين ظهر نابليون الثالث في فرنسا أيضاً كان نسخة مشوهة وبائسة لنابليون الأول , وكان ملهاة أو مهزلة في الحكم بكل معنى الكلمة. وتاريخ العراق مليء بمثل هذه المآسي والمهازل. فحين ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي وعين والياً على أهل العراق اعتبر مأساة حقيقية لأهل العراق , إذ قتل الكثير منهم وحبس الكثير تحت أشعة شمس العراق المحرقة , فنزيف الدم لم يتوقف ,وسيل الدموع لم ينقطع وتمنى الناس أن يذهب دون رجعة. فهو القائل بحق أهل العراق ” أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وأني لصاحبها …” ونفذ قوله. وحين ظهر صدام حسين , صرخت امرأة من أهل العراق بأعلى صوتها وبعد أن رفعت رأسها نحو السماء مستغيثة : ” لماذا عدت يا حجاج “! ولكن الحجاج الجديد كان صدام حسين لا غيره. لم تكن عودة حجاج العراق بشخص صدام حسين مأساة فحسب , بل ومهزلة أيضاً. وأي مهزلة تلك حين نضع أمام أعيننا لوحتين , وهما: لوحة وهو يحمل سيفه ويهزه في الهواء أو يحمل بندقيته بيد واحدة ويطلق منها النار , وبين اللوحة الثانية حين اكتشفه الأمريكيون , وهم الذين جلبهم بسلوكه الفاشي والعدواني إلى العراق , أمره وهو مختبئ تحت الأرض وفي حفرة وبتلك اللحية الشعثاء وبجواره مسدسه الذي لم يستخدمه حينذاك , بل كان أحد أسلحته في قتل الناس العراقيين من نساء ورجال. ثم انتهى أمر هذا الدكتور – الذي جسد في سلوكه وافعاله المأساة والمهزلة في العراق – ليستقر في حفرة أخرى هي القبر ويحط كأي دكتاتور أهوج في مزبلة التاريخ.
وما أن انتهى هذا الماساة والمهزلة حتى ظهر نظير له , شخص آخر ليحتل هذا الموقع ويلعب نفس الدور , ظهر ليشكل في العراق مأساة جديدة ومهزلة في آن واحد , وكأن العراق مبتلى بالمآسي والمهازل لا تتركة واحدة إلا لتستتلي أخرى … وهلمجرا.
العراق اليوم يواجه شخصية جديدة ظهرت فجأة قبل أقل من خمس سنوات وبعد سقوط النظام , شخصية بدأت تلعب دور المأساة حين شكل جيشاً سماه “جيش المهدي” , تيمناً بالغائب الأخير من أئمة الشيعة الاثنا عشر. واندفع هذا الجيش المكون من الرعاع والعيارين في فترات الانحطاط ليقتل ويذبح من يشاء من أهل الشيعة والسنة , من المسيحيين والصابئة , وليعيث في أرض العراق فساداً وينشر الخراب والدمار والدم والدموع في كل مكان حطت به تلك المليشيات الطائفية المسلحة. ثم تاب هذا الشخص واستعاذ بالله على طريقته الخاص وذهب ليتعلم الدين وأعلن إيقاف نشاط هذا الجيش والكف عن قتل أهل العراق والاكتفاء بقتل الكفار من الأمريكان والأجانب , ثم عاد ليعلن الهدنة مع الجميع … وكان طيلة السنوات الخمس المنصرمة يتصرف كماساة مرة وكمهزلة مرة أخرى , وحير أتباعه.
وأمس طلع علينا وكيل هذا الشخص المدعو أسعد الناصري ليعلن للملأ النبأ التالي بعد صلاة الجمعة في مسجد الكوفة وفق ما جاء في نشرات الأخبار:
“حض الصدر في بيان تلاه الشيخ أسعد الناصري خلال صلاة الجمعة في الكوفة أتباعه للتوقيع بدمائهم على تعهد يقسمون فيه على استمرار ما وصفها بالمقاومة في العراق والدول الإسلامية وبالوسائل العسكرية والعقائدية، ضد من وصفهم بالمحتلين والقوى التي تعتنق المبادئ العلمانية الغربية. وقال الصدر إن أعداءه هم القوات المحتلة والنواصب والغزاة، مشيرا إلى أنه لن يتفاوض معهم حول التوقيع على هدنة ولن يجلس معهم حول الطاولة ذاتها ما دام على قيد الحياة، حسب ما جاء في البيان”. راجع موقع صوت العراق , تحت باب “أخبار العراق بتاريخ 15/8/2008. ألا يذكرنا هذا حين فرض صدام حسين على رئيس وأعضاء مجلس النواب أن يوقعوا بدمائهم ايضاً على بيان لهم بشأن صدام حسين وعهده؟ ألا يشبه اليوم بالأمس؟
تصوروا أن هذا الرجل المأساة _ الذي دعا إلى وحدة المسلمين من شيعة وسنة قبل ذاك مراوغة ورياءً , بدأ يعود إلى أصله الطائفي السياسي المقيت وبدأ يستخدم ذات المصطلحات التي يستخدمها الطائفيون المتعصبون ضد أهل السنة في العراق [النواصب] كما يستخدم الطائفيون المتعصبون من أهل السنة مصطلح [الروافض] ضد أهل الشيعة – أصبح مهزلة أيضاً. في مجتمع فيه الكثير من الجهلة والبؤساء والمساكين الذين يستطيع شخص مثل هذا المأساة والمهزلة أن يسير الكثير منهم صوب ما يريد لينتهي بهم وبغيرهم إلى الموت. علينا أن ننتبه هنا إلى القوى التي يريد وأدها أو قتلها في العراق , وهي:
** القوى المحتلة أو الغزاة ,
** القوى التي تعتنق المبادئ العلمانية الغربية ,
** النواصب – وهم أهل السنة سواء أكانوا عرباً أم كرداً أم تركماناً أم غيرهم من أتباع المذاهب السنية الأربعة.
وفي العراق الكثير من هذه النماذج , بعضها في المسؤولية وبعضها الآخر على هامش المسؤولية في الحكم وبعضها خارجه ولكنه محسوب عليها.
نتمنى لهذا الشعب المبتلى بمثل هذه النماذج من البشر أن ينجو منها ومن تأثيرها ومن يقف خلفها ويسندها ويزودها بالأوامر , ونتمنى أن يستفيق هذا الشعب بغالبيته من نومه ويدرك ما حصل له وما يراد له أيضاً من قبل هذه الشخصيات التي تدمج في سلوكها المأساة والمهزلة في آن واحد وتتسبب بموت الكثير والكثير جداً من البشر.

16/8/2008 كاظم حبيب