الرئيسية » مقالات » ماذا يريد بوتين من جورجيا؟!

ماذا يريد بوتين من جورجيا؟!

سمعت أكثر من شخص يقول: “من حسن الحظ أنه ظهر هذا الرجل القصير ليوقف الولايات المتحدة عند حدها”! المقصود، بالطبع، هو بوتين، الحاكم الحقيقي لروسيا منذ تبوئه الرئاسة، ولحد اليوم، رغم أن هناك رسميا رئيس آخر هو ميدفييف.
إن انحلال الاتحاد السوفيتي، بعد سقوط جدار برلين، قد ترك مرارات عميقة وحادة، عند أكثرية الروس، فقد هالهم تراجع دور روسيا على المسرح الدولي، وضياع جمهوريات كانت ضمن الاتحاد، والأكثر من ذلك تقارب بعضها، مع دول أوروبا الشرقية، من الغرب، وانضمام عدد منها للاتحاد الأوروبي، وحتى لمنظمة حلف شمال الأطلسي.
إن بوتين، وخاصة منذ ترسيخ سلطته، راح ينفخ في روح الغرور القومي الروسي، ويؤجج تلك المرارات الكامنة، مما أدى لشعبيته الطاغية.
إن روسيا ليست اليوم “قلعة محاصرة”، على حد وصف ستالين في حينه. إن الحرب الباردة قد انتهت، ولا أحد يهدد أمن روسيا، لا أمريكا، ولا الاتحاد الأوروبي، بل ثمة اتفاقات، وبعض المواقف شبه المشتركة في عدد من القضايا الدولية. إن بوتين يعرف ذلك جيدا، ويعلم أن انضمام دول أوربا الشرقية، وعدد من الجمهوريات السوفيتية السابقة للاتحاد الأوروبي، بل حتى مشروع نشر شبكة الدروع النووية الأمريكية في بولونيا، وتشيكيا، ليست أبدا موجهة لروسيا، ومن ثم فلا معنى لتغذية فكرة القلعة المحاصرة لدى الشعب الروسي. إن الأخطار الحقيقية التي تشخصها الولايات المتحدة، والناتو، هي الإرهاب الدولي، والمشروع النووي الإيراني، هذا المشروع الذي تنفي موسكو وجوده، رغم اضطرارها للمشاركة في اتخاذ بعض قرارات العقوبات الدولية الجزئية، ولكنها، في الوقت نفسه، ترفض أن يتخذ مجلس الأمن إجراءات أقوى تجاه نظام الملالي، بينما تعزز روسيا علاقاتها مع إيران في كل الميادين.
إن شعور الروس بالمرارة القاتمة يمكن تفهمه، وهو طبيعي، ولكن هذا لا يبرر لروسيا استعراض عضلاتها تجاه الجمهوريات السابقة، ومنها أستونيا، ومولدافيا، وجورجيا، وأوكرانيا، واستخدام سلاح الغاز، والنفط، للابتزاز، والضغط السياسي. أجل، ماذا يريدون من جورجيا؟
لقد اندلعت الأزمة الحالية، البالغة الخطر، بعد هجوم الجيش الجورجي على تحركات دعاة الالتحاق بموسكو في أوسيتيا الجنوبية، ذات الحكم الذاتي، كمثيلتها أبخازيا.
نعتقد أن الرئيس الجورجي قد وقع في خطأ كبير بشن الهجوم الواسع في هذا الوقت بالذات، وكثيرا ما يكون قرار ما مبررا إن اتخذ في الوقت المناسب، فإذا جاء في الوقت غير المناسب حلت الكارثة. إن الرئيس الجورجي، ورغم أن قواته تتصرف ضمن حدود دولتها المستقلة المعترف بها دوليا، لم يقدر مدى رد فعل روسيا، التي لديها بعض القوات في المنطقتين بعنوان “قوات حفظ السلام”؟؟!! ومن ناحية أخرى، بالغ في مدى دعم الغرب له، فأصبح الجورجيون في خيبة أمل شديدة تجاه الغرب.
كانت جورجيا دولة مستقلة حتى ضمها ستالين عام 1921 للاتحاد السوفيتي رغم انه هو من أبناء جورجيا، وقد طبق هنا، كما في بقية الجمهوريات، مبدأ القومية العليا، القومية الروسية، وحتى في استخدام اللغة. في عام 1991 استرجعت جورجيا استقلالها، ولكن جماهير منطقتي الحكم الذاتي، أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، كانت تريد البقاء مع روسيا، وقد حدث تمرد عنيف ونزاع مسلح أدى لحرق مئات القرى الأوسيتية. وفي 1992 توسط يلتسين لوقف النار، والاتفاق على إرسال قوة روسية باسم “حفظ السلام” للمنطقتين المذكورتين، وطبيعي أن الروس انضموا عمليا لسكان المنطقتين وواصلوا تغذية المشاعر المعادية لجورجيا، وميول الانفصال للاتحاق بروسيا.
إن عدد سكان أوسيتيا الجنوبية هو فقط 72 ألفا، وسكانها يتكلمون لغة قريبة من الفارسية، بينما لغة الجورجيين من لغات القفقاز.
لقد اغتنمت روسيا بوتين الهجوم الجورجي في أوسيتيا الجنوبية، لشن حرب عدوانية حقيقية على جورجيا. إن قواتها لم تكتف باحتلال عاصمة أوسيتيا، بل راحت تحتل وتقصف المدن الجورجية، وتتقدم نحو العاصمة، أي أن مشكلة أوسيتيا كانت مجرد حجة مكيافيلية لتركيع جورجيا، وإزاحة رئيسها المنتخب، وفرض حكومة موالية، ومنع جورجيا من الانضمام لحلف شمال الأطلسي. إن هذا العدوان يأتي بعد وقوع سلسلة من عمليات اغتيال عرقية في روسيا للجورجيين المقيمين هناك، ثم طرد آلاف أخرى بحجة اعتقال جورجيا لخمسة ضباط روس بتهمة التجسس.
بوتين يعرف أن أمريكا منشغلة في حربي العراق، وأفغانستان، والانتخابات الأمريكية، ويعرف قلق واشنطن البالغ من المشروع النووي الإيراني وبالتالي فلن تستطيع اتخاذ موقف حازم جدا عدا التنديد، والإدانة. أما دول الاتحاد الأوروبي، فليست لها مواقف مشتركة، وفي نيسان الماضي عرقلت فرنسا وألمانيا، انضمام جورجيا لحلف الأطلسي خوفا من رد الفعل الروسي. إن أوروبا الغربية لم تتحرك حتى بالحد الأدنى المطلوب تجاه العدوان الروسي على دولة مستقلة، كالإدانة مثلا، بل تقدمت عبر سركوزي، بمشروع هدنة رفضته موسكو حالا، عازمة على فرض شروطها هي، وأولا إزاحة الرئيس الجورجي، وثانيا عدم انضمام جورجيا لحلف شمال الأطلسي. إن موقف الاتحاد الأوروبي ليس ضعيفا وحسب، لأن أية دولة من أعضائها لم تذهب حتى لإدانة العدوان، بل وإن وزير الخارجية الفرنسي يحمل أمريكا جزءا من المسئولية، ولكن دون توضيح أو تحديد.
إن الموقف الروسي من جورجيا يأتي ضمن المواقف من دول مستقلة أخرى كانت ضمن الاتحاد. مثلا في 2004 حاولت موسكو التدخل في الانتخابات الأوكرانية، وفي 2006 قطعت روسيا الغاز عن أوكرانيا، وما كان يحمله ذلك من خطر وقف تدفق الغاز لأوروبا الغربية.
في نيسان 2007 حاصر أعضاء حركة باسم “حركة شبيبة بوتين” سفارة أستونيا في موسكو، وضجت الهتافات، واللافتات المعادية، وصراخ “نحن أقوياء وسوف نعود، وذلك بحجة أن تمثالا للجندي الروسي أزيح من عاصمة أستونيا تالين، وقد تبعت ذلك سلسلة غارات على شبكات الانترنيت الحكومية، والمصرفية الأستونية.
لقد عمل بوتين بهدوء مدروس خلال السنوات الأولى لحكمه، وحقق إصلاحات اقتصادية هامة نحو تعزيز اقتصاد السوق، ولكن دون خطوات حقيقية في الديمقراطية السياسية، وقد تضامن مع الولايات المتحدة في أحداث 11 سبتمبر، غير أنه ما أن رسخ سلطته المطلقة حتى راح يستعرض العضلات، ويشدد من مواقفه من يوم لآخر. كان أستاذه أندروبوف يقول ” ليس المهم أن تضرب القبضة، بل أن تكون مشهرة دوما على رؤوس الجميع”، وهاهي قبضة بوتين تهوي على جورجيا، مما يذكرنا بغزو بودابست، وبراغ. ترى أهو حنين صارخ للعهد السوفيتي، وحلم إمكان عودته؟ هذا طبعا مستحيل، كما أن الحرب الباردة قد انتهت، ولكن بوتين يتخذ مواقف حادة هي أقرب لسياسات الحرب الباردة، والإمعان فها قد يوتر كل الوضع الدولي.
12 آب 2008