الرئيسية » مقالات » مرثية رحيل من تراكمات الملح

مرثية رحيل من تراكمات الملح

و يرحل قبل أن يتمكن من أن يزيح تراكمات الملح عن مدائن الجرح ، رحل مجبرا ضمن الاختيارات المفتوحة للمرء ، كم مرة ناشد البعيد ، كم مرة رمى سره للسماء و التقت معه الآن ، قد يلتقي بريتا و عبد الله و مدينته الفاضلة في الرحلة الفاصلة ، ووسخ الملح ما زال حتى بعد رحيله أنشودة متواصلة ، تكريم قد يستحقه مثله لواجب الأدب الذي قل مع التعرق، و شح الصابون و مواد التنظيف التي غطاها عسر التطهير ، يرحل دون سراب أو سرب حمام يرف فوق شعره ، فوق نثره ، فوق عمره ، رغم سفره ، رغم وتره ، رغم كل المراحل التي تقاتل و التي لا تقاتل ، رحل متمنيا أن يكون لوردتنا أن تبقى محتشمة عزيزة و عزيزتنا غطتها الغريزة متكشفة بعريها الفاضح ، رحل و امتداد الجرح واضح .
يالمتكور في غيمة حزيران و برد شاطئ الذاكرة و للذاكرة لك فيها قبل الرحيل مكان و بعد الرحيل زمان و ما بينهما إنسان حاول تطهير الإنسان ، رحل والقلب لا يحتمل أنشودة الكذب و البهتان عاش بيننا ظل و رحل اكتمال نقص فنان !!.
محمود على ما فعلته و درويش بما تنبئته و ابن الرحيل دوما يذكره الرحيل في انتظار الوصول ، و قد وصلت مع شهقة اللقاء كما تمنيته ، مع الأطفال اليتامى و ثكالى النساء مع الشهداء و الأنبياء .
و لا زماننا للأنبياء و لا يفيد الصدق في زمن الرياء ليبارك الله و يغفر لك ما صدقته فينا ، و ما كتبته عنا لتأخذنا مأخذ الجد عما فعلناه ، فلا تعتذر عما فعلت ، و للجليل لك تحية ، و من الحواء حورية تحية ، تستقبلك عند ربك لتأخذك سفرا طويلا ..
فأنت الذي ركض الحصان وراءك و ما جناه إلا غبار المسير ، و أنت تنصف الحلم و المشوار و ترحل، و يأخذك المصير لنهاية ربما تحدثت عنها كثيرا ليكون لك فيها الانتظار القليل ، فلماذا تركت الحصان وحيدا ..؟!
مرثية ليس لك و لكن لأحفاد الضد فيك و لأحفاد الود ، لمقاتل يحلم بمنديل أمه و بعض من قهوتها و خبزها عله يصير ملاكا ، لم يصبح ملاكا و لكنه سيصبح حين يلمس قرارة قلبها ،
مع غياب قلبه في عتمته البيضاء اللامتناهية عله يفيق على حلم واع ، بوركت رحلتك ، مرة أخرى تنام العصافير على القليل مما ذكرت عن مدائن الملح و عن الجليل ، و كثيرا لك التبجيل ، نثرت شذانا الطيب خارج الحدود و باركته بقبلة الحرية ، لكننا لم نبق للشذا شهية ، ليكومنا ككومة عنب و عناقيد رحلت و من البعيد إلى البعيد ، ما زال غيابك نصف ذاكرة و ذاكرة بنصف عيد ، رحلت دون أن تترك لنا سر حبك و استطعت أن تداري سوءة الموقف حتى حين النزف استطعت أن تحدد حزن المنصف و ثورة المجحف و تراكمات وقت يأبى أن يترك لنا بعض من بقايانا و الوقت مؤسف .
لتراتيل الجليل وسام تهديك شرفه جزاء معروفا ، لمحارب قاتل البعيد حتى يعيد للعيد عودة كريمة و بهاءَ محفوفا ، جزاك الكريم خيرا بسنين عمرك حتى يرحل وطنك الجميل ، الذي ما عاد جميل يا حلمنا للغد يا حزن المستحيل يا فرح الصهيل ، يا وطننا الراحل لأفق لا نرى سماؤه ، و لأرض لم نعد نعرف ماذا ستلد لنا بعد الغد عند عودة مولودها ، من سيبكي مراثينا ، فمن سيبكي البقايا لانا عمينا ، من سيظلل واحة الأدب حتى يثبت للعالم أجمع أن لنا غصن زيتون أخضر و كف لشهدائنا احمر و حزن على فرحنا بلون القمح اسمر و بسمة تشبه طيبة الأبيض و تصغر ، رحلت و غفرانك ربي لعبدك الفقير و رحماك فينا لطالما بكى الفرح فينا كثير ، و لفراقك يا شاعر وطننا و حبيبتنا أكثر .