الرئيسية » مقالات » محمود درويش: في الموت ولادة تفجر حياة أخرى

محمود درويش: في الموت ولادة تفجر حياة أخرى

كنا في مرحلة تاريخية بحاجة ماسة إلى الرمزية في كل المجالات. فالرمزية الإبداعية في السنوات الماضية كان حضورها مكثفا و تأثيرها جامحا تماما كالرمزية السياسية و النضالية. فقضية كبيرة وعادلة كقضيتنا احتاجت إلى رمزية سياسية و نضالية كرمزية ياسر عرفات، الذي تمثلت مكونات رمزيته في مبادراته و إبداعاته النضالية وعلاقاته العربية والعالمية الواسعة وحركته الدؤوبة ومفرداته السياسية وحماسته واندفاعه وحميميته في التعامل مع الناس، وكذلك حطته و عقاله و بزته المعروفة.

عرفات عاش رمزاً سياسياً واستشهد رمزاً، وامتدت رمزيته إلى ما بعد الموت، حيث أن لا نقد ولا اختلاف و لا تعارض معه استطاع مهما كان حجمه أن يمس بهذه الرمزية ، لأنها ارتقت فوق تكتيكات السياسة وتجاذبات الاختلاف في الرأي .

وإذا كانت الرمزية السياسية والنضالية مطلوبة وضرورية في مرحلة التحرر الوطني، كونها تشكل مصدر إيحاء وتأثير واستقطاب وشد وتبشير مستمر بالهدف والرؤية، فان الرمزية الإبداعية لا تقل أهمية عن الرمزية السياسية، بل إن الإبداعية تكاد تكون أبعد مدى ، فهي إلى جانب الإبداع تحمل في ثناياها السياسة، فلا إبداع في مرحلة التحرر بدون قضية سياسيه، فيما أي محاولات إبداعية تنفصل عن القضية وتبتعد عنها تحكم على نفسها تلقائيا بالتهميش والاندثار.

لكن السؤال هنا، هل كل مبدع يستطيع أن يصل إلى مرحلة الرمزية ؟ الجواب بالتأكيد كلا . فالرمزية الإبداعية لها اشتراطاتها، وفي مقدمتها المشروع الإبداعي المميز، وقبول هذا المشروع والالتفاف حوله من قبل النقاد والسياسيين والمثقفين والجمهور العادي الواسع على حد سواء. فدرويش استمر الشاعر المفضل لكل هؤلاء، حيث تعامل مع السياسي بتجسيداته المختلفة من منظور التكامل معه لا التابع له، ومن منظور رفع سقف السياسي لا الهبوط به ، فشاعر مثل درويش جواز سفره شعره الذي ترجم إلى أكثر من اثنتين وعشرين لغة ، لا الدخول في مكائد السياسة ومؤامراتها وتكتيكاتها وتحالفاتها من اجل الوصول إلى جاه أو شهره، فالمكانة التي وصل إليها ضاهت الرمزية السياسية وسارت إلى جانبها كتفا إلى كتف، بل وان أشعاره تقدمت على السياسة، وسبقتها من حيث القدرة على الاستنباط والاستقراء واستشراف ما بعد المرحلة المعاشة.

وبدل أن يتوكأ على السياسي، فقد لجأ إليه السياسي في مواقف كثيرة، يستعين بموهبته وقدراته، ويستمد القوة من رؤياه وفلسفته وعنفوان وعمق ثقافته وشفافية وموسيقى شعره، وليطفئ عطشه من نهر لغته التي ولدت درويش الشاعر، ليقوم بدوره ببنائها بهندسة فريدة في نصوص إبداعية خالدة.

وها هو اليوم يرحل، يودعه شعبه بما يليق بعظيم، وبما يليق بشاعر مثقف يصعب تكراره .يرحل و تتناسل رمزيته بشكل مدهش، حيث من المؤكد أن الأجيال الفلسطينية ولقرون قادمة، ستتعامل مع تراثه الثقافي والإبداعي، بأكثر عمقا مما تعامل العرب مع تراث المتنبي، فالأخير كان شاعرا عبقريا، كان هاجسه الحكم والسلطه، لكن درويش اضافة إلى شاعريته العبقرية، كان فلسطينيا ملتزما، رصينا، متوازنا، التحم بالقضية، لا من اجل الإمساك بسلطة أو التربع على كرسي منصب سياسي، و إنما انطلاقا من أن الإبداع هو وسيلته لخدمة القضايا الوطنية

والقومية والإنسانية الرحبة.

القضية واستنادا إلى التجربة الدرويشيه ترتقي بالإبداع، مع أن الإبداع مهما علا شانه لا يخلق قضية عادلة. الإبداع الحقيقي يجعل عدالة القضية مرئية ومشاهدة

ومعممة ومستمرة، ويجعل من الذين يحاولون التغطية على عدالتها قلة واستثناء.



رمزية محمود درويش لا تنتهي بعد الموت، بل تولد من جديد، تكبر، تتجاوز حدود السنوات، فمن قرأ درويش بعمق، من المؤكد انه سيطلق العنان لقراءة جديدة تعق العمق. ومن قرأه بشكل جزئي من المرجح أن يسارع للبحث عن أجزاء أخرى في مشروع درويش الإبداعي لم يطلع عليها من قبل. و من لم يقرأ أشعاره بعد، حتما سيفعل ذلك، خشية أن تستخف نفسه بنفسه، ويصبح أضحوكة لأولاده الذين ولدوا، وأولاده الذين لم يولدوا بعد.