الرئيسية » مقالات » كركوك.. هذه شهادتي(1) مدينة أحببتها

كركوك.. هذه شهادتي(1) مدينة أحببتها


وصلتُ مدينة كركوك وشاهدتها، لاول مرة في حياتي، في نهاية عام 1960، إذ عُينت معلما في ناحية ليلان، قرية بيانلو الكردية، التي تبعد مسافة ثلاثين كيلومترا عن مركز المدينة، غير اني حين اعتقلت في انقلاب شباط 1963 فوجئت باثنين من الشهود يقفان امام المجلس العرفي(الثاني) يتحدثان عن دوري في ما يسمى باحداث كركوك الدامية التي كانت قد اندلعت قبل وصولي بحوالي عام ونصف، وقد رويا، بافادة غير منسقة، كيف كنت ارشد المتظاهرين الى منازل بعض التجار التركمان للتنكيل بهم، واخذتْ المحكمة علما بهشاشة التهمة وزيفها، غير ان المدعي العام، الجلاد، راغب فخري اصر على ادانتي بتهمة “اشاعة الفوضى” باعتباري من “الشيوعيين الخطرين” فصدر الحكم عليّ عاما واحدا كنت قد قضيته، موقوفا في معتقلات كركوك، السجن العسكري ، القلعة، السراي.. ولم يطلق سراحي آنذاك، فقد حملت مطالعة راغب فخري السلطات الامنية على ارسالي محجوزا في سجن السلمان لعام آخر.
ولم انقطع عن كركوك، فقد زرتها مرات عديدة. في العام 1976 كانت قرية بيانلو قد اتسعت كثيرا، وحين مررتُ بالمنطقة نهاية عام 2005 ضمن وفد من مراقبين دوليين لعملية التصويت على الدستور لم اجد اثرا للقرية، فقد سويت بالارض خلال عمليات الانفال وقتل من سكانها، الذين تشبثوا بارضهم، العشرات، فيما اقامت(او اقيمت) على مشارفها وقرب ناحية ليلان بضع عائلات من المزارعين العرب الذين جلبتهم سلطات الحكم السابق من وسط العراق.
لم اكن خلال سنوات عملي في كركوك مهتما، بوصفي عربي، بالحساسيات القومية، في المدينة، ولم اكن أؤمن بفضائل وامتيازات امم على اخرى، ولم اكن اعرف سببا واحدا يجعلني متحيزا لشعب ضد شعب اخر، فيما كانت لي صداقات وعلاقات وطيدة بمثقفين من قوميات كركوك المختلفة، وهم نواة تلك المجموعة الثقافية الابداعية الرائدة التي سميت بـ”مجموعة كركوك” وابرز اسمائها القاص جليل القيسي وشاءت الاحداث ان يجمعني المعتقل بعد شباط الاسود بالمع رواد تلك المجموعة: فاضل العزاوي. انور غساني. مؤيد الراوي. سركون بولس. زهدي الداوودي. نور الدين الصالحي. واخرون من العرب والكرد والتركمان.
لكن عمليات الاغتيال اليومية التي كانت تضرب في المدينة وتطال شخصيات كردية وشيوعية وتركمانية يسارية وضعتني، كما وضعت الكثيرين، امام مشغولية وقائية دائمة، من شروطها، معرفة الخارطة القومية لسكان المدينة، إذ تغير عصابات القتل من احياء تركمانية معروفة، قورية. تسعين. القلعة. الماس. صاري كهية. زندان، مقابل احياء كردية تتعرض يوميا الى غارات انتقامية: شورجة. إمام قاسم. رحيم اوة.
اللغة التركمانية، لغة رقيقة ومهذبة وحلوة، وكانت لغة الشارع في كركوك في ستينيات القرن الماضي(ولغة المثقفين ايضا) حتى في الاحياء الكردية، ولهذا الامر صلة موضوعية بحركة العمل والسوق والتجارة والبناء التي يمسك بها، تاريخيا، تركمان كركوك، وتقبض اقلية منهم (ضباط الجيش العثماني وموظفو الادارة العثمانية وعائلاتهم) على غالبية عقارات المدينة، وثمة في حافظة التاريخ مما لا يمكن التقليل من شأنه وهو الادب التركماني الذي وجد في كركوك حاضنة له موصولة بادب الكرد ودفقات الادب العربي.. وكنت احفظ قصيدة تركمانية مغناة قريبة من قلبي، من بين ابياتها: ثلاث شجرات تين/ في اعتاب القلعة/ لا تسحب سلاسلي/ فذراعاي تؤلماني.
ــــــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ــــــــــــــــــــ
“معتوه من يخوض حربا يمكن تفاديها..”.
خوسيه مارتي

جملة مفيدة / زاوية يومية
يكتبها / عبد المنعم الاعسم