الرئيسية » مقالات » مصير الشعوب و الناس في صراعات الكبار

مصير الشعوب و الناس في صراعات الكبار

هناك نكتة تتداولها وسائل الإعلام عن المحق و المذنب فيما يجري اليوم في أوسيتيا و في جورجيا , كما كان الحال من قبل في البوسنة و كوسوفو و العراق..هناك اليوم الكثير من الكلام عن عودة الحرب الباردة و عودة انبعاث القوة الروسية الذي يلاقيه بعض اليساريين العرب بشيء من الحماسة التي تعود إلى عدة عقود ماضية و كأن عودة الروح إلى القوة الروسية يعني خلاص الشعوب التي لا تجد نفسها في نزاعات الكبار إلا كهدف و وسيلة في نفس الوقت , أو في مواصلة الهذر الليبرالي عن فضائل الأخلاق الأمريكية و أن المارينز سيتدخلون لنجدة أي مقهور في عالمنا دون أن يكون لذلك أية علاقة بالنفط , الغائب الأكبر عن “تحليلات” هذه الصراعات هم ضحاياها فهم بعد أن يستخدموا كأساس للتبرير الإيديولوجي أو السياسي السلطوي يلقى بهم جانبا و يخصص بقية الحديث لأخلاق و طيبة الكبار المتخاصمين..كإنسان يتحدر أجداده من القفقاس علي هنا أن أذكر أولا بمصير الشركس ( و الأرمن و غيرهم من الشعوب في القفقاس ) الذين كانوا مجرد لعبة بين الأقوياء , تماما كما هو الوضع اليوم..لم يكن مصير الكثير من أبناء القفقاس أيضا ليثير اهتمام أي من الباحثين عن الربح و المستعمرات و بناء أمجاد الإمبراطوريات منذ الوقت التي احتدم فيها الصراع على السيطرة على القفقاس , حتى قبل ظهور النفط , بين القيصرية الروسية و الدولة العثمانية , استغلت الدولة العثمانية انتقال الكثير من شعوب المنطقة من ديانات وثنية إلى اعتناق الإسلام لتثيرهم ضد السيطرة القيصرية “المسيحية الأرثوذكسية” , بالفعل ثارت شعوب المنطقة و اصطدمت مع الآلة العسكرية للنظام القيصري التي أبدت كما يشهد ماضيها في بولونيا و حتى ضد احتجاجات الشعب الروسي نفسه كل وحشية , انتهت الثورة بالهزيمة و بتهجير أعداد كبيرة من أبناء شعوب المنطقة نحو الدولة العثمانية التي شجعت هي نفسها هذه الهجرة ذات النتائج الكارثية على تلك الشعوب , سقط خلال هذه الهجرة الجماعية أعداد لا تحصى من الهاربين , كانت عملية غير منسقة و اعتباطية بسبب عدم اكتراث بيروقراطية الدولة العثمانية و تخلفها مما كشف أن إغراءاتها كانت أكثر من فارغة , كانت فتاكة بحق الشركس , قضى الكثير على درب الهجرة من الوطن , و قد انقرض مثلا شعب الأوبخ تماما , و هلك الآلاف من بقية أقوام القفقاس الفارين قبل أن توزع السلطات من تبقى منهم على قرى ريف تركيا و سوريا , قد يرى البعض أن هذه التضحية مبررة تماما بالنسبة له , في سبيل مجد المسيحية أو الإسلام أو هذه القومية أو تلك مثلا , هكذا أخبروا الضحايا و هكذا استخدموهم لإزعاج الخصوم لبعض الوقت , و هكذا قاموا هم “بواجبهم” تجاه هذه القوة أو تلك باسم الدين غالبا و هكذا تقبلوا على الأغلب مصيرهم الذي حدده لهم الآخرون بشيء من الرضا..كان هذا أيضا مصير مليون أرمني أو ربما مليون و نصف استخدموا أيضا في حروب الكبار مقابل وعد بالحرية أو مقابل كلمة شرف , و انتهت قصتهم إلى أدراج بعض المجالس و المنظمات التي يحاول قادتها من وقت لآخر أن يستخدموها فقط للمزيد من التغطية الإعلامية الإيجابية أو للتسرية عن ضميرهم و أحيانا حتى عن الضمير الجمعي لشعوبهم من تبعات جرائمهم الخاصة ضد بشر آخرين..من السخف الافتراض أن المهيمنين على العالم سواء في واشنطن أو باريس أو موسكو يأبهون أو حتى قد يفكرون بالآلاف التي تعيش في تلك القرى و المدن في منطقة القفقاس , إن الصراعات بين مطامح كل هؤلاء لا تعني إلا الموت المجاني و التهجير سواء للأوسيتيين أو للجورجيين , هكذا كان الحال دوما , يمكن أن نذكر مصير شعوبنا بعد الحرب العالمية الأولى , قام بعض الموظفين في وزارتي الخارجية الفرنسية و البريطانية برسم خارطة المنطقة التي مازالت مستمرة حتى اليوم بل و أصبحت تدعي مرجعية تاريخية أبعد من اتفاق المسيو سايكس مع السير بيكو , كان انضمام الموصل مثلا للعراق أو طرابلس لدولة لبنان الكبير مجرد تعبير عن مصلحة استعمارية بحتة أو , ما هو أسوأ , تعبير عن نزوة عابرة أو مزاج ما طرأ على أحد الاثنين , كان هذا تعديلا في آخر لحظة لخريطة المنطقة , ربما كان من الممكن أيضا أن نشاهد تعديلات أخرى لكن يبدو أن الخارطة بدت مقنعة للموظفين الذي كلفهم رؤساءهم برسم خارطة المنطقة و مصير شعوبها..جرى هذا أيضا في يالطا و لحظات تاريخية أخرى , قد يريد البعض أن يتحدث عن طرف تقدمي أو عن اتجاه إيجابي ما في هذه الصراعات , إن فكرة أن بعض التضحيات البشرية أو تدمير البيوت أو اقتلاع الناس من عالمهم و تهجيرهم نحو المجهول هو تضحية مقبولة في سبيل هدف “أسمى” , هذه القناعة تتشارك فيها معظم الخطابات السائدة التي تنتهي إلى سيطرة قوى تسلطية تدور جميعا حول سلطة نخبة ما على بقية الناس , و الممتع أكثر أنهم ينسبون كل هذه الجرائم للحياة مثلا و هم يعتبرون أنفسهم لذلك واقعيين بعيدين عن الخيال المثالي لمنتقديهم عن عالم بلا عسكرة بلا حروب في سبيل الإمبراطوريات و الأباطرة أو القياصرة أو الذهب ( الأبيض أو الأسود أو بكل ألوانه ) , مليون أرمني ؟ مليون جزائري أو فيتنامي ؟ مئات آلاف اليابانيين أو حتى ملايين اليابانيين ؟ ملايين الألمان و الروس و البولنديين و الفرنسيين ؟ القنابل النووية على اليابان ؟ القنابل من كل الأنواع و الأوزان في كل مكان و زمان ؟ إنها جريمة الحياة نفسها , أما روزفلت أو ستالين أو بلفور أو نابليون , بوش , صدام , تشرشل , قتلة ؟ كلا ! هذه الحياة يا غبي ! التاريخ و الحاضر كله جرائم , لكنها جميعا مسجلة ضد قلة قليلة من المجرمين المعروفين : إنهم فقط أعداء هذه السلطة أو تلك , أعداء هذه القوة أو تلك , أعداء هذه النخبة أو تلك , أما بقية الجرائم فتقيد غالبا ضد “مجهول” , ضد الحياة نفسها , فالعين العوراء للباحثين عن السلطة و عن مجدها لا يرون سوى أعداءهم , خصومهم في التطلع لحكم الآخرين و التحكم بمصائرهم , في كل مكان , تصبح دماء الضحايا جزءا من اللعبة ذاتها من الطريق إلى أمجاد الجنرالات و الخطابات السائدة , أما جرائم أسيادهم فهي دوما تقيد ضد مجهول , ضد الحياة نفسها..