الرئيسية » مقالات » الحق الكردي والاداء الفاشل للمسؤولين الاكراد

الحق الكردي والاداء الفاشل للمسؤولين الاكراد

“ويل لأمة ان لم تقل للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت” حديث نبوي

عبّر العديد من المسؤولين الاكراد عن “دهشتهم” و”سخطهم” و”رفضهم” لمجريات الامور في جلسات البرلمان العراقي اواخر تموز وبداية آب الحالي الى حد وصفها البعض بـ “الانقلاب” و “المؤامرة ضد شعبنا الكردي” . والالتفاف على الانجازات في كوردستان، كما وعقدت سلسله من اجتماعات وندوات في المقرات الحزبية والمنظمات الجماهيرية “ناهيك عن الستلايتات” حول “خيبة الامل” و”ضرورة اعادة تقييم التحالفات و”خيانة” العهود والاتفاقيات. ولم تمض ايام حتى “انطلقت” مظاهرات حاشدة تندد وتحذر وتهدد. واخيرا وليس آخرا، جاء قرار مجلس محافظة كركوك حول انضمام محافظتهم الى اقليم كوردستان العراق.
وكي لايضيع حق احد، فانني هنا سوف اكتب تفصيلات عن اداء سيء واسلوب يضر بالحق نفسه بالذات. ولكن، ولأن المخبرون الذين تعودوا على “الحياه الحزبية” كثيرون ولايتوانون عن خلق الاكاذيب وتفسير الاراء النقدية البناءة ومحاولة توريط اصحابها كنوع من الخيانة والتآمر، اسمح لنفسي بان اقطع الطريق على وشاياتهم وعلى تفسيراتهم التآمرية الهدامة. ان هذه الأراء لا تندرج في خانة الأحقاد والمشاعر الكيدية والتشفي، بالعكس انها اراء للمناقشة والتأمل واثارة الاسئلة لتكون في خدمة القيادة لتلمس الحقائق لتكون مفيدة في اعمال الفكر واستخلاص العبر، قبل فوات الأوان. لقد صرفت سنوات شبابي وحياتي في خدمة الحقوق الكردية بتفان واخلاص ولن ادخل في مزايدات عقيمة مع حزبيين مستفيدين لا تهمهم الا امتيازاتهم، وهم بدفاعهم عن مساويء الوضع الراهن، يكذبون لأنهم دجالون لا تهمهم مصلحة الا مصلحة ذواتهم فقط وهم ليسوا مخلصون لقادتهم حتى. نحن مخلصون لزعامتنا وقيادتنا لكن المسؤولين الفاسدين غير جديرين بمناصبهم، وهم لا يستحقون الا الطرد من وظائفهم والملاحقة القانونية العادلة بحقهم. فهم الذين يسيؤون الى سمعة قيادتنا وتدني الشعبية بسبب تصرفاتهم المشينة. الا ان الأداء السيء يضر بالحقوق العادلة والشرعية ولهذا على القادة ان يختاروا اساليب عمل راقية تتساوى مع رقي الحق والعدالة وضمن هذه الاساليب اختيار مسؤولين كفوئين ونزيهين.
ماذا حدث ولماذا تغيرت المواقف؟ ولماذا ادار البعض ظهورهم للحق الكردي؟
ان تفصيلات اذكرها هنا، تتعلق بهذا السؤال: هل ان للاكراد انفسهم دور في هذا الخذلان لهم؟ هل ساهم الأداء الكردي في ان ينقلب عليهم الآخرون؟
هذه دعوة للاصلاح لقطع الطريق امام العنف والتطرف. ان الأكراد ليسوا استثناءاً من التاريخ الأنساني: عندما يصبح الشعب ساخطاً تجاه مسؤوليه وحكامه، بعدما كان اولئك المسؤولين قد خذلوه وسرقوه وظلموه واهملوه وداسوا على كرامته وحقوقه وتناسوا حاجاته وطموحاته وتكبروا عليه واستنكفوا منه.. اي بكلمة واحدة عندما ابتعدوا عن الأهالي وفقدوا التواصل معهم، فان شيئاً واحداً سوف يحدث لا محالة، سواء كان ذلك عاجلا ام آجلا: سوف يقوم الشعب بتغيير حكامه. وسواء كان ذلك في الديمقراطيات ام في حيث النظم الظالمة لشعوبها.
هل هنالك احد يشك في هذا الاستنتاج التاريخي الذي اذكره؟
في الديمقراطيات، اذا ما غضب الشعب عن حكامه فانهم سوف يغيرونهم عن طريق صندوق الانتخابات. اما في غيرها فربما طال الزمن اكثر من السنوات الأربع او الخمس كما في المجتمعات التي تنعم فيها الشعوب بالدورات الانتخابية الحقيقية، لكنهم وبالتأكيد سوف يغيرون حكامهم لا عن طريق صندوق الأنتخاب المزيف، انما بالطريقة الوحيدة المتبقية لديهم: العنف. وكاصلاحيين لا عنفيين، ندعو وبكل اخلاص القيادة الكردية الى وضع خطة شاملة للأصلاح السياسي والحكومي والمالي والخدمي في الأقليم قبل فوات الأوان.
لقد كانت هناك مبادرات اصلاحية بالفعل لكنها ماتت في مهدها. يتذكر كاتب هذه السطور الزيارة التاريخية التي قام بها كاك مسعود الى دهوك عام 1999 وبقي هناك اياماً عديدة يستمع الى شكاوى المواطنين ضد المسؤولين الحزبيين والحكوميين (لا يمكن الفصل بينهما!) لكن الأجراءات الأصلاحية لم تتم. وباعتقادي فأن عدم تنفيذ الأصلاحات في ذلك الوقت، ادى الى تفشي الفساد الحكومي والحزبي اكثر من ذي قبل. ان كاتب هذه السطور شاهد على الخوف الذي انتاب البقرات السمينة والتي اكتنزت من المال الحرام، وكانوا قد اصيبوا بالصدمة والذهول والشحوب والوجوم والصمت والذعر كالفئران التي تتوقع الخطر الذي سيداهمها لكنه وبعد فترة تأكد لهم انه لا محاسبة ولا اصلاحات ولا خوف فاصبحوا “لا يحزنون”، وكان من شأن ذلك ان بدأ الفساد مثل النار الأبليسية في الهشيم الكردي.
وفي المقابل حدث شيء مشابه تقريبا في السليمانية حيث يسيطر عليها الاتحاد الوطني.
يتكئ المسؤولون، باستراحة، على مخدة “لا يوجد بديل عنهم”. وهذا خطأ. اولا انهم بقولهم هذا يعلنون عن غرورهم وروح الأستعلاء الفارغة وكأنه لم يلد ولم يولد الا ذواتهم، مما يمنعهم حتى من التفكير باجراء الاصلاحات المطلوبة. وثانيا، ان التاريخ الأنساني يقول دائما بان البديل يمكن ان يتشكل في لحظة مؤاتية واحدة من حيث لا يدري اي احد. بل واكثر من هذا، ففي الحقيقة ان البديل موجود الآن: كل هذه الضمائر الوطنية التي تبكي بصمت ، الآن، لحال الوطن والعدالة المفقودة وكرامة الشعب المظلوم، سوف تنهض هذه لتطالب بصوت مدوي ، بالعدالة والحقوق والكرامة المهدورة. واذا قال احد بأنه لا بديل، فهو اذن يتمنى ان الشعب الكوردي يكون عاقراً غير جدير او لا يمكنه الخلق والأبداع!
ويتكئ المسؤولون وباستراحة اكثر، على الحلفاء الأمريكان والأنكليز. هذا خطأ فادح آخر. ان ضمان تأييد الحلفاء هو رضى الأهالي عن المسؤولين. ولا يمكن أستمرار ضمان الدعم الخارجي في حالة الأقليم الذي يختلف عن حالات دول في الشرق الاوسط، حيث يستمر الغربيون في دعم نظم فاسدة وفاشلة وشبه ديكتاتورية.
ان حالة الأقليم الذي هو جزء من العراق، سوف تؤثر عليه مجريات الأمور في بغداد وليس في واشنطن او لندن. بغداد هي التي سوف تحسم. يعاني الأكراد من صلف وغرور مسؤوليهم، ولهذا فأن المرء لا يستغرب عندما يسمع في بغداد كما في واشنطن ولندن الحكايات نفسها حول الغطرسة التي لا تبعث على الأطمئنان.
ان الظروف العراقية والاقليمية والدولية ربما لا تساعد الآن في ظهور بديل مناسب. لكنه وفقط عندما تكون ظروف الاقليم نفسها مهيأة لظهور البديل، فسوف نرى التبدل الفوري الذي يحدث عراقياً واقليمياً ودولياً. ونحن نرى بوادر كل هذا الآن! فهل نريد نحن المخلصون لقيادتنا هذا؟ يحتم علينا هذا ان نتكلم الآن وقبل فوات الآوان!
كان كاتب هذه السطور في بغداد مؤخراً اثناء المظاهرات “المليونية” التي نظمها الحزبان الكرديان في مدن الأقليم. وناهيك عن الحديث حول ان الجميع يعرف كيف تخرج “الملايين” الى الشارع، كانت الصدمة صاعقة عند مشاهدة مئات الآلاف من المتظاهرين الذين صرف الحزبان الكرديان الأموال العامة على مئات الآلاف من اللافتات والاعلام وكل متطلبات تحشيد “الجماهير”. مئات الآلاف من اعلام كوردستان واللافتات تطالب بغداد الاعتراف بالحق الكوردي. والسؤال هو: لماذا اذن، لم تكن هناك تعليمات بموازاة التعليمات الآخرى من قبل جهة تنظيم المظاهرات، برفع، ولو بضعة أعلام عراقية؟! أنت تطلب حقوقك من بغداد، لكنك في الوقت نفسه تستفز بغداد وغير بغداد! أيها المغرورون كفى غروراً! نعم، عندنا حق مشروع لكن بموازاة أساليب مطعون فيها!؟
ان التهديد المبطن بالانفصال او الاستقلال وما شابه، هو سياسة مدمرة. وبدلا عن هذا، يجب ان يشتمل البرنامج السياسي الاصلاحي في الاقليم، وقبل كل شيء، على برنامج تربوي في الوطنية العراقية والايمان بالوطن العراقي على اساس المساواة والاعتراف بالحقوق والواجبات. اعتراف الجميع بحقوق الجميع والقبول التسامحي بهويات الجميع. واعادة الروح في الوطنية العراقية لدى اهالي اقليم كوردستان العراق.
ما أشبه شعارات المثقفين القومجيين الأكراد بنظائرهم من المثقفين القومجيين العرب او الأتراك. نفس الخطاب البائس. نفس نمط التفكير وتفسير العالم! وعدم ادراك التحولات الهائلة في العالم من حولنا. خطاب من القرن الماضي وقبل الماضي!
نحن نرى ونحن نسمع ولهذا يجب ان نتكلم. ولا احد يستطيع ان يحجب عنا هذا الحق. واذا اراد المسؤولون ان لا ننتقد اوضاع الأقليم السيئة جداً، فعليهم اذن الشعور بالمسؤولية والبدء بالاصلاحات لكي نقوم نحن باطرائهم ومدحهم والحديث عن منجزاتهم والتصفيق لهم.
نحن نرى ونحن نسمع ولهذا يجب ان نتكلم: لقد تدهور النظام القضائي الى درجة قعرية. وبوجود ثمانية كليات مسائية للقانون في الأقليم، اصبح تسييس القضاء امراً مسلماً به. طوابير حزبية تتخرج كل سنة من هذه المدارس وهم يحملون ما يسمى بشهادة”بكلوريوس في القانون”. طوابير حزبية أخرى تتخرج، يعلقون على جدران مكاتبهم ما يسمى بـ “شهادة الماجستير في القانون”. قانونيون يخرقون القانون. أشباه أميون يحملون شهادات جامعية وشهادات عليا بعد ان كانوا قد حصلوا على “تزكية حزبية”. لا يستطيعون كتابة رسالة شخصية باللغة العربية او حتى باللغة الكردية. لم يعد القضاء مستقلاً في الأقليم. انه مسيس حزبياً. يا للكارثة!
وزارات ومديريات عامة اصبحت حكراً على الحزبيين واصبحت دوائر للدسيسة والرشوة والمحسوبية والمنسوبية. الأداء الإداري والحكومي وصل مستويات قعرية. لم تعد الكفاءة ولا الأنتاج ولا الأخلاص في العمل هي شروط المدير او الموظف الناجح للحصول على الترقيات الأدارية. الذي لا يسرق المال العام “غبي لا يعرف مصلحته”، “غشيم”، “مسكين”.. ويلفق الحزبيون ضده تهم “الخيانة” و ” التآمر” على المصلحة العامة. والكلمة الكوردية هي “كه ر” اي حمار. المخلص او النزيه في عمله الحكومي حمار!
اصبح كاتب هذه السطور وكيلا لوزارة الأعمار والتنمية بعد تشكيل اول حكومة كوردية اثر الانتخابات البرلمانية عام 1992. جاء ذلك بعد انتفاضة 1991 وسحب النظام السابق لكافة المديريات والمؤسسات الحكومية من محافظات دهوك واربيل والسليمانية عقاباً للشعب الكردي. ويشهد كاتب هذه السطور بأنه وبالرغم من سحب بغداد في ذلك الوقت للادارات وتفريغ المنطقة من المؤهلات الادارية، الا ان اول حكومة كردية ترأسها د. فؤاد معصوم استطاعت ان تبني وزارات ومديريات عامة ومديريات وهيكلية ادارية ناجحة بكل المقاييس. بقيتُ في الادارة الى حين تقديم استقالتي كوزير للبلديات عام 1999. اذكر هذا لتوضيح انني اعرف من الداخل، وانا أرى وأنا أسمع ولهذا يجب ان أتكلم. نعم بالرغم من كل ذلك، كان الأداء الحكومي افضل بل لا يمكن مقارنته بالوضع الحكومي الأداري الحالي. من هو السبب؟
لماذا اذن كانت الاوضاع الادارية الكوردية افضل سابقا بالرغم من كل مؤامرات النظام، ولماذا تدهور الاداء الحكومي شيئا فشيئا الى ان وصل الى هذا المستوى المشين والكارثي؟ من هو المسؤول؟ من هو المسؤول عن هذا التردي؟ من هو المسؤول عن تردي التعليم والصحة؟ من هو المسؤول عن تردي خدمات الماء والكهرباء؟ من هو المسؤول ان تتحول الحكومة من جهاز لخدمة الأهالي الى جهاز لخدمة حفنة من الغشاشين والمحتكرين والمحتالين الجشعين واللصوص؟ عديمي الضمائر؟ لقد اصبحت كلمة “دز” الكوردية (لص بالعربية) على كل لسان واصبحت مرادفة لكلمة “مسؤول” ياللخجل!. ماذا حل بالكرامة؟
تحولت كلمة، تعني خدمة الناس والمسؤولية تجاه ازدهارهم وتطورهم، الى مرادف للحرامية! دز. دز. دز. هذه الكلمة على كل لسان في كل شارع في كل بيت. اسأل اي مواطن في الشارع عن كلمة مرادف لكلمة المسؤول. سيكون جوابه: دز . دز. دز. هل تشرّف كلمة حرامي احداً؟ ام ان التربية الوطنية والتربية الدينية والقيم الأنسانية والخدمة والتضامن والصدق ومساعدة المحتاجين والضعفاء والسهر على ترقية المجتمع وأمنه الغذائي والصحي والتربوي والتواضع والتواصل وحفظ الوعد والكلمة الصادقة والاخلاص في العمل والوفاء اصبحت قيماً رجعية ريفية يستهزء بها الأثرياء الجدد، أثرياء المال الحرام، تدل على الغباء والبلادة من قبل أشخاص “مسكين لا يعرف مصلحته!”. كه ر، اي حمار!
ولهذا فان جريمة الجرائم هي ليست تخريب المؤسسات الحكومية من الوزارات والمديريات العامة والمديريات و “تفليش” الحكومة والأقتصاد، بل هو التدهور الأخلاقي. ليست الأخلاق هنا ما يتعلق بالتصرفات الجنسية، انما الأنحطاط في مبادئ التربية الوطنية والتربية الدينية بحيث لا يوجد هناك رادع اخلاقي في سرقة المال العام، وانعدام الشعور بالمسؤولية وانعدام الاخلاص في العمل والتضحية من اجل تنمية الوطن وازدهار الأهالي ونشر القيم النبيلة في خدمة الأنسانية. الأنحطاط الأخلاقي يعني الكذب على القيادة للحصول على الامتيازات. يعني سرقة المال العام. يعني عدم الأخلاص في العمل. يعني الكذب وتزييف الحقائق وانعدام الشعور بالمسؤولية الوطنية او الأنسانية او الدينية.
هذه المشاكل التي تعصف بالاقليم، يجب ان نقوم وبكل اخلاص وشعور بالمسؤولية البحث عن حلول لها.
ان التبرير الكوردي بانه لا زالت تواجهنا تحديات “قومية” تتعلق بوجودنا ولهذا يجب تأجيل الأصلاحات لحين حل “التناقض الرئيسي”! هو منطق خاطئ أثبتت الحركات القومية العربية الخداع المضلل لهذا الخطاب القومي. عانت الشعوب العربية من ظلم حكامها ولا تزال، تحت ذريعة فلسطين والنضال ضد الصهيونية والاستعمار والامبريالية و “لاصوت يعلو فوق صوت المعركة”. فصودرت الحريات وتأجل الى الأبد تحقيق الديمقراطية والتنمية البشرية وحكم القانون والنظام في اكبر عملية خداع للشعوب العربية بأسم “الأمن القومي” و “المصلحة القومية العليا”! لماذا نريد استنساخ هذه التجارب الفاشلة؟ لماذا نريد ان يشبه اقليمنا اوضاع مجتمعات أوربا الشرقية سابقاً؟ لماذا نسمح ان تغمرنا الأكاذيب الى ان نصبح نصدق اكاذيبنا التي اختلقناها وفبركناها؟ والى ان اصبح المجتمع كله يعيش كذبة كبرى؟ ندعي بالوطنية ونعمل العكس. ندعي بالمسؤولية ونعني جيوبنا وامتيازاتنا. نزعم التضحية والفداء من اجل الشعب ونحن نخادع الشعب ونسلبه حقوقه وكرامته. نتحدث حول القانون والازدهار الاقتصادي وتطوير الزراعة وبناء المدارس والجامعات وايضاً، منظمات المجتمع المدني وبناء الديموقراطية والبناء الستراتيجي للأمة.. على المدى الطويل! يا لسحر اللغة وسحر الكلمات! لكنها لن تستطيع تزوير وتزييف الحقائق. ونحن نستورد البصل والفجل في اقليم لا يحكمه القانون والنظام بل الواسطة والرشوة والمحاباة، وتنعدم فيه العدالة.
وان استطاعت نظم دول الشرق الأوسط القمعية بمحاصرة شعوبها باللعب على عواطف قومية ودينية بدائية، مستغلة ظروف الحرب الباردة تارة وظروف الارهاب الاسلامي والتطرف الديني تارة اخرى، فان ظروف الاقليم بكونه جزءاً من العراق ربما سمحت له عزف الأسطوانة القومجية نفسها الا ان هذا العزف القومي سوف لن يدوم طويلاً وسوف يتوقف تماماً عندما يبدأ عزف لحن أقوى وأمضى وأكثر اقناعاً للاهالي ومندمج مع روح العصر الا وهو صدح نشيد الحرية والديمقراطية في بغداد.
كان العالم يكيل المديح والاطراء للتجربة الديمقراطية الفتية في كوردستان وكان يحلو للكتّاب الغربيين وصفها بـ Fledgling Democracy اي الفتية والتي تحبو.
لكن الوليد يمكن له ان ينمو ويتطور ويمكن ان يمرض ويصيبه الشلل والهوان او حتى الموت. هؤلاء المسؤولون عديمي الضمير تسببوا في زرع ميكروب الفساد في جسد ديمقراطيتنا الناشئة. وبدلا من ان تستفيد بلادنا العراقية كلها من اصلاحاتنا الديمقراطية، أصبح أهالي الأقليم يتطلعون الى اليوم الذي يتقوى فيه النظام الديمقراطي في بغداد ليؤثر بدوره في مسيرة الأحداث في الأقليم تماماً عكس ما كان عليه الوضع لغاية 2003.
كل متابع منصف يعرف انه وخلال سنوات قليلة وبالرغم من غول الأرهاب الذي ضرب يميناً ويساراً فان برلمان بغداد هو اكثر جرأة وديموقراطية وكفاءة وجدارة من برلمان أربيل رغم تأسيسه منذ 1992. والشيء نفسه يقال حول محطات التلفزيون والصحافة المطبوعة والاذاعة ومنظمات المجتمع المدني. بالرغم من فداحة الارهاب فأن حرية التعبير ودرجاتها أكثر بكثير منها مما هي عليه في الأقليم.
صحيح، هناك هدر وسرقة للمال العام على نطاق واسع في المركز، لكنه ايضاً توجد هناك محاسبة ولجان نزاهة وعقوبات وكلها غائبة في الأقليم. ان الدرس واضح للعيان، عندما تستطيع الفخر بادائك سوف يحترمك الناس وسوف تسمع عبارات الفخر والاعتزاز.
أما الآن، فلم يعد، قياسا الى السابق، لم يعد الأكراد فخورين بـ “التجربة الكوردية” ولا بمسؤوليهم. فكيف نقنع الآخرين بأننا على حق وان مطاليبنا عادلة؟ لم نعد نحن، كما كنا سابقاً، نؤيد أنفسنا، فكيف نطلب التاييد من الآخرين؟ لم نعد نعتز بأنفسنا، كما كنا سابقاً، فكيف نريد ان يعتز بنا الآخرون؟ لم نعد نثق بأنفسنا، كما كنا سابقاً، فكيف نتوقع الثقة من الآخرين؟ لم يعد لدينا همم، فكيف نناشد الآخرين؟ فشلنا في الأدارة والحكم، فكيف نقنع الآخرين في ادارة وحكم كركوك؟
ماذا نقول عن “تجربتنا” في الحكم بينما يشكل الموظفون في الأقليم أكثر من 34% من مجموع موظفي العراق ككل؟ وبذلك تكون الأموال المخصصة لهذا الجيش العاطل والذي تصرف رواتبه من ميزانية الدولة العراقية التي تدفع الى ميزانية الأقليم الذي يصرف بدوره أكثر من 65% من ميزانيته على موظفيه الوهميين. مع العلم ان النسبة المقبولة عالمياً تكون عادة بين 15-25%. هل هذا هو “الأمن القومي”؟ وماذا يحدث لو توقفت بغداد عن الدفع لسبب من الأسباب؟ من يتلاعب اذن بالأمن القومي؟ ماذا نقول ونحن نعرف ان ميزانية الأقليم اكثر من ميزانية بلد مثل سوريا، مع العلم ان نفوسها حوالي 20 مليون شخص، وهو بلد في حالة حرب وله جيش يملك الطائرات والصواريخ وسكك الحديد وميزانيات كبيرة للسفارات حول العالم ونظام التعليم جيد ومعامل ومصانع وزراعة نستورد نحن الكثير من موادها. نعم ميزانية سوريا هي 10 مليار دولار (ما عدا تحويلات المغتربين). وميزانية الأقليم هي 10.5 عشرة ونصف مليار دولار (ما عدا تحويلات المغتربين الأكراد الى عوائلهم في داخل الأقليم ولا يعرف المقدار الحقيقي لهذه التحويلات). اين تذهب هذه الأموال الطائلة؟ ماذا نقول ونحن نعرف ان اعتمادات وزارة الداخلية 13.2% هي اكثر من ضعفي اعتمادات 6 وزارات اساسية: الأعمار والأسكان، الزراعة، المواصلات، النقل، الموارد المائية ووزارة الموارد الطبيعية والتي تشكل سوية 6.01% من الميزانية! هل يصدق هذا؟
هل نريد ان نثبت لأنفسنا بأن مقولة الآباء والأجداد صحيحة: “كورد وحكومة نا بي” اي ان “الأكراد غير جديرون بالحكم”. (مثل كوردي قديم)
ماذا نقول لأحصائيات تشير الى نسبة مذهلة للأميين الأكراد، حوالي 45% وان خريج الجامعات الكوردية لا يقرأ اكثر من عشرة صفحات في عام كامل؟ مع العلم ان منظمة اليونسكو تنصح الأفراد بقراءة 22 كتابا في السنة. ماذا فعلت الحكومة طيلة هذه السنوات من أجل التنمية البشرية في الأقليم؟ ماذا حققت جامعاتنا من المساهمات في اي حقل طيلة كل هذه السنوات، ما عدا تخريج طوابير جديدة من الأميين حملة ما يسمى بالشهادة الجامعية؟
هل حاربنا التصحر البيئي؟ هل حاربنا التصحر في القيم الروحية والمعرفية؟
لا توجد هناك مؤامرات اقليمية ودولية ضدنا. انما المؤامرة الواضحة وضوح شمس آب اللهاب في بلادنا، هي المؤامرة التي ندبرها ذاتياً بكيفية ادارة مواردنا البشرية والمادية التي نملكها لا عن طريق المؤسسات التي لا وجود لها انما عن طريق نصابين لا همّ لهم الا اكتناز المال الحرام. هؤلاء سوف يقذفون بالأقليم الى الهاوية ان لم تنتبه القيادة الى خطورة الوضع الآن وقبل فوات الآوان.
اول مايجب ان تقوم به قيادة الحزبين هو مراجعة الأتفاق “الستراتيجي” الجاري بينهما والذي ينص على خوض الانتخابات القادمة كجهة واحدة. اي بدلا عن التنافس والقبول بالتداول السلمي للسلطة حسب نتائج الانتخابات. قرر الحزبان بقاء الواقع الحالي كما هو لمدة 15 سنة اخرى! هذا خطأ ديموقراطي ستراتيجي! ربما كان صحيحاً في وقته لدرء مخاطر الأقتتال بين الحزبين، لكنه الآن فقد مفعوله.
الاصلاح السياسي يبدأ من هنا، اعلان المنافسة بين الحزبين واعلانهما الالتزام بنتائج الانتخابات وتسهيل عمل المراقبين الدوليين لأجراء انتخابات حرة وشفافة ونزيهة وعادلة. والقبول بتداول السلطة سلمياً.
السياسة مثل الأقتصاد، تفسد بالاحتكار وتزدهر بالمنافسة الحرة والنزيهة. وهكذا سوف تزدهر الديمقراطية في الأقليم عندما تتولى الأغلبية الحكم وتنصرف الأقلية الى المعارضة البرلمانية والمراقبة والمحاسبة والاستعداد للانتخابات القادمة.
ولماذا يخاف طرف ان يتحول الى المعارضة؟ لقد ولت الديكتاتورية والمعارضون لا يودعون السجون انما يأخذون مقاعدهم المحترمة في البرلمان!
ان الديمقراطية والمزيد منها هو الضمانة الوحيدة لأمننا القومي وليس الخطاب الماضوي حول التهديدات الأقليمية وما شابه. اننا عندما نؤمن ونعمل ونخطط ونربي انفسنا بأننا اقليم جزء من العراق، فحينها لن يتجرأ احد على التعرض لأمننا، وبعكسه فان الخطاب القومي سوف يدمر الأقليم كما دمر الخطاب القومجي العربي جيوشاً عربية، بل وشعوباً عربية ونهضة عربية. بل واكثر فأن القيادات عندما تكون معزولة عن شعوبها، فعليها ان تدرك جيداً بان لا قبل لها على انجاز الانتصارات، لأنها سوف تترك وحيدة لتلاقي مصيرها المجهول.
من تسبب بهذا؟ لقد تسبب بهذا، الطمع والجشع والغرور الطاووسي الفارغ والأنغماس في حب المال والجاه والسلطة.
ان البدء بالاصلاحات سوف يكون له مردود ايجابي عراقياً واقليمياً ودولياً. ذلك لأن الأصلاحات هي الباب الصخري الذي يسد الرياح العاصفة الحقودة المسمومة بالعنف والضغينة والغوغائية.
لو كان أداء الأقليم جيدا لكان من الممكن ومن السهل توقيع تضامن البرلمانيين العراقيين بان تصبح كركوك جزءاً من الأقليم. بل كان يحتمل ان يطلب المواصلة بأن تصبح الموصل نفسها جزءاً من أقليم ديموقراطي مزدهر آمن يعيش فيه الجميع بحرية وكرامة يسوده حكم النظام والقانون والعدالة والمساواة. وما المانع عندما يكون الكل جزء من بلادنا العراقية؟ بلاد حدودها الحرية والكرامة الأنسانية والعدالة والمواطنة الحقة على اساس المساواة .
اما والحالة ان سكان الأقليم انفسهم ساخطون ومتذمرون من سوء الأدارة ومحاباة الأقارب والحياة الحزبية الضيقة وانعدام العدالة وغياب التنافس الشريف على فرص العمل والوظائف والترقيات ناهيك عن غياب الخدمات الأساسية للمواطنين والغرور الفارغ واستعلاء كل من أصبح كرسيه اعلى بأنج او سنتيمتر واحد وكل من أصبح في جيبه مليون زائد، بحيث يصبح ناسياً متناسياً صداقاته القديمة متكبراً متعجرفاً بوظيفته او منصبه او راتبه او امتيازاته متنكراً حتى لمن كان قد ساعده في الماضي، ناكراً للجميل ينطبق عليه صفة عديم الوفاء للاصدقاء. كيف اذن يمكن توقع ان يقتنع الأهالي بهكذا موظفين جاؤوا صدفة وخلسة ليتبختروا ويتجبروا.. بالطبع، سيكون موقف الآخرين سلبيا ايضاً، بعد ان كان قد أصبح موقف أهالي الأقليم انفسهم سلبياً تجاه هكذا مستكبرين. “حك ظهري، أحك ظهرك” . هذا هو الدرس الأول للسياسيين تجاه المواطنين. يطلبون الواجبات من المواطنين بينما يحجبون الحقوق عنهم!
اجراء الأصلاحات في ادارة الأقليم ضرورة حيوية مثل الحياة او الموت. ولهذا نتكلم. ان عدم اجراء الأصلاحات من شأنه خلق الأزمات الأربع، مع العلم ان كل سياسي عصري يجب ان يتجنبها:
1- الأزمة الداخلية في الأقليم وحدوث العنف والشغب.
2- أزمة داخل العراق بسبب هذا العنف والشغب.
3- أزمة اقليمية بسبب عدم الأستقرار المصاحب للعنف والشغب.
4- أزمة دولية بسبب كل تلك الأزمات الثلاث، خاصة وان العراق بلد تحتله قوات أجنبية ويخضع لقوانين والتزامات وقرارات دولية.
الأصلاح مطلب شعبي وسوف يرى كاك مسعود البارزاني، الرئيس المقتدر لاقليمنا، ولما يتمتع به من تقدير وثقة ومحبة لدى الأهالي ، كيف انه بامكانه كرئيس للأقليم، احياء الروح الوطنية الكوردية العراقية عندما يبدأ بتنفيذ برنامج اصلاحي شامل يكون مفخرة لكيفية اجراء الآصلاحات ليس في الأقليم او العراق وحده، بل لدول عديدة في الشرق الأوسط. سوف يجد رئيسنا المحبوب ملايين الأكراد والعرب والتركمان والكلدوآشوريين في داخل العراق وخارجه، وحلفاء العراق اصدقاء الديموقراطية والعدالة والتنمية في طول العالم وعرضه يؤيدوه ويساندوه ويشدون على يده مشجعين فخورين.
اما الحفنة من مزيفي الحقائق الذين لايهمهم الا الجشع والطمع والأنانية، فلن يشكل موقفهم المضاد للاصلاحات سوى صدى خائباً يعود اليهم رنة كئيبة في آذانهم المتقيحة لأنهم لم يسمعوا باكراً نداء الشعب الذي يستصرخ التغيير وفي كل ربوعه.
ان بلادنا العراقية التي خرجت من ظلمات الديكتاتورية بحروبها وطغيانها واستبدادها وحرمان الشعب من حقوقه واجراءات القمع والأبادة ضد الشعب العراقي كله، وبخاصة الشعب الكوردي، جديرة بقادة يصنعون المستقبل دون ان تتحكم بهم مصائب وويلات الماضي البعيد والقريب منذ تأسيس بلادنا العراقية.
عراقنا، بخيراته وأهميته، سيصبح بهمة القادة المخلصين الذين يتطلعون الى بناء المستقبل الزاهر الواعد، بلداً تشع منه الحرية والديموقراطية والعدالة.
بناء هذا الوطن يحتاج قادة من طراز سوف يبقى شعبنا العراقي والأنسانية تذكرهم بكل فخر واعتزاز.
هيا الى العمل! هيا الى الإخلاص! هيا الى العدالة! هيا الى الحرية والديموقراطية!
/رئيس التسامحية العالمية – اربيل
www.tolerancy.org
الحوار المتمدن – العدد: 2373 – 2008 / 8 / 14