الرئيسية » مقالات » وداعا محمود درويش

وداعا محمود درويش

لم يختف محمود درويش أبدا , بل انبعث من جديد , ربما تغير الزمان و ربما أن أشعار درويش لم تعد هي التي تحرك وجدان الملايين كما كانت , ربما استبدلت بفتاوى تعطي صورة مختلفة عن الصراع و أهدافه , ربما تراجع كما تراجع حتى الجمال و الإبداع نفسهما في حياتنا , لكن تضحيات درويش , أشعاره , حبه لفلسطين و إبداعه , احتفظت له بمكان هام في قلوب الناس , بقي درويش جزءا رئيسيا من ضمير الشعب , يفسر هذا كل هذا الحزن و الإحساس بالفجيعة , و تراكض الجميع من كل حدب و صوب لرثاء الفقيد , بالفعل كم هو مزعج و ربما مقزز كثرة من يتنطح لرثائك يا درويش , خاصة من مثقفي السلطان و فضائيات القصور , هل تغلبوا أخيرا على خوفهم من عشقك للجليل و لأزهار اللوز الفلسطينية ؟ ألم تعد الأزهار نفسها تثير رغبتهم في اقتلاعها كما فعلوا مع شعبك ؟ لم يجب أن يكون الرحيل هناك في تكساس بعيدا عن الوطن , عن بيت الآباء و الأجداد , كما فعل معين بسيسو في فنادق لندن , هل الموت كغريب , بعد أن تحيا كغريب , هي جزء من قصة هذا الفلسطيني الذي يتجول في كل الأرجاء دائما بعيدا عن الأم و الوطن يحمل معه صليبه و خبز أمه كهويته و كتهمته و كجواز سفره ؟ يفزعني أنك مت بالفعل يا محمود , أرى شبابي , شبابنا , الذي تربى على أشعارك و أغاني مارسيل , يرحل معك , و معه ظلال عالم الطفولة , و معك كهولة أعمارنا و أجسادنا و أحلامنا , و معك مستقبل غامض يزداد غموضا يرافقك رحلتك الأخيرة , يفزعني موتك يا محمود , أنك لن تكتب و لن تثرثر و لن تلعن و لن تسمع و لن تلمس شيئا ما , و يفزعني أكثر هذا الوداع “الرسمي” الغبي الجاف الذي أحسه يريد أن يخنق روحك من جديد , يفزعني ذلك البساط الأحمر و لباس العسكر الذين حملوك , غباء كلام رجال السياسة في توديعك , ثرثرتهم , يفزعني أكثر , أنا من عشقتك لأنك عاشق كبير , عاشق للحياة و لفلسطين و للنساء و لأمك , أن ينعيك أحد ما مستخدما كلمات القضاء و القدر و السماء و الجنان و العزاء , بدا لي أنك لست أنت المسجى هناك أو أنهم نجحوا أخيرا في اغتيالك , وجدت نفسي أبكيك من جديد , أشيح بوجهي عن كل ذلك , أبحث عنك في أغنية , في ضحكة طفل أو وجه امرأة , في أزهار اللوز الجليلية , لا يتناسب هذا مع طقوسهم , مع طقوس الحزن المعتادة , و لا مع الكلمات الرزينة التي استمر الرسميون في إلقائها , لكنها روحك , فأنت العاشق , أنت الإنسان ,