الرئيسية » مقالات » القوش وعنكاوا التباين في مواكبة الزمن

القوش وعنكاوا التباين في مواكبة الزمن

لم تشكل مغادرتي لألقوش من اجل الدراسة ومن ثم العمل الوظيفي عائقاً امام زياراتي المتكررة الى القوش ، وخشية على وشائج المودة من ان تضيع تحت ضغوط مشاغل الحياة وضجيجها وتعقيداتها ، تعمدت على الأحتفاظ بسجلي المدني لتسجيل النفوس في القوش ولم انقله الى بغداد او البصرة رغم الصعوبات والمشقات التي كانت تعترض سبيلي في إنجاز المعاملات المتعلقة بذلك ، وهكذا ابقيت سجل النفوس وشيجة قائمة وحجة حتمية لزيارة القوش في فترات متعاقبة .
وهكذا احتفظت على مدار السنين والعقود بتصور واضح عن القوش منذ اواخر الأربعينات من القرن الماضي ولحد اليوم ، إن كان هذا التصور عن الظروف السياسية العسيرة التي كانت تمر على هذه المدينة او الظروف الأقتصادية الصعبة التي تنتابها حينما تأبى السماء ان تجود بأمطارها فتسقي حقولها فتمحل الأرض ويجف الزرع وترتفع الأسعار وتتعقد سبل العيش واسباب الحياة .
اما سجل معرفتي بعنكاوا فتشير بداياته الى زيارتي لهذه المدينة اواخر عام 1959 مع وفد كبير من القوش ، وكانت الزيارة للترحيب بالقائد التاريخي للشعب الكردي الملا مصطفى البارزاني والأكراد البارزانيين العائدين من الأتحاد السوفياتي السابق . وفي تلك الفترة كان الفكر اليساري الثوري يعصف بمخيلتنا ولم تكن ثمة قوة تستطيع تحييدنا عن تلك الأفكار في تلك المرحلة العمرية من الفتوة والشباب .
ومن بين ما بقي في مخيلتي في تلك السفرة المسافة التي قطعناها بالسيارة من اربيل الى عنكاوا حيث الشارع الترابي الذي يناهز الأربعة كيلومترات وكانت الحقول والأراضي الزراعية تترامى على جانبي الطريق . وبعد ان دار دولاب الزمن ومرت الأيام والسنون وصادف ان زرت مدينة عنكاوا في اوائل التسعينات من القرن الماضي ، فألاحظ امامي تقدماً عمرانياً اصنفه بأنه اعتيادي ومألوف بعد تلك العقود من الغياب .
وتشاء الصدف في الزمن الراهن ونحن نقطع اشواط عام 2008 ان اكون في طريقي نحو عنكاوا عبر اربيل ، وانتظرت نهاية تخوم اربيل لنقطع شوط الطريق ( الزراعي ) الفاصل بين اربيل وعنكاوا لكن يبدو ان ذلك الطريق بات من ذكريات الماضي ليس إلا ، إذ بينما نحن في شوارع اربيل اشارا زميليّ العزيزين ضياء بطرس وحكمت حكيم أن تخوم عنكاوا تبدأ من هذه السيطرة ، وهكذا عكفت عنكاوا على النمو العمراني الى ان التحمت مع مدينة أربيل .
وفي كل المقاييس يكاد الفرق معدوماً في التشييد العمراني بين عنكاوا وبين مدينة اربيل وهي عاصمة اقليم كردستان . وإن جاز لي ان اعبر عن النمو العمراني في عنكاوا في هذه السنين فأقول انه نمو جنوني .
في هذا السياق ومن باب المقارنة ، نعود ادراجنا الى القوش التي شهدت توسعاً عمرانياً ايضاً ، لكن بمقارنته بالعمران الذي حدث في عنكاوا فإنه لا يبلغ عشر معشاره ، وعلى مشرحة المقارنة ايضاً نقول كان العمران في القوش متواضعاً بالقياس الى ما أنجز في عنكاوا .
في حديثي مع بعض الاصدقاء في القوش استشفيت انهم مرتاحون لهذه النتيجة ، فحديثهم يدور حول النبع الصافي الذي تنهل منه القوش في الماضي وهم عاكفون على الأحتفاظ بذلك النقاء ، إنهم مرتاحون لتلك النتائج ما دامت ضامنة لسيرورة وجودهم الثقافي والديني والقومي واللغوي ، لقد دابوا على الأحتفاظ بالمقولة الدارجة : ان كربلاء هي المدينة العراقية التي لم يقطن فيها المسيحيون ، والقوش هي المدينة العراقية التي لم يقطن فيها المسلمون ، ليس هذا فحسب بل ان بعض المسيحيون من خارج القوش لم يفلحوا في شراء بيت لهم في القوش والسبب لانهم ليسوا ألاقشة .
من هذا المنظار يكون الألاقشة قد خسروا كثيراً ثمناً لأكتفائهم بالنبع الصافي الوحيد الذي ارتضوه لأنفسهم ، وفي الحقيقة انهم غير مهتمين بهذه الخسارة ما دامت تضمن لهم سيرورة الوجود على الصيغة المجتمعية التي ارتضوها لأنفسهم . وفي عين الوقت نلاحظ عنكاوا قد توسعت في كل المجالات وهنالك من ابنائها من استمرأ هذا التوسع ، ولكن بعضهم لا يخف استياؤه من هذا التوسع الذي ربما يبتلع خصوصياتهم في يوم من الأيام .
كان نصيب عنكاوا سخياً من التخصيصات المالية وكانت طبيعة تحاددها مع اربيل له الدور الكبير في نموها وازدهارها . كانت ملاحظة خاطفة تلك التي لمحتها في حفلة تناول اول أقامها الصديق نوزاد حكيم احتفاءً بالتناول الأول لطفليه نذرا وبيرتا ، ولبّيت دعوته الكريمة لحضور هذا الحفل العائلي والذي اقيم على حدائق جمعية الثقافة الكلدانية .
ثمة حالة كانت جديرة بالملاحظة وهي حينما تصدح النغمات الكردية شاهدت ، كيف يطرب الشباب والشابات ويستجيبون ويتناغمون في رقصة الدبكة الكردية ، برأيي انها استجابة مجتمعية ثقافية قبل ان تكون رقصة في دبكة طارئة . إن هذه الحالة قد تساعدنا في فهم عدم تجاوب الألاقشة كلياً لهذا الطرف او ذاك ، إن موقع مدينة عنكاوا الكلدانيـــــة في وسط اجتماعي وجغرافي كردي قد جعلها تستجيب وتتفاعل ثقافياً مع واقع الشعب الكردي ، بينما نلاحظ ان الموقع الجغرافي لألقوش والمحادد جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً لأقليم كردستان من جهة وللتكوين المجتمعي العربي من جهة اخرى ، قد جعل من هذه المدينة الكلدانيــــــة تحاول ان تبقى محافظة على ثقافتها ويقلقها هاجس الأستجابة المتكاملة مع هذا الطرف او ذاك فتحاول ان تبقى على مسافات متساوية من الجميع ، وربما موقفها يساء تفسيره ، او على الأقل يقال انه يتسم بالضبابية .
برأيي المتواضع ان هذا الموقف ( المتذبذب ) إن صح التعبير هو السبب في عزوف الأستاذ سركيس آغاجان من بناء بيوت سكنية في هذه المدينة في حين لا حظنا البيوت السكنية قد جرى تشييدها في مدننا وقرانا وصرف عليها بسخاء . لكن هذا الباب ( بناء قطع سكنية ) لم يكن له اثر في القوش .
ثمة امر آخر يمكن التطرق اليه للمقارنة بين القوش وعنكاوا وهو حالة تجهيز الكهرباء ، ففي عنكاوا للأيام الأربعة التي مكثت فيها بمدينة عنكاوا لم ألاحظ تلك الأزمة وتلك المعاناة التي لاحظتها في القوش . في القوش قصة لا تنتهي :
إنه هاجس انقطاع الكهرباء وعمل المولدات ، فمجرد ذكر لاسم المولدات تتشابك الأحاديث وتعلو الأصوات وينطلق مسلسل التهم لهذا الطرف او ذاك . إن هذه المعضلة في الحقيقة هي مشكلة العراق برمته ، لكن ساعات تشغيل المولدات واستيفاء الأجور وغيرها من الأمور المتعلقة بذلك ، يكاد يكون حديث ساخن فيه الكثير من علامات الأستفهام ، وكان بودي كتابة مقال كامل حول هذا الموضوع الذي يعتبر حديث الساعة لكن ذلك يتطلب الأتصال بكافة الأطراف لتكوين رأي متكامل ، ولا أدري إن كان بمقدوري تحقيق ذلك .
اما معضلة الكهرباء فإن المفارقة تكمن في انني قادم من بلاد النرويج حيث يعتبر استهلاك الفرد النرويجي للكهرباء اعلى معدل في العالم رغم ان سعرها مرتفعاً في هذه الدولة . لكن في وطني حيث معدلات الحرارة المرتفعة ، يبقى الأنسان العراقي محروماً او شبه محروم من هذه النعمة ، ولا أدري أين يكمن السبب ؟ إن كان العراق يصدر النفط وهو مصدر رئيسي لتوليد الطاقة الكهربائية ، وللعراق ايضاً مليارات الدولارات تكمن في خزائنه ، وله من القدرات الفنية والبشرية ماشاءالله ، فلماذا يبقى العراق بكل هذه الأمكانات عاجزاً مشلولاً لا يستطيع تحقيق حاجات شعبه من الطاقة الكهربائية ؟
والى متى تبقى حكومتنا متفرجة على ما يعانيه الشعب العراقي ولا تحرك ساكناً ؟
أيها السادة ان كهربة البلاد من واجبكم وعليكم القيام بهذا الواجب .
حبيب تومي / القوش