الرئيسية » مقالات » الخطوط العامة للمحاضرة هل من ظواهر جديدة في اتجاهات تطور الوضع الراهن في العراق؟

الخطوط العامة للمحاضرة هل من ظواهر جديدة في اتجاهات تطور الوضع الراهن في العراق؟

1
تشير المعطيات التي تحت تصرفنا بعد الزيارة غير القصيرة التي قمت بها إلى بغداد إلى وجود تغيرات عديدة في الساحة السياسية العراقية , فيها ما هو إيجابي , وفيها ما هو سلبي , وهما في تفاعل. ولكن الشيء الذي لا يدعو إلى الارتياح حقاً ويستوجب المزيد من الفعل المؤثر والعمل الدءوب هو ضعف حركة ودور الإنسان العراقي في الحياة السياسية والمرتبطة بضعف الوعي العام والتأثير السلبي المتراكم عبر عدة عقود من الحكم الدكتاتوري القهري البغيض أولاً , وضعف دور المثقفات والمثقفين العراقيين في مجمل الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي لأسباب ترتبط بموقف الحكم من هذه الفئة الاجتماعية ذات الأهمية البالغة في الحياة العراقية العامة , وخاصة الحياة الثقافية والاجتماعية وبخلفية سياسية ديمقراطية ثانياً , وضعف دور القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية وتأثيرها في الحياة السياسية العراقية , إضافة إلى تشتتها وصعوبة إيجاد لغة مشتركة في ما بينها رغم وجود الكثير من الأهداف المشتركة التي تشكل قواسم مشتركة لها جميعاً. سأحاول فيما يلي أن أطرح بعض الظواهر المهمة التي التقطتها من خلال جملة من الاتصالات واللقاءات والأحاديث والندوات التي أجريتها أو شاركت فيها.
2
الساحة السياسية العراقية
قوى الإسلام السياسية
* لا تزال تشكل الأحزاب الإسلامية السياسية ثقلاً في الساحة السياسية العراقية , رغم تراجع كبير في مصداقيتها لدى الأوساط الواسعة من المجتمع العراقي وتراجع ثقة الناس بها التي تشكلت في فترة نظام الحكم ألصدامي لأسباب تتعلق بممارساتها اليومية والتهم الكثيرة والموجعة الموجهة لها من جانب الفرد العراقي الاعتيادي وقوى المجتمع. وقد تلمست هذا لا في بغداد وحدها , بل في المدن المقدسة أيضاً. ينطبق هذا الاستنتاج على الأحزاب الشيعية والسنية في آن واحد.
* نشأ منذ فترة تصدع شديد إلى حد التفكك في وحدة قوى الإسلام السياسية الشيعية والسنية مصحوباً بصراع متفاقم في ما بينها على السلطة والمال والجاه أو النفوذ. وكلها تهدف إلى إقامة دولة دينية.
* التيار الصدري الذي وجهت لجناحه العسكري ضربة شديدة وموجعة حقاً في مختلف مناطق وجوده وعمله , ولكن لم يفقد قوته الفعلية , بل نكسوا العاملين في تياره رؤوسهم لكي تمر العاصفة , وهم القوة الأكثر خطورة في المجتمع لأنهم يحملون شعارات ديماگوگية تربط بين مصالح فقراء الناس والمسألة الوطنية والجانب الديني الشيعي المتشدد في ارتباطه بالطقوس المعروفة , ولكن قوى فيلق بدر لا تقل عنهم خطورة كامنة , لأنها مسلحة رسمياً وتمارس عملها في مسؤولية الحماية الخاصة لقوى المجلس الأعلى الإسلامي في العراق.
* قوى الإسلام السياسي الشيعية تبذل أقصى الجهود للتعويض عن فقدان الكثير من مصداقيتها أمام المجتمع وثقة الناس بها من خلال الاستفادة والاستعانة بالمرجعيات الدينية في حوزات وشيوخ الدين في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وإيران , سواء تم ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر
* كثرة متنامية من المجتمع لا تريد الأحزاب الإسلامية السياسية و ولكن منقذها هي المرجعيات الدينية والإيمان الشيعي لدى الناس بالطقوس المهيج للمشاعر المليونية.
* الإصرار على تنظيم ممارسة الطقوس الدينية المليونية من أولئك الناس البسطاء في زيارات إلى كربلاء والنجف والكاظمية وإلى غيرها في محاولة لتعبئة الناس طائفياً واستخدامها سياسياً لصالحها , وهي تلحق أضراراً فادحة بالفكر الإسلامي ذاته لأن الطقوس ذاتها يرفضها شيوخ وفقهاء الدين الكبار.
3
* الأحزاب الإسلامية السياسية السنية فقدت الكثير من رصيدها لصالح صحوة العشائر , وتراجع جدياً تيار حارث الضاري , ولكن يمكن أن تتعاون وتنسق في ما بينها في حالة الضرورة القصوى , وعند الإحساس بوجود خطر يهددهم جميعاً , خاصة وأن أمامهم قوة طائفية سياسية منظمة ومسلحة جيداً ومسندة من دولة جارة يخشون منها , وهو أحد عوامل احتمال وحدتهم. غالبية عناصر الصحوة هم من القوى التي ساندت القاعدة واحتضنتها ومن البعثيين القدامى , ولكنهم يعملون حالياً وبالتنسيق مع طرفين , مع قيادة القوات الأمريكية من جهة , والحكومة العراقية من جهة أخرى , رغم أن الثقة بالحكومة لا تزال ضعيفة.
* لا توجد أي ثقة فعلية في ما بين الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والسنية , بل الكراهية هي التي تميز تلك العلاقات والرغبة في الانتقام والإقصاء قدر الإمكان , فالعلاقات المريرة خلال السنوات الخمس المنصرمة , إضافة إلى الأحكام المسبقة والصراع على السلطة هي التي تميز هذه العلاقات حتى الآن.
4
القوى السياسية في إقليم كُردستان العراق
* المنجزات التي تحققت للشعب الكردي ليست منة ولا هدية من أحد , بل هي نتاج نضاله الطويل والمرير والمليء بالتضحيات. وكان جوهر نضاله ينطلق من مبدأ حق تقرير المصير. وهذا الحق يفترض أن يكون دائم الحضور. وحين يتقرر الموقف بإقامة فيدرالية كردستانية في إطار الدولة العراقية فعلينا أن نمنحها كل طاقاتنا لا إنجاح الفيدرالية الكُردستانية حسب , بل العراق كله وبالاتجاه الديمقراطي. وبغير ذلك تتعرض العملية كلها على التشويه وتحيط بها المخاطر. وحين يقول الدكتور برهم صالح بأن من حقنا تقرير المصير والانفصال ولكن اخترنا الفدرالية أو الاتحاد , فهذا يعني يفترض أن تنصب الجهود كلها بهذا الاتجاه. هذا لا يعني أن لا ترتفع أصوات هنا وهناك تطالب بغير ذلك , فحرية الرأي والتعبير عنه يفترض أن يصان في كل الأحوال. ولكن الأساس هو الخط العام الذي يتقرر ويجري العمل بموجبه. وفي هذا الاتجاه يتلمس الرأي تجاوزات من المركز ومن الإقليم في آن واحد. وهي إشكالية ستأخذ وقتاً طويلاً إلى أن تستقر على أسس معقولة ومقبولة ودستورية.
* الأحزاب الكردية الحاكمة يزداد اهتمامها بما يمكن أن تحققه من مكاسب في تحالفها التساومي مع قوى الإسلام السياسية الشيعية على نحو خاص , أي بدأ يسيطر عليها جو ورغبة العزلة عن المناطق الأخرى من العراق. كما برز ضيق أفق ملموس في التعامل مع الأحداث والعجالة في الوصول إلى الأهداف والرغبة الجامحة في الانفراد بالسلطة في كُردستان العراق , مما يثير ردود فعل مضادة , كما أن الصراع بين الحزبين لا يزال يحتل موقعاً مضراً بها وبالوضع في كُردستان العراق وبالديمقراطية , إضافة إلى الصراع في داخل كل حزب منهما.
* دخل التحالف الكُردستاني في تحالف سياسي مع الائتلاف العراقي الشيعي على ضوء ميزان القوى السياسي و ولكنه فرط بتحالفاته الاستراتيجية الأخى مع القوى الديمقراطية واللبرالية ولم يعرها الاهتمام الكافي أو معالجة المشكلات القائمة معها. إلا أن التحالف الراهن تعرض لتجربة قاسية ولم يصمد في المحك , وخاصة في الموقف من قانون انتخابات مجالس المحافظات وما أعقبه من توترات في الساحة السياسية العراقية وفي الموقف من كركوك.
* لا توجد قوى سياسية كُردية فاعلة ومؤثرة في الساحة السياسية الكُردستانية بجوار الحزبين الحاكمين سوى الحزب الإسلامي الذي يزداد نمواً وقوة على حساب جميع الأحزاب الأخرى بما فيها الحزبين الحاكمين. لأسباب ذاتية ترتبط بالأخطاء التي يرتكبها الائتلاف الحاكم في إقليم كُردستان والذي اشرت إليه في أكثر من مقال. الأحزاب الأخرى تخشى حتى النقد البسيط وتبتعد عن الجرأة المعقولة والصراحة والشفافية مع الحلفاء , وما تمارسه في أحيان قليلة هو تقديم ملاحظات خجولة في اجتماعاتها الداخلية مع رئيس الإقليم.
* الأحزاب السياسية الكُردستانية , عدا الحزب الإسلامي , تخسر مواقع لها في صفوف الشعب الكُردي والقوميات الأخرى بسبب سياساتها المتعجلة وبسبب غياب الديمقراطية مع وجود حرية نسبية , ولكنها ضعيفة , إضافة إلى وجود الفساد الوظيفي والمالي السائدين. بمعنى معين تزداد الجفوة والفجوة بين غالبية الشعب والقيادات السياسية الحاكمة أو العاملة في التحالف الكردستاني. وهو أمر بالغ الخطورة على الحياة السياسية وعلى التطور الهادئ والاستقرار المنشود لكُردستان في المرحلة الراهنة من تطور الإقليم. إن الدعوة للتظاهر في إقليم كُردستان عبر عن مسألتين لا بد من ملاحظتهما , لكي نفهم كيف يفترض معالجتهما , وهما:
أ. شعور المواطن الكُردستاني بوجود مؤامرة ضده في ما يخص كركوك وما جرى فيها من تعريب وتهجير قسري ومصادرة الأراضي ودور السكن , إضافة إلى التعذيب والقتل والمصائب الأخرى التي عانى منها أهل كركوك , ومنهم التركمان أيضاً بسبب عنصرية وشوفينية الحكم السابق وبسبب رغبته في تغيير البنية السكانية للمدينة والمحافظة , وبسبب تنكر الائتلاف العراقي الشيعي وقوى أخرى لما تم التزم به في الدستور.
ب. إشغال الناس بقضية كركوك , على أهميتها , ودفعه للتظاهر وإثارة ضجة بدون البحث في سبل معالجة القضية بالحوار والمفاوضات وتنظيم التحالفات وممارسة سياسة حكيمة وواعية … الخ , يراد منه إبعاد الناس عن المشكلات الكبيرة التي يواجهونها من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الإقليم. إلا أن هذا التوجه لا يعالج القضيتين الأساسيتين بأي حال.
* تشير الأحداث الأخيرة , وخاصة ما حصل في مجلس النواب , وأحداث كركوك , إلى خمس مسائل مهمة يفترض الانتباه إليها من جانب التحالف الكُردستاني والقوى السياسية الكُردية والقوى الديمقراطية العربية , وهي:
أ. أن هناك محاولات جادة لتشكيل تحالف تركماني _ عربي قومي يميني لا في كركوك وحدها , بل على صعيد الوسط والجنوب , لمواجهة التحالف الكُردستاني والقوى الديمقراطية العربية , وهو أمر يفترض أن يؤخذ بنظر الاعتبار , وأن يلاحظ من هي القوى الداعمة له , وهي في الغالب قوى قومية وإسلامية سياسية من الأوساط المتحالفة مع التحالف الكردستاني وعلى الصعيد الإقليمي.
ب. نشاط وجهود كبيرة تبذلها الدولة والحكومة والجيش ي تركيا , وسوف لن تقف مكتوفة الأيدي بالنسبة إلى الموقف من كركوك , بل ستحرك القوى فيها وتتحرك لاختراق الوضع الأمني الراهن في كُردستان وتعزيز وجودها العسكري في كُردستان العراق الذي يتمتع بموافقة الحومة العراقية وباتفاقية لم يعلن عن إلغائها حتى الآن وقعها النظام السابق.
ج. الدولة الإيرانية لها إصبع في كل ما حدث في الآونة الأخيرة في العراق , ويفترض أن يتم الانتباه لدورها المباشر أو غير المباشر في هذا الصدد.
د. الدول العربية المجاورة والقوى القومية العربية لها دور في التحريض وتأجيج الوضع في العراق باعتبار أن قضية كركوك هي المدخل للانفصال الكردستاني عن العراق !
هـ. أن الولايات المتحدة تلعب دوراً مزدوجاً , ولكنها في المحصلة النهائية ليست في صالح كُردستان على المدى القريب والبعيد بشأن الموقف من كركوك.
* الموقف الموحد نسبياً الذي يتخذه التحالف الكردستاني حالياً يتجلى في الموقف من المركز في بغداد وفي قضايا النفط والموارد المالية, ولكن الحزبين مختلفان على قضايا غير قليلة تتجلى في الموقف من توزيع المقاعد الوزارية وفي توحيد فعلي للوزارات وغيرها. وهي مشكلات يفترض حليها لصالح كُردستان العراق والنموذج الذي يريدان تقديمه.
*إن هذه الأوضاع لا تساعد كُردستان , كما لا تساعد العراق عموماً , ولهذا لا بد من تغيير جدي في سياسة الأحزاب الكردستانية وفي سياسة التحالف الكردستاني , وخاصة في مسألة الموقف من الديمقراطية ومشاركة المجتمع في القرارات التي تتخذ وفي معالجة مشكلاتهم المعيشية وظروف العمل ومكافحة الفساد المالي والإداري والمحسوبية والمنسوبية القرائبية والحزبية التي تهيمن على الوضع هناك.
* تتسع الفجوة والجفوة بين الأحزاب الكردستانية ونسبة غير قليلة من العرب من مختلف الاتجاهات وخاصة مع الحليف الأساسي للكُرد , وأعني بهم القوى الديمقراطية العربية في العراق , وهذا أمر قائم لا يجوز إغماض العين عنه , بل لا بد من فتح العينين والعقل لتحديد المشكلة وسبل معالجتها. إن اتهام كل العرب العراقيين بالعنصرية والشوفينية خطأ فادح من يرتكبه من الأخوة الكُرد بغض النظر عن موقعه الحزبي والسياسي ومسؤوليته في الإقليم.
* بعض قوى التحالف الكردستاني غير مستعدة لسماع الرأي الآخر , إنها لا ترى إلا صورتها ولا تسمع إلا صوتها ولا تريد إلا ما تسعى إليه , وهو أمر لا يقود إلى نتائج طيبة. يشاركها في ذلك بعض القوى العربية , بمن فيهم بعض القوى الديمقراطية واللبرالية , في حين أنهم معاً أحوج ما يكونوا إلى سماع بعضهم الآخر والتحاور والنقاش حول بعض الأفكار للوصول إلى قناعات مشتركة أو متقاربة على اقل تقدير.
5
القوى القومية والبعثية
*تتوزع هذه القوى حالياً على أربع جماعات , وهي:
1- القوى المسلحة , وهي قليلة عموماً ولكنها فاعلة ومؤثرة إعلامياً أكثر من تأثيرها الفعلي في الساحة العراقية. بعضهم توزع على قوى أخرى يعمل من خلالها ويتحالف جدياً مع بقايا القاعدة.
2- القوى المتعاونة بهذا القدر أو ذاك مع الحكومة العراقية , وهي التي ارتبطت بقوى العشائر أو بأحزاب وكتل إسلامية سياسية.
3- القوى التي ارتبطت بقوى الإسلام السياسية الطائفية المسلحة والتي شكلت ميليشياتها المسلحة وساهمت في المعارك الطائفية في العراق , وهي عناصر يمكن أن تلحق أفدح الضرار بالاستقرار في العراق.
4- القوى التي تركت الساحة السياسية وترفض العمل السياسي , ولكنها يمكن في أي نكسة أو تغيير في الميزان الراهن للقوى أن تغير موقفها لصالح القوى القومية والبعثية.
6
* قوى العشائر العربية السنية ذات التوجه القومي لعبت دوراً مهماً في مكافحة القاعدة لأنها أصبحت رهينة لديها , وخسرت الكثير خلال الفترة المنصرمة , وتعاونها مهم مع الحكومة العراقية ويستند إلى أسباب ثلاثة مهمة:
أ. لتحسين مواقعها في السلطة السياسية وتكريس دورها في الحياة السياسية على حساب الأحزاب الإسلامية السياسية أو قوى البعث التي اضطهدت بعضها قبل ذاك.
ب. لتعبئة الناس حولها بسبب تأييد القوات الأمريكية والحكومة العراقية لها , رغم وجود ضعف ثقة جدي متبادل.
ج. الحصول على موارد مالية كبيرة تساعد على تحسين أوضاعها ومكانتها ودورها وكسب المزيد من التأييد لها , سواء أجاءت من الأمريكيين أم من الحكومة العراقية.
7
القوى الديمقراطية العربية العراقية
* القوى الديمقراطية واللبرالية العراقية العربية ليست ضعيفة حسب , بل مفككة أيضاً وبرهنت حتى الآن عن عجزها عن إيجاد لغة مشتركة في ما بينها , وكل منها يرغب في قيادة فصائل الحركة الديمقراطية الأخرى ويعجز عن إقناعها بهذه القيادة.
* أكثر القوى الديمقراطية تنظيماً هو الحزب الشيوعي العراقي , ولكنه لا يزال ضعيفاً ودوره هامشي حقاً , وقلة هم الشباب والنساء فيه أو حوله.
* لم يستطع الحزب الشيوعي العراقي حتى الآن من الدخول في تحالف متماسك ومتين ولا في تكوين تحالف سياسي متين ومتماسك مع قوى أخرى , في ما عدا تشكيل تحالف “مدنيون” المدني بالتعاون مع قوى أخرى , هي الحزب الوطني الديمقراطي والحركة الاشتراكية العربية وبعض المستقلين , ولكن هذا التحالف المدني قابل إلى انفراط عقده لأسباب ترتبط بالرؤية الحزبية الضيقة لدى الجميع , وهي إشكالية تستوجب المعالجة لكي يمكن تطوير وتكريس تحالف قابل للحياة والتقدم والتطور. لا يزال يسيطر عليَّ , كإنسان متابع , شعور كبير بأن الحزب الشيوعي العراقي , ذي التاريخ الطويل والنظيف , بحاجة إلى عملية تجديد وتحديث فعلية تنسجم مع الدور الذي يفترض أن يلعبه في الحياة السياسية العراقية , وهو , كما أرى , لا يزال بعيداً عن هذه المسألة في الوقت الحاضر. كما أن الحزبين الوطنيين والديمقراطيين الآخرين بحاجة إلى قواعد اجتماعية وإلى كوادر نشطة وإلى خطاب سياسي جديد وتحديث أيضاً. ولا شك في وجود كتل وقوى أخرى يفترض أن تجد طيقها على “مدنيون” لتزداد القدرة على الفعل في الأحداث السياسية العراقية.
8
* كثرة من الجماعات المستقلة لا تملك الأدوات المناسبة لتنظيم نفسها , وبالتالي رغم ثقلها الاجتماعي الفعلي , ليس لها صوت يذكر في الساحة السياسية العراقية , ويصعب عليها فرض نفسها حالياً , بسبب التضييق والإبعاد الذي تواجهه من قوى الأحزاب السياسية , وخاصة الحاكمة.
9
قوات الاحتلال
* قوات الاحتلال الأمريكية بشكل خاص باقية في العراق ولسنوات أخرى قادمة , وهي لن تخرج بسهولة ولا قريباً , لا لأن الوضع يستوجب استمرار وجودها حسب , بل لأنها لم تنته من الأهداف والغايات التي جاءت من أجلها إلى العراق.
* الغالبية العظمى من الناس غير مرتاحة من وجود وسلوك وحركة القوات الأمريكية والأجنبية الأخرى في العراق باعتبارها قوات محتلة وتتصرف بهذا الشكل , ولكن كلها تقريباً تعتقد بعدم إمكانية سحب القوات الأجنبية من العراق حالياً , بل ترى ضرورة استمرار وجودها فترة أخرى مع ضرورة تنظيم جدول لانسحابها بسبب مشاركتها في ضرب قوى القاعدة أو كسبها للعشائر العراقية على جانب الحكومة.
* دول الجوار دون استثناء , في ما عدا تباين في الهدف أو الغاية , تضغط بهدف أخراج القوات الأجنبية من العراق لسبب أساسي مباشر , غذ أنها ترى في ذلك فرصة تفتح من خلالها الأبواب على مصراعيها لتدخلها الفعلي المباشر في العراق. وهي بذلك لا تساعد على إنهاء الوجود الأجنبي في العراق بل في تكريسه.
10
* يسود في العراق فساد مالي وإداري واسع النطاق , كما أن الطائفية السياسية والإرهاب و الذي تقلص نسبياً في الشهر الأخيرة ولم ينته ويمكن أن يعود ثانية , يلعبان دورهما ويتكاملان مع الفساد السائد , ولن يتراجع كل ذلك ما لم يتحقق حل سياسي فعلي وديمقراطي في العراق. وهذا الثلاثي المرعب يشكل عقبة حقيقية في تأمين التطور نحو روح المواطنة الحرة والمتساوية والسلم الاجتماعي.
* العراق يعيش أزمة سياسية تجسد غياب فعلي للوحدة الوطنية وهيمنة الإرادات المتعارضة ورغبة البعض في إقصاء البعض الآخر وإصرار على التحالفات على الهوية الطائفية بعيداً عن الهوية الوطنية العراقية والسياسية.
* الجو العام الذي يسود البلاد جو المناورة إلى حد التآمر بين مكوناته السياسية , ويجد هذا تعبيره في أخر جولة تصويت في المجلس النيابي.
11
* السلاح الموجود في العراق لدى الناس أو مخبأ في مخابئ خاصة ما يزال كثيراً ومتنوع , ويمكن أن يظهر بكميات هائلة في لحظة الحاجة إليه , رغم ما اكتشف حتى الآن ودمر من جانب القوات الأجنبية أو العراقية. وهذا السلاح المخبأ يعود إلى ترسانة النظام السابق أولاً , وإلى أسلحة سيطر عليها العراق في فترة الحرب العراقية الإيرانية ثانياً , إضافة إلى أسلحة جديدة تصل إلى العراق باستمرار ودون انقطاع من إيران وسوريا والحدود العراقية التركية أيضاً ثالثاً. وهي إما أن تأتي على شكل مساعدات مجانية أو عبر السوق السوداء , خاصة وأن الأموال متوفرة لهذا الغرض. ويمكن ان يشكل السلاح الحكومي أحد مصادر تسليح تلك القوى في وقت الحاجة.
12
دول الجوار
* دول الجوار , مثل إيران وسوريا , أو بعض القوى السياسية الإسلامية المتطرفة والقومية العربية الشوفينية في البعض الأخر من دول الجوار , وخاصة في المملكة العربية السعودية والدول الخليجية العربية وفي بعض دول شمال أفريقيا , تمارس دورها التخريبي ضد الوضع في العراق وعلى نطاق واسع وبالعمق العراقي من خلال الدعم المالي والإعلامي غير المباشر وفتح الطريق أمام دخول الانتحاريين إلى البلاد.
* يهم إيران وسوريا أن لا تبقى الولايات المتحدة الأمريكية على أرض العراق , وبالتالي لا تريدان استتباب الأمن وسيادة الهدوء والاستقرار فيه , بل تريدان إشغال القوات الأمريكية بالدفاع عن نفسها بدلاً من احتمال التفكير بالهجوم عليهما , وهو السيناريو الذي تنشره على نطاق واسع كل من إيران وسوريا.
* الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها الأساسية التي جاءت من اجلها إلى العراق ونفذت خطة الحرب الخليجية الثالثة , ومنها : الموقف من قانون النفط , الموقف من إيران وسوريا , الموقف من احتمال إنتاج السلاح النووي في إيران , المخاطر التي ترى أنها تهدد إسرائيل , عقد اتفاقية وجود قوات عسكرية في بعض القواعد في العراق , وبالتالي فهي ستبقى في العراق إلى أن يتحقق بعض أو كل هذه الأهداف. وهذا الأمر غير خاضع للتغير المحتمل في البيت الأبيض , بل يرتبط باستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية العولمية وسياساتها في المنطقة وعلى الصعيد العالمي.
13
الواقع الاقتصادي لغالبية السكان
* لا يمتلك العراق حتى الآن استراتيجية أو سياسة تنمية اقتصادية وبشرية سديدة وواضحة , وبالتالي لا يمتلك سياسية مالية ونقدية أيضاً. وكل ما يتخذه الآن من إجراءات اقتصادية هي في الغالب الأعم ردود فعل لمشكلات قائمة وغير مترابطة في ما بينها.
* ويبدو لي بوضوح بأن المسئولين عن الملف الاقتصادي العراقي لا يفكرون بأي عملية تصنيع وتحديث الزراعة , بل ينحصر تفكيرهم في سبل الانفتاح الاقتصادي على الخارج وإغراق البلاد بالسلع المستوردة مما يقود بالضرورة إلى هدر مالي كبير وتعطيل عملية التراكم وانكشاف كامل على الخارج وبقاء نسبة عالية من القادرين عن العمل بدون عمل …الخ. إن العراق يواجه في الجانب الاقتصادي فكراً ليبرالياً جديداً متطرفاً في رؤيته لعملية التنمية في العراق وأبعد حتى من رؤية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
* البطالة واسعة ونسبة مهمة من المشتغلين تعمل في مجالات هامشية لا تختلف في معيشتها عن أشباه البروليتاريا الكادحة والمعوزة دوماً
* ضعف حجم وقدرات وتأثير الطبقة المتوسطة (البرجوازية المتوسطة أو الوطنية) في المجتمع.
* المستوى المعاشي والمعيشي العام واطئ حقاً ويزيد من إمكانيات التناقض والصراع الاجتماعي.
* المجتمع العراقي في أغلبيته يعاني من مصاعب جدية في مجال الخدمات كلها ابتداءً من الكهرباء والماء والهاتف والنقل وأكوام القمامة والنظافة والصحة والتربية والتعليم الطائفيين وكذا الإعلام الرسمي …الخ.
* نسبة عالية من الناس تعاني من أمراض نفسية وعصبية غاية في التعقيد , وهي مهورة أو مفرغة من الداخل , والقراءة نادرة عند الناس. كثرة من السياسيين لا يقرأون , وهم يعتقدون أنهم ختموا القراءة والسياسة وليس في الإمكان أبدع مما هم عليه من مستوى ثقافي.
* الفردية حادة والرغبة في امتلاك ما يقع تحت أيديهم متفاقم والاستعداد للرشوة والنهب كبير والثقة بالحكام بمستوى واطئ , رغم بروز تحسن بالثقة برئيس الوزراء بسبب تحسن الأجواء الأمنية.
* الأقليات الدينية تعاني من اضطهاد وعسف كبيرين من جانب قوى الإسلام السياسي المتطرفة ومن القوى المؤيدة لإيران , ونسبة عالية من عائلات الصابئة المندائية والمسيحية والإيزيدية غادرت العراق. ومن بقي منهم يفكر بطريقة ما لمغادرة العراق , وهناك من يفرح لهذا التوجه , إذ أنه يسعى إلى إفراغ العراق من مواطناتنا ومواطنينا من أتباع الديانات الأخرى!
14
* بدأ الفراغ السياسي في الساحة السياسية العراقية يتسع بسبب موقف الكثير من الناس من قوى الإسلام السياسية التي لا تزال هي الجزء الأكبر والأهم والأقوى المشارك في قيادة الحكم , ولكن ليس في مقدور القوى الديمقراطية واللبرالية حتى الآن أخذ تلك المواقع التي تركتها قوى الإسلام السياسية أو حتى الوصول إليها نتيجة ضعفها وتشتتها وغياب التنسيق والاحترام المتبادل في ما بينها وضعف تكتيكاتها وسياساتها وخطابها السياسي. وهي محنة كل القوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية العراقية في المرحلة الراهنة.
* ظروف العمل في العراق صعبة للغاية ومحفوفة بمخاطر جدية للفرد , فالعنف والسلاح والاغتيال هو سيد الموقف , إذ تتوفر إمكانية تصفية فعلية لأي إنسان في كل لحظة إن لم يجد له مكاناً في المنطقة الخضراء أو حي القادسية أو المناطق الأخرى في بغداد المحمية جيداً. ومثل هذا الواقع يضعف حركة القوى الديمقراطية عموماً بعد أن فقدت العديد من الأعضاء النشطين من صفوفها في مختلف أنحاء الوسط والجنوب . والمشكلة أن القتلة يمكن أن يكونوا ضمن من تغلغل في صفوف الأجهزة الأمنية والشرطة أو المليشيات التي تدبر الاغتيالات وتنفذها متى ما شاءت.
15
ما العمل؟
ليست هناك وصفة جاهزة لتغيير واقع الحال في العراق , بل يفترض أن تعالج الأمور ميدانياً حيث تتحمل القوى الديمقراطية مسؤولية طرح مشروع سياسي –اقتصادي – اجتماعي – ثقافي وبيئي يساهم في بلورة الوجهة التي يفترض أن يتجه صوب المجتمع في العراق وتعبئة الناس حولها , وهي دون شك يفترض أن ترتبط بإقامة مجتمع مدني ديمقراطي اتحادي يعالج المشكلات القائمة بعيداً عن التهديد بالقوة والعنف واستخدام السلاح , بل عبر المفاوضات والحوار وتقريب وجهات النظر. إن واحدة من أهم المسائل التي تواجه المجتمع هي سبل تحقيق التغيير في ميزان القوى. ويبدو لي إن قوى الإسلام السياسية وبعض القوى القومية ذات الأفق الضيق تساهم في الدفع بهذا الاتجاه دون أن تدرك ذلك بسبب مشروعها السلفي (أو) والشوفيني وبسبب صراعاتها الداخلية.
إن تحقيق السلم الاجتماعي المطلوب لأي تطور في المرحلة الراهن يفترض أن يمر عبر مجموعة من السياسات التي توصل المجتمع إلى شاطئ السلام والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وصيغة من صيغ العدالة الاجتماعية , ومنها:
1. الكف عن الدعاية والعمل من أجل تنفيذ المشاريع الطائفية لقوى الإسلام السياسية , وخاصة مسألة فيدرالية الجنوب والوسط أولاً , والسعي غير العقلاني وغير الحكيم لبناء دولة دينية في العراق ثانياً , ومن خلال الإصرار على ربط الدين بالدولة والتحايل على تأمين قيام المجتمع المدني العقلاني.
2. إقامة حكومة وحدة وطنية تعي مسؤوليتها إزاء المواطنة والمواطن وليس على أساس الهوية الدينية أو المذهبية أو القومية , فالاتجاه الأول يخلق الاستقرار , في حين يدمر الاتجاه الثاني وحدة النسيج الوطني ووحدة المجتمع الوطنية.
3. بذل أقصى الجهود لإيجاد حل عقلاني قابل للحياة ويرضي الجميع بالنسبة إلى كل المشكلات المعلقة بين المركز وإقليم كُردستان , سواء أكانت تشمل المسائل المالية , أم عقود النقط , أم بالنسبة إلى كركوك والمناطق الأخرى المختلف على عائديتها الإدارية والقومية , وفق أحكام الدستور العراقي الذي اقر في العام 2006.
4. تشكيل هيئة وطنية في وزارة التخطيط تنضم إليها مجموعة من خبيرات وخبراء الاقتصاد في العراق وممثلي عدد من الوزارات ليساهموا في وضع استراتيجية التنمية الوطنية , الاقتصادية والبشرية , للفترة القادمة حتى عام 2020 , مع وضع خطة خمسية لهذا الغرض ومناقشتها بشكل واسع عبر أجهزة الإعلام والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني لإقرارها والتزام جميع أجهزة الدولة بتنفيذها.
5. معالجة مشكلة الخدمات المستعصية منذ سقوط النظام حتى الآن , وكأن ساحراً كامنا وراء الحلول العملية يمنعها عن التحقق.
6. معالجة مشكلات المهجرين قسراً والمهاجرين لأسباب ترتبط بحروب وقهر النظام وأساليبه العدوانية في التهجير , سواء تلك التي شملت الكُرد الفيلية , أم الكُرد من كردستان العراق , أم العرب من جنوب ووسط العراق.
7. الاتفاق على جدولة انسحاب القوات الأجنبية من العراق ولفترة مناسبة دون التفريط بالاستقلال والسيادة الوطنية مع الانتباه للمخاطر المحتملة من بعض دول الجوار.
8. التحري الجاد عن سبل التعاون في ما بين القوى الديمقراطية العربية أولاً , ومع القوى الكردستانية ثانياً , وقوى القوميات الأخرى ثالثاً , إذ بدون ذلك لن تكون هناك إمكانية لمعالجة الوضع بجدية وتصميم.
9. عدم التفريط بأموال العراق من خلال إغراقه بشراء الأسلحة بمليارات الدولارات , كما في آخر اتفاق مع الولايات المتحدة , إذ من الضروري ارتباط العراق باتفاقيات أمنية مع دول المنطقة وعموم المنطقة بحيث تساهم في إحلال الأمن والاستقرار في العراق.
13/08/2008 كاظم حبيب