الرئيسية » مقالات » هل المراة العراقية تدرك مدى حدود حريتها ؟ هل تعرف قيمة الصراعات في الساحة السياسية ؟

هل المراة العراقية تدرك مدى حدود حريتها ؟ هل تعرف قيمة الصراعات في الساحة السياسية ؟

وجهت هذه الاسئلة لي اكثر من مرة وكل مرة كنت اجب باختصار . الان اتطرق عن وضع المراة العراقية بتفاصيل اكثر .

للجواب على هذه الاسئلة يجب ان اصنف المراة العراقية الى ثلاثة مجموعات

1- المراة المتحررة من قيود الدين – من بعض العادات والتقاليد التي تنسيها انسانيتها كمخلوق بشري متكامل . تفهم جيدا ان مجتمع العراق مجتمع ذكوري بحت وهي تصارع في الساحة السياسية والاجتماعية والقانونية وهي الطليعية في هذا الصراع منذ عقود بمساهمتها في كل السجل السياسي والثقافي والتعليمي والاجتماعي العراقي .

فهي تواكب التطور الحضاري وتقف مع اخيها الرجل ، على كافة الاصعدة اولها الصراع ضد الحكومات المستبدة التي حكمت العراق لقرون وثانيا الفكر الذكوري المسيطر على ذهنية المجتمع امراة او رجل , القوانين والدساتير الموجودة في العراق التي لاتقبل ان تنزع ثوب التخلف بحجة نحن مجتمع متحفظ . هذه المراة لا تعتمد الى المنظور الديني لتقييد طرق تفكيرها وسلوكها وخيالها ومشاعرها ، وتدعو إلى اعادة تركيب المعادلة الاجتماعية الحالية، التي هي في صالح الرجل “لقرون وقرون”، لتكون في صالح الاثنين. وجعل السلطة والمجتمع شراكة أبدية بين الجنسين، بالتساوي في الحياة السياسية والاجتماعية والجوانب الاخرى من الحياة اليومية . هذه المرأة، تعمل إلى تحرير ذهنية الأنوثة من ذهنية الذكورة الموروثة والمفروضة على المجتمع باكمله ، تحاول اعادة التوازن للمجتمع العراقي , المراة انسان كامل مستقل بحد ذاته ليست تبعية للرجل او مكمل للرجل كما يوصفها المنظور الديني.

تحقيق هذه المطاليب التي تنادي بها المراة المتحررة ، تعتمد على مدى صلابة إدارتها ورغبتها الصادقة والمسئولة في التخلص من استغلال الذهنية والنفسية والاجتماعية والدينية التي تدعو الى ترسيخ دونيتها. وهنا، لا يمكن أن نتحدث عن حرية المرأة، دون اقتران هذه الحرية بالمسئولية، والواجبات والالتزامات التي تمليها هذه الحرية اتجاه الرجل والمجتمع باكمله. ليست المراة وحدها بل هناك الرجل الواعي الذي يدرك ,لايمكن ان يتطور ويدخل العراق الى الحياة العصرية دون توظيف الطاقة البشرية الهائلة الموجودة عند 65% من تركيبته البشرية .

نحن النساء العراقيات امام امتحان صعب. في لجنة تعديل الدستور صراع قوي بين فريق المدافعين عن حقوق المراة وهم فئة من النساء والمحامين والقضاة والعلماء ذوي العقول المتحررة الذين يطالبون العدالة السياسية والاجتماعية , وبين المتطرفين المتزمتين الذين يقعون تحت تأثير الدول الجارة المتخلفة التي تقع تحت قائمة القوى الذكورية والمتطرفة في المنطقة. ولهذا السبب تحاول هذه القوى استبعاد المراة من النظام القضائي والحياة السياسية التي تؤثر تأثيرا فعالا في حياة المراة العراقية والمجتمع العراقي بشكل عام .

الفئة الثانية هي المراة المتدينة هي التي تؤمن ان المراة “ناقصة عقل ودين ، خيرُ النساء، أكثرهن التزاما بالدين وشرائعه, وأي خروج عن الضوابط والمعايير التي وضعها الدين للمرأة، هو شذوذ عن الحياة” من هذين المعيارين تبدأ باطلاق كلمات غريبة جارحة مثلا الفلتان والسقوط الاخلاقي والاباحية الغربية . فهي التي اقنعت واقتنعت انها تحرم نفسها من حياة الدنيا لكن تضمنها في الاخرة , من هذا المنطلق تسعى لما يملي عليها الدين ورجاله , وترفض كل شئ اسمه حقها في الحياة او تكتفي بما يعطى لها وهذا ايضا يأتي بضغط من الفئة الاولى , هذه الفئة مقتنعة بانها خاضعة للعقلية الذكورية وهي فكرة ازلية لايجوز تغيرها . حريتها فقط تنحصر في اطار ما يمنحه لها رجل الدين الذي حواليها من التزامات وواجبات لاغير , وبغير ذلك يدخل في مجال الكفر والالحاد . هذه الامراة هي التي تكرس العبودية لنفسها ومن ثم المجتمع .

هناك فئات غير قليلة من النساء العراقيات في الساحة السياسية ” وخصوصا اللواتي جيء بهن في اطار نظام المحاصصة”الي الحكم لا يملكن اي وعي بحقوقهن القانونية ” قانون الاحوال الشخصية” التي يتضمن الحياة العائلية السليمة للاسرة العراقية يؤكد ان مجتمعنا العراقي ذكوري ” كما هو الحال في معظم الدول الشرقية ” مما يقنع قسم من النساء العراقيات ان هذا شكل طبيعي في مجتمعنا الشرقي وهذا نظام عادل ( اما بمحض ارادتهن او تحت ضغط عليهن) المسألة الاخطر “هنا عندما يطلب المضطهد اضطهاده بنفسه , او يجهل اضطهاده عن وعي او قلة وعي” ,كلاهما مرض فتاك في المجتمع وبالتالي يؤخر عملية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

3- أما المرأة، المتأرجحة بين الوجهة الدينية لحريتها، وساحات المعترك الاجتماعية التي تتيح لها مساحة أكبر من الحرية الفردية والاجتماعية التي يمنحه إياها الدين، تعيش صراعات نفسية عميقة مع ذاتها ومع المجتمع. تسعى لضبط معادلة حقوقها وواجباتها، لاتعرف اين تضع نفسها عندما يأتي السؤال عن حقها في الحياة فهي تترنح بين حانة ومانة لاتستطيع تحديد حقوقها وواجباتها . وغالباً ما يصعب عليها إيجاد الية منسجمة ومتصالحة بين المتناقضات، بين التوجهات الدينية والتوجهات العصرية الحديثة، بين المشرع الاجتماعي والعلمي والقانوني والفلسفي، وما يحرمه الدين وشرائعه عليها، بين ما تحلله ذهنية الواقع والتطور والحياة الحديثة ، وما تعيقه “ذهنية التحريم”. فهي تعيش الصراعات مع نفسها وفي ظل الانحصار والضيق تلجأ الى الدين ورجاله لتجد امل يزرع في نفس مستاءة . لازال المجتمع المدني والمنظمات النسوية لم ترتقي بمستوى توعية هذه المراة بما هو لصالحها ومع ازدياد الامية والجهل المستمر تكون امكانية التوعية اصعب بقضيتها وازاحة السيطرة الذكورية القوية من تفكيرها .

هذا صراع ايدلوجي يعيشه المجتمع العراقي باكمله والذي سيحسم الصراع هي المراة العراقية لانها الاكثرية في المجتمع لكن السؤال هنا ماهي نسبة النساء العراقيات اللواتي دخلنا فعليا في هذا الصراع؟ ومهمة المراة من الفئة الاولى ادخال اكبر عدد ممكن من النساء العراقيات الى حلبة الصراع وهذا يأتي بالتعليم والتثقيف والتوعية المستمرة , للاسف اقول الاعلام لازال مقصرا بهذا الجانب .

اب 2008