الرئيسية » مقالات » حصاد العمر(6)لمحات من سيرة المناضل عبد الجبار علي(أبو هادي)

حصاد العمر(6)لمحات من سيرة المناضل عبد الجبار علي(أبو هادي)

بعد انتقالي إلى لواء الكوت (واسط)أعدت اتصالي بالحزب وكنا نقيم الندوات ونتابع الاجتماعات ونتحرك في الريف والأوساط الشعبية،وقد أقمنا ندوات عدة يحضرها الكثير من الأصدقاء والمؤيدين لشرح سياسة الحزب والتبشير بآرائه ودعوة الناس للمشاركة في فعالياته الجماهيرية ومنظماته الديمقراطية،وكانت الأمور لا تخلوا من صعوبات ومواجهات فالسلطة أخذت بالتضييق على الحزب والقوى الوطنية وأخذت تمارس سياسة معادية للحزب الشيوعي بعد أن أحنى عبد الكريم قاسم رأسه للعاصفة وحاول استرضاء القوى الرجعية التي تسعى لإسقاطه بمنحها الامتيازات وإيكال أمور الدولة إليها ،وكان أكثر رؤساء الهيئات الإدارية من المعادين لقاسم وسياسته إلا أنه جعلهم في مراكز القرار،بسبب هيمنة القوى الرجعية على الوزارات وعدم أيكال الأمر إلى أناس ينتهجون نهجا وطنيا،إضافة لليونة عبد الكريم قاسم وعدم قدرته على الحسم والمواجهة وعفوه عن الزمر المعادية له بل العفو عن قاتليه،فيما كانت البطانة الرجعية والقومية التي تحاول إسقاطه والقضاء عليه تزين له محاربة الحزب الشيوعي لأن الشيوعيين أصدقوا النية في دعم حكمه الذي اعتبروه وطنيا رغم ما يحمله من عيوب،لذلك كان عملنا سريا ومن الندوات التي عقدت تلك الأيام ،الندوة الكبيرة في دار الشاعر حسن الرشن،وقد أخذت صورة في القرية وأنا راكب الحصان ومتقلدا بندقية تشبها بالثوار الذين كانوا يلهبون حماسنا للإقتداء بهم والسير في دربهم.

وبعد فترة حدثت مشادة بين الموظفين ورئيس الهيئة الاجتماعية أمجد عمر الناصري الذي كان يتعامل مع الموظفين بعنجهية وكبرياء بسبب العلاقات الجانبية التي تربطه بالإدارات المهيمنة على وزارة الداخلية آنذاك وعلاقاتها المناطقية المعروفة التي أودت بالبلد وعصفت بأمنه لما تحمل في طياتها من تفرقة مقيتة،ولأني من المغضوب عليهم في نظر المدير وللاختلاف الفكري بيننا وعدم قدرته على المواجهة لما نستطيع عمله تلك الأيام فقد صدر قرار بنقلي مرة أخرى إلى منطقة سفوان على الحدود الكويتية،ولا أدري لماذا أنقل دائما الى مدن حدودية ابتداء من حصيبة الى بدرة وجصان الى الموصل الى الدسيم الى سفوان،وباشرت عملي هناك ،والظاهر أن المناطقية المقرفة تلعب دورها في مسيرة الأحداث فقد كان مدير شرطة سفوان من أهالي عانة،فجرت مخابرات بينه وبين جهات أخرى في الداخلية العراقية،فلم أشعر إلا والشرطة تلقي القبض علي لتسفيري مخفورا الى بغداد،ولوجود تأثيرات أخرى فقد خيرت بين التسفير مخفورا أو الذهاب حرا،فاخترت الذهاب بنفسي بدلا من بهدلة التسفير وكان استدعائي من قبل المجلس العرفي،وعندما أدخلت الى قاعة المحكمة كانت الأسئلة صورية والحكم قد أعد مسبقا فحكمت المحكمة بسجني لمدة سنة وستة أشهر وتسفيري الى سجن الكوت.

أرسلت الى سجن الكوت مع مجموعة من السجناء الشيوعيين وعند وصولنا الى السجن استقبلنا من قبل رفاقنا الشيوعيين استقبالا حافلا وهيئوا لنا جميع احتياجاتنا،وكان السجناء قد انتخبوا أدارة للسجن يقودها الشيوعيين ،وكان على رأس التنظيم المناضل الحر محمد أحمد ألخضري،الذي كان مثالا رائعا للشيوعي المخلص المتفاني الجسور،وكان السجناء قد نظموا أمورهم تنظيما رائعا وشكلوا لجانا مختلفة للتموين والطبخ والإدارة والاحتفالات ،وكان للسجناء السياسيين تنظيمهم الخاص وإدارتهم المستقلة البعيدة عن السجناء العاديين ،وقد نسبت للعمل في مطبخ السجن،وعملت في لجنة الأرزاق واللجنة الثقافية وكان لي نشاطي المتميز في العمل الفني،وقد نظمت لنا دورات تثقيفية كان يحاضر فيها رفاق مختصين بالفلسفة والتاريخ والاقتصاد السياسي ومختلف أنواع المعرفة لذلك كانت تلك الفترة من أخصب الفترات التي استفدت فيها وتعلمت منها الكثير مما نفعني في الآتي من السنين.

وبعد انتهاء محكوميتي أقيمت احتفالية متواضعة تخللها الكلمات والأغاني والأناشيد لهذه المناسبة وقد أطلق سراحي من السجن في 1/2/1963 ،فتوجهت الى أهلي الذين علموا بالموعد فوجدتهم بانتظاري في المحاويل حيث تلقوني بالفرح والزغاريد ثم توجهنا الى قرية برنون،وهناك أقيمت احتفالية تخللها أصوات الأطلاقات النارية ابتهاجا بهذه المناسبة،وبقيت ثمانية أيام أستقبل فيها الأحبة والأصدقاء الذين يتوافدون لتهنئتي بالخروج من السجن وأقيمت دورة بين الأقارب تقام فيها كل يوم مأدبة لدى أحدهم ،وبعد ثمانية أيام وكان يوم الجمعة 8 شباط فوجئنا بحدوث الانقلاب الفاشي لذي قاده البعثيون،وأطاح بجمهورية تموز،وقد حاولنا تجميع صفوفنا ومقاومة الانقلاب إلا أن كفة الانقلابيين كانت راجحة فقد هيمنوا على الإذاعة ومعسكرات الجيش وسقطت العاصمة بأيديهم،فلا تجدي المظاهرات الشعبية أو المواجهات في المدن البعيدة عن مركز القرار،ورغم ذلك خرجت الجماهير في كل مكان لمقاومة الانقلابيين ولكن الرجعية العربية وجدت في البعث مخلبا لنهش الثورة وأداة لتهديم العراق فناصرته في ذلك ووقفت الى جانبه ،وكان ما كان من إلقاء القبض على القيادات الحزبية الرصينة بتوجيهات كما علمنا فيما بعد من مصر العربية والإذاعة الأمريكية الموجهة الى العراق وكان لبيان رقم(13) سيء الصيت الذي باركته الأطراف الحاقدة على الشيوعيين فاضطررت الى الاختفاء عن الأنظار خوفا من وقوعي بيد البعثيين وحرسهم القومي ،وظللت مختفيا مطاردا من قرية الى قرية وبيت الى بيت وقد تمكن الحرس القومي من إلقاء القبض علي بخيانة من شخص كان لي الفضل الكبير في تنشئته وتربيته وتعليمه والعناية به وهو أبن عم لي:

أعلمه الرماية كل يوم فلما أشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني

وهكذا هي الحياة فقد دوهمت من قبل ثلة من الحرس القومي بتاريخ 13/7/1963وأرسلت مباشرة الى مقر الحرس القومي في المحاويل حيث تعرضت لتعذيب شديد وأهانات وتجاوزات من قبل هؤلاء المنحطين،وحاولوا بمختلف الطرق والوسائل الحصول على معلومات عن رفاقنا الشيوعيين الهاربين إلا أني التزمت الصمت وتحملت العذاب الشديد دون أن أدلي بأي اعتراف يعينهم في هدفهم الجبان ،وصمدت بما يليق بشرف الشيوعي مستذكرا المواقف الرائعة لقادة حزبنا المجيد الذين ماتوا تحت التعذيب دون أن يخونوا الأمانة ويلطخوا سمعتهم بعار الاعتراف الذي كان في مفهومنا تلك الأيام هو النهاية الكبرى للشيوعي والعار الذي يلاحقه مدى الحياة.

وعندما يأس الأوباش من الحصول على ما ينفعهم نقلت الى مقر الحرس القومي في بابل الذي كان يديره زمرة من السفلة والمنحطين والرعاع ممن لفظتهم المدينة لسمعتهم الملطخة بالوحل ،ويعرفهم أهالي الحلة ويعرفون الكثير عنهم ممن ماتوا بأيدي زملائهم اغتيالا أو في حوادث مفتعلة وممن لا زالوا أحياءا ينظر إليهم الناس بالاحتقار والاستصغار،وهناك كانت الاحتفالية الكبرى حيث مارسوا معي مختلف أنواع التعذيب وتحول جسمي الى خرائط من الجروح لم تندمل إلا بعد شهور،وقد علقت في مقر الحرس القومي الكائن في منزل أنور الجوهر،ليلة كاملة في سقف الغرفة،فيما كان الخونة يقومون بتعذيبي حتى فقدت الوعي،وبعد أن رشوا وجهي بالماء أفقت فحاول الأوباش إرهابي وتخويفي فقاموا بإطلاق النار ،فكان الرصاص يصطدم بجدران الغرفة دون أن يصيبني ،وكانت هذه خطة دنيئة لإرغامي على الاعتراف،وقد فقدت الوعي ولم أشعر بما يدور حولي وقيل لي بعد ذلك أن شقيقاتي قد قمن بزيارتي صباح اليوم التالي وشاهدن الحال الذي أنا فيه،,بقيت في سجن الحرس القومي أياما،,كان يأتيني الطعام من الخارج بواسطة شقيقتي المناضلة فوزية علي الجبر،ثم نقلت بعد ذلك مشلول اليدين والساقين ،وحملت بواسطة البطانيات الى سجن الحلة،وكان فيه أكثر من ألف سجين سياسي من مختلف المدن العراقية،وقد خصص للشيوعيين فقط بعد نقل السجناء العاديين الى سجون أخرى،وكان رفاقي النبلاء يطعموني الطعام بأيديهم،ويرافقوني الى التواليت أو المغاسل ويقومون بكل المتطلبات التي أحتاجها في حياتي اليومية،فقد كان شيوعيو تلك الأيام من طينة خاصة ويتميزون بصفات نادرة ،وأخلاق عالية عز مثيلها هذه الأيام،وكان أخي وشقيقي ورفيقي وعوني في الملمات فلاح يقوم بخدمتي هو وبعض الرفاق الشيوعيين الذين عملوا ما لم يعمله الأخوة والأرحام في رعايتي والعناية بي.

وقد نظمنا أمورنا في السجن حيث شكلت اللجان الخاصة بإدارة السجن ولجنة الأرزاق واللجنة الثقافية ،وكان أهلي يزوروني في المناسبات المختلفة وخصوصا بعد انقلاب عارف على البعثيين وسيطرته على السلطة حيث أخذت ألأمور منحى آخر نحو الأحسن،وسارت الحياة السجنية رتيبة وأن لم تخلوا من المنغصات،وبلغت ذات يوم بالحضور الى محكمة أمن الدولة وكان معي من تنظيمي ستة أربعة من قرية برنون وهم نعيم كاظم وقحطان عارف وطالب جابر وتركي عباس الحار،وذهب معنا أربعة من منطقة النخيلة الغربية كاظم وعبود وإحسان وآخر غاب عني أسمه،وعندما أدخلنا على الحاكم العرفي طلب منا البراءة من الحزب الشيوعي العراقي كشرط أول لإطلاق سراحنا ،وكانت الحكومة العارفية قد أخذت بإجبار الشيوعيين لتقديم البراءة ونشرها في الصحف المحلية مقابل أطلاق سراحهم،فكان الطلبة الأربعة لصغر سنهم وعدم تمرسهم بالنضال رضخوا لإرادة الحاكم وأعلنوا البراءة من الحزب فأطلق سراحهم فورا،أما البقية وكنا بحدود سبعة رفاق فقد رفضنا ذلك العار ،وأصررنا على التمسك بانتمائنا للحزب الشيوعي ،وهتفنا بحياة الحزب وأهدافه في بناء الوطن الحر والشعب السعيد فحكمت علينا المحكمة بالسجن لمدة عشرون عاما،وأوعز الحاكم الى الحلاق بحلاقة رؤوسنا حلاقة مشوهة،حيث تحلق مقدمة الرأس من الوسط الى النهاية،ويترك الشعر من الجانبين فرفضنا ذلك وأعلنت تمردي على هذه المهزلة،وساعدني رفاقي على ذلك بامتناعهم عن الرضوخ لهذا الأمر الخارج عن السياقات الأدبية وأعراف القضاء العراقي،مما جعل الحاكم يأمر بتسفيرنا فورا الى نقرة السلمان.

وقام الشرطة بإخراجنا من المحكمة بالقوة حيث أركبنا سيارات مشبكه بالحديد،وأرسلنا الى الموقف العام وفي اليوم التالي سفرنا الى نقرة السلمان حيث وضعنا في سيارة كبيرة لها باب من الحديد المشبك وفي نهايتها مصطبة لجلوس الحراس ،وقد كبلت أيدينا وأرجلنا بالسلاسل الثقيلة خوفا من هروبنا ورافقتنا سيارة أخرى تحمل مجموعة من الشرطة المسلحين،وتوجهت بنا السيارة الى الديوانية،ومنها الى السماوة، ثم انحرفت في طريق صحراوي يخترق بادية السماوة وبعد مسيرة طويلة لاحت لنا من بعيد بناية السجن التي كانت قلعة حدودية قام ببنائها القائد الإنكليزي أبو حنيك،ثم أستعملها النظام الملكي المنهار سجنا للشيوعيين العراقيين لاستحالة الهروب منها لموقعها الصحراوي البعيد عن المدن والذي لا يمكن تجاوزه إلا لمن يعرف طرق ومسالك الصحراء،وتبعد عن مدينة السماوة حوالي 130 وهي صحراء قاحلة لا يسكنها بشر،وقد أستحدث فيها مخفرين،ويجلب إليها الماء الصافي من المدينة ،وحفرت فيها آبار للاستفادة من مياهها ،وعندما وصلنا الى القلعة وفتحت لنا أبوابه الرهيبة دخلنا مودعين الحياة،وقد أخذ منا اليأس مأخذه ولكن الاستقبال الرائع الذي استقبلنا به من رفاقنا الشيوعيين النجباء أنسانا الوضع المأساوي الذي يعيشه السجين ،وانغمرنا بينهم في حياة رغم مرارتها لم تخلوا من صور رائعة لا زالت عالقة في الضمير.