الرئيسية » التاريخ » الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة الثامنة

الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 الحلقة الثامنة

رسالة تقدمت بها الطالبة كافي سلمان مراد الجادري

المبحـث الثانـي:الواقـع الديمـغرافي والاقتصـادي
اختلفت التقديرات الرسمية لنفوس الكرد عن التقديرات الحقيقية لاعدادهم . بسبب ان الاحصاءات التي نشرت في اواخر العهد العثماني , لم تهتم اصلاً باحصاء اعداد الكرد , شأن العديد من القوميات الاخرى في الامبراطورية العثمانية , وكذلك امتناع الفلاحين الكرد عن تسجيل انفسهم خوفاً من التجنيد العسكري الالزامي . فضلاً عن صعوبة الوصول الى القرى المتناثرة في جبال كردستان ,على المناطق الحدودية بين العراق وايران(1) .
لاتوجد احصائيات دقيقة يمكن اعتمادها في هذا المجال, فان معظم الاحصائيات تقريبية(2) ويعتمد على التخمينات(3) . فعشية الاستقلال قدر محمد امين زكي(4) نفوس الكرد في العراق بنحو 600000 نسمة(5) . بينما قدر سكان كردستان العراق للعام نفسه بضمنهم العرب والتركمان بـ (765) الف نسمة يتوزعون على النحو التالي (83) الف اي نسبة 11 ? من الرحل , (519) الف اي نسبة 66 ? من الريفيين , اما سكان المدن (الحضر) فقد بلغت اعدادهم (174) الف اي نسبة 23 ? . وهذا يدل على حصول تغيرات مهمة في التركيب الاجتماعي للسكان , وتحول قسم كبير من الرحل الى حالة الاستقرار, اي بمعنى اخر توسع المجتمع الريفي على حساب تراجع اعداد الرحل وينطبق الامر نفسه على سكان المدن الذين ارتفعت اعدادهم ايضاً بشكل ابطأ من الريف(6). وربما ترتبط الزيادة في سكان المدن بعامل اخر هو زيادة الهجرة من الريف الى المدينة, بسبب تفاقم الضغط الاقطاعي على الفلاحين , من ناحية علاقات انتاج الارض والاوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي رافقتها او التي ((كانت تقوم بافقار الزراعة )) على حد تعبير حنا بطاطو(1) . ولان علاقة عدد كبير من الفلاحين بالارض لم تكن قوية وثابتة بسبب اصولهم الحديثة كبدو رحل(2). اما نسبة القادرين على العمل(3), فقد بلغت اقل من 50 ? في الالوية (المحافظات) الشمالية الثلاث(4) .
ظل الفلاحون والعاملون في ميدان الزراعة وما يرتبط بها من عمليات انتاجية اخرى يؤلفون اكثرية المجتمع الكردي , اذ بلغت نسبة العاملين في الزراعة خصوصاً بعد اتساع رقعة الريف اثر عملية استقرار الرحل حوالي 65 – 80 ?. بمعنى ان الارض ظلت تشكل عاملاً هاماً في حياة الفلاح(5).
وقبيل انتهاء الانتداب البريطاني على العراق استقدمت الحكومة الخبير البريطاني ارنست داوسن عام 1930 لوضع دراسة حول الاراضي الزراعية والقابلة للزراعة . وقد بلغت الارضي المسجلة في الطابو ثلث مجموع الاراضي الزراعية ومن ضمنها اراضي كردستان(6).
واجه ريف كردستان الكثير من المشاكل في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال كان اهمها مشكلة الاراضي الاميرية(7) (الحكومية) وكيفية التصرف بها بموجب القانون(8) الذي سنته الحكومة عام1932(9). اذ ظهر نوع جديد من حيازة الاراضي . فمن وجهة نظر القانون الجديد فان الملكية النهائية لمعظم الاراضي الزراعية كانت تخص الدولة اي انها اراضي ((اميرية )) او اراضي الدولة , ولكنها بعد سن هذا القانون , اصبحت قيد الحيازة , عمليا, من جانب الشيوخ والاغوات(1).كما يقرر بطاطو فان النتائج العملية لهذه السياسة , كانت اعترافاً قانونياً بعملية جارية في الريف العراقي لعقود عدة , (( الا وهو اغتصاب المشايخ والاغوات للملكية الجماعية [المشاع] للعشيرة , وسلبت ملكية الجيران الاضعف , والتعدي التدريجي على الاراضي البكر للدولة ))(2) وأنموذج واحد كفيل بتوضيح الصورة . ففي اربيل لم تكن ممتلكات عائلة احد الاغوات الذي يصفه مسؤول بريطاني في العراق انه (( كان غاصب اراضي ناجح))(3). وهو – احمد باشا دزه ئي – رئيس عشيرة معروفة في اربيل قد تجاوزت في عام 1918 اكثر من (18) قرية في منطقة قوش تبة(4) , لكنها خلال العقد الخامس امتلكت حقوقاً شرعية في (52350) دونماً(5) من الاراضي في لواء اربيل(6).
وفي رأي باحث عراقي متخصص فان هذه القوانين جاءت جميعها لتخدم الاقطاعيين وتثبت حقوقهم المزعومة التي اكتسبوها بمختلف الطرق غير القانونية. فكانت الاراضي تسجل باسماء اصحابها اذا كانوا يحملون سندات تثبت ملكيتهم لها(7) .
استمرت سياسة الحكومة بدعم الاقطاع , بالرغم من ان هذه السياسة اسهمت في خلق ملكيات زراعية كبيرة في عموم العراق , تجلت في اعداد هذه الملكيات ومساحاتها . فحتى العقد الرابع بلغ عدد الملاكين في وسط وجنوب البلاد (3619) ملاكاً استحوذواعلى (18) مليون دونم(1) من الاراضي الزراعية .الا ان الملاحظ ان مساحة الملكيات الزراعية كانت في كردستان اقل بكثير عن مثيلاتها في جنوب البلاد ووسطها(2). مثلا كان الملاكون الكرد الصغار في كردستان يمتلكون 75 ? من الاراضي الزراعية(3) تقل مساحة الواحدة منها عن حوالي (200) دونم(4) .
ان هذه السياسة في تركيز الارض بيد عدد معين من الشيوخ والاغوات والاعيان وحتى العائلة المالكة(5) خلق طبقة جديدة في المجتمع العراقي والكردي تركزت بيدها اموال طائلة أستثمرتها في مشاريع تجارية وصناعية(6).
ان علاقات الانتاج الراسمالي التي دخلت الريف العراقي تركت اثاراً بعيدة المدى على بنيته الاجتماعية والاقتصادية . فان استمرار توسع الملكية الخاصة , وتمركزها الشديد في النهاية كان يبدو التغير الاهم في هذا الجانب . وارتبط هذا بزيادة الدور الذي بدأت تؤديه النقود , وظهور المضاربة بالعقارات . وتزامن وضع الملكية في اطار أسس قانونية اكثر ثباتاً من خلال قوانين الاراضي التي صدرت خلال العقود السابقة(7). وقد ادى هذا الى تراجع اقتصاد الكفاف والاكتفاء الذاتي لدى العشائر , والى تواصل اكبر بين مختلف اجزاء المجتمع , والى نمو اكبر في مجال سلطة الدولة , الى جانب نمو واضح لدور المدينة , امام تراجع نسبي لدور الريف , بالرغم من احتفاظه بوضعه المتميز اجتماعياً واقتصادياً(8) .
انعكس واقع الريف العراقي على وضع الفلاح الكردي . فبعد ان كان شريكاً في الارض اصبح مستأجراً لها مقابل اعطائه حصة من المنتوج الى صاحب الارض . كما كان علىالفلاح ان يؤدي عدد من الالتزامات الاخرى التي كانت تختلف بين منطقة واخرى , كضرائب ((سورانه(1) )) و ((مه رانه(2) )) و((ديوه خانه(3)))(4) .
بقي الريف الكردي يعاني من صعوبات جمة , فقد ترافق الاستغلال الاقطاعي مع سياسة الاهمال التي تعمدتها الحكومة تجاه المنطقة عموماً. فلم تبذل جهداًملموساً لتطوير الاساليب البدائية في وسائل وطرق الانتاج التي كانت تسود ريف كردستان . وتؤشر وثيقة بريطانية هذا الواقع المؤلم حينما تتحدث عن قيام السلطات الحكومية بافتتاح مشاريع للري وادخال الآلآت والمكائن الزراعية الحديثة الى الاقاليم الريفية في وسط وجنوب العراق(5), الى جانب تقديم المساعدات المالية ( السلف ) للفلاحين العرب(6). بينما احجمت حسبما جاء في الوثيقة نفسها عن تقديم اي عون جدي للفلاحين الكرد رغم الالتماسات المتكررة من جانب هؤلاء(7) . فعلى سبيل المثال وزعت الحكومة في عام 1934مضخات مائية على بعض الالوية , كان نصيب الموصل منها لوحدها (18) مضخة , وحصلت كركوك على اثنتين منها , بينما لم تحصل كل من اربيل والسليمانية على اي واحدة منها . وبعد خمس سنوات , اعطيت كل من اربيل والسليمانية مضخة ماء واحدة , وارتفع نصيب كركوك الى أربعة مضخات(8) اما في المجال الصناعي فقد عانى الانتاج الصناعي والحرفي من سياسة التمييز التي اعتمدتها الحكومة , وافتقارها الى سياسة متوازنة في مجال توزيع المشاريع الصناعية . وظلت الصناعة في كردستان صناعة حرفية تعتمد على الورشات الصغيرة بطاقة أنتاجية محدودة تلبي حاجات الناس اليومية(1) . ولم تتسم سياسة الحكومة بقدر من الواقعية في توزيع المشاريع الصناعية التي كانت المنطقة الكردية مؤهلة لاقامتها . مع ان انتاج التبغ يأتي جله من كردستان, الا ان جميع مصانع السكائر اقيمت في الالوية الاخرى . ففي عام 1935 كان في بغداد وحدها تسع مصانع للسكائر يشتغل بها (800) عاملاً(2) . ارتفع عددها الى اثنى عشر مصنعاً , اشتغل بها حتى عام 1939 (1180) عاملاً(3) . فضلاً عن اثنين اخرين في الالوية الاخرى(4).
لم تلق المؤسسات الصناعية في كردستان , على محدوديتها ما يكفي من التشجيع من جانب الحكومة , مع انه ظهرت فئة لاباس بها من الملاك ومن اصحاب رؤوس(5)الاموال , الذين تراكم لديهم ما يكفي من رأس المال لتوظيفه في مشاريع صناعية ملحوظة . وربما يرتبط هذا الامر جزئياً ايضاً بضعف البرجوازية الصناعية الكردية نفسها , كجزء من الضعف العام الذي كانت تعيشه مثيلتها العراقية(6) . ويعكس هذا الضعف طبيعة المشاريع او المؤسسات الصناعية التي اقيمت في كردستان والتي لم تتجاوز معامل الثلج والمشروبات الغازية , والطواحين , والمؤسسات الحكومية الخدمية , كالماء والكهرباء , التي استخدمت عدداً محدوداً من الايدي العاملة(7).
شكل النفط , الذي اصبح منذ عام 1934 احد الموارد الرئيسة للبلاد الى جانب الزراعة والصناعة اهمية كبيرة للاقتصاد العراقي .
شهدت اراضي كردستان تدفق النفط في عام 1927 من بئر بابا كركر في كركوك . وبلغ انتاجه في عام 1929 , 100 الف طن وارتفع عام 1934 الى مليون طن . ثم واصل ارتفاعه في السنوات التالية باطراد(8) . وعلى الرغم من ان معظم موارد البلاد المالية كانت تذهب لصالح شركات النفط الاحتكارية التي كان يستثمر فيها رأس المال الاجنبي , ولاسيما البريطاني , الا ان حصة العراق من ثروته النفطية , ودوره في الاقتصاد(1) العراقي بلغت نسبة ضئيلة . ولكن الواقع كان اكثر مأساوية في عموم كردستان . صحيح ان النفط ساهم بانشاء وتطوير البنى الارتكازية للاقتصاد العراقي , وادخال العلاقات الرأسمالية في عمليات الانتاج , وفي تطوير ونمو المدن , الا ان اثر هذه العمليات ظل محدوداً للغاية في كردستان , ولم يكن لسياسة الاهمال من جانب الحكومات العراقية المتعاقبة دوراً قليلاً في ذلك . اذ بقيت مدن كردستان وقصباتها في تدهور اقتصادي واضح , وتراجع في الخدمات العامة(2).