الرئيسية » مقالات » بازار المخفيّات المتبادلة

بازار المخفيّات المتبادلة

غدت أحداث العالم تباع وتُشترى نسبة لحركة بازار المخفيات الأميركية المتبادلة.. العالم كله اليوم رهين اللعبة الانتخابية الأميركية ومقتضياتها، قوتها وضعفها، استراتيجياتها وتكتيكاتها.. فنونها ومناوراتها.. إن العالم كله بدأ يتأثر جدا بها، وبدا وكأنه كله، لا أميركا لوحدها، يهمه هذا المرشح الجمهوري جون ماكين، أم ذاك المرشح الديمقراطي باراك أوباما.

إن العالم كله لا يعرف في أية سّلة يضع بيضه، كي يفقس بعد الانتخابات الأميركية أو يفسد! بعضهم قد يغامر في رهانه مع هذا قبل فوات الأوان، وبعضهم الآخر ينتظر على قارعة الطريق. الكل يريد تقوية أوراقه، ولكنه «بازار» تتداخل فيه المصالح والخطط الخفية.. هنا ينفع الذكاء والدهاء، وتملك قدرتك في السوق، والتفكير في نوعية الشراكات الدولية التي يريدها هذا، أو يبتعد عنها ذاك. إن اللاعبين الأقوياء في كل العالم يظهرون هذه الأيام، فهم القادرون على فرز الأوراق، كما كان يلعبها تجار بازار الشرق القدماء. إن مصالح العديد من دول العالم لا تتحرك بسرعة، إلا عند اقتراب الانتخابات الأميركية أو في خضمها. فالمعروف، إنها فرصة ذهبية لكل من يلعب من اجل زرع بذور سيجني حصادها مع الإدارة القادمة.. فضلا عن قطفه الثمار من الإدارة الحالية التي يقل وهجها بتوالي الأيام. إن قواعد اللعبة صعبة، وفيها مغامرة ومقامرة، ولكن تستخدم فيها كل الرهانات وكل التسويفات والمساومات.

في منطقتنا، يعتبر العرب آخر العارفين بدهاليز هذا البازار الذي يبرع فيه تاريخيا، كل من الإسرائيليين والإيرانيين والأتراك، أكثر من العرب. ولما كانت إيران اليوم، متهمة ومدانة، وتواجه التهديدات الدائمة، فهي تتلاعب اليوم على أوتار المماطلة مرة والمكابرة مرات! كي ينتقل بيضها من سلة الرئيس القديم إلى الرئيس الجديد.. إنها فعلا اليوم، تلعب بلعبة شبيهة بتلك التي لعبتها مع الرئيس الجمهوري ريغان ضد الرئيس الديمقراطي كارتر في أزمة الرهائن الأميركيين الشهيرة، ولكنها تعد اليوم لعبة من الوزن الثقيل. أما العراق، فلا يعرف حكامه اليوم أين هي مصالح بلادهم العليا من اجل أن يناوروا أو يكابروا، أو من اجل أن يغايروا أو يسايروا، ويأخذوا ويطالبوا في مثل هذا البازار.. إنهم منشغلون بمصالحهم الفئوية والحزبية والانقسامية، وخصوصا في كيفية تقسيم الكعكعة وبلعها من قبل هذا وذاك! إن الفرقاء في العراق يتصارعون في ما بينهم على أهداف محلية أو جهوية أو مناطقية أو طائفية وهم لا يدركون أن مفاتيحها كلها بيد واشنطن.

وان لواشنطن حسابات إقليمية ودولية ما دام العراق بقبضتها! أما اللبنانيون، فهم ما زالوا في خضم ماراثون الصراع الإقليمي لا الدولي، وأجدهم في مأزق لا يحسدون عليه.. وإذا كان الفلسطينيون، قد فشلوا حتى اليوم في المشاركة بإدارة الأزمة بسبب انقساماتهم الفصائلية، فكيف لهم القدرة في النزول إلى مثل هذا البازار؟ في حين أدركت سوريا أن من الضرورة رجوعها اليوم إلى دائرة المفاوضات مع إسرائيل من خلال العرّاب التركي.. والأضواء الدولية مسلطّة على هذا «الموضوع». فهل سيجني السوريون شيئا بمثل هذه العجالة؟ الجواب: لا، ولكن سوريا، استطاعت أن تتلاعب بالمواقف وتتبادل الأدوار، بالرغم من التنسيق السوري الإيراني والمحّرك موسكو، ومساندة شركائها وهذا ما ستعلمنا به الأيام المقبلة.



الصين، تعتبر اليوم الندّ رقم واحد لأميركا، ولحسابات اقتصادية، فهي مستفيدة من مجالات حيوية عدة في العالم، والولايات المتحدة لا تريدها فيها، ومنها: إيران والسودان.. روسيا تلعب أيضا بأوراقها في نطاق هذا البازار، والكل يدرك أن الصراع اليوم هو صراع شراكات اقتصادية أميركية وغربية إزاء انحسار الشراكات الاقتصادية مع الصين أو بلدان الشرق البعيد. وعليه، فإن رهانات الصين أو روسيا هي لإطالة أمد الملفات زمنا أطول من اجل استفادة اكبر، وان من يتعمّق في فهم طبيعة العلاقات الدولية اليوم، يدرك بما لا يقبل مجالا للشك، أن أحداثا ساخنة تحدث في أماكن معينة وأزمان مؤقتة هدفها إثارة مشكلات لهذا الخصم أو ذاك. ويتلمس أي راصد للأحداث في العالم أن الإدارة الأميركية ربما تكون مستعجلة في حسم تلك الأحداث، أو لا تبدو، مستاءة من إطالتها، والمماطلة فيها والتسويف عليها أبدا. وربما يعلن عن طبيعة مشكلة معينة أو مشكلات تسميات تشغل بال الجميع، في حين إنها تعني في بازار المخفيات المتبادلة، علاقات معينة، وشراكات لمصالح دولية أو إقليمية، ولكن من نوع آخر غير مكشوفة للعلن. إن من الصعب فهم ما يجري على الأرض، فكيف يمكن إدراك ما يتم من مخفيات تحت الأرض؟ هناك قناعات راسخة تقول بأن مصير إيران سوف يكون شبيها بمصير العراق، ولكنه النفس الأميركي الطويل مع كلّ من المكابرتين، وحذار من الاستهتار بمصير كل المنطقة، وأنت تقامر بأهداف لا يمكن تحقيقها أصلا. إن أهم ما يمكن التنبيه إليه، أن الانتخابات الأميركية، فرصة تاريخية ثمينة لمن يعرف استغلالها، واللعب على التوقعات الناجحة لما يمكن أن يكون، لا لما يمكن ألاّ يكون.

البيان الامارتية ، 13 اغسطس 2008
www.sayyaraljamil.com