الرئيسية » مقالات » حلم – قصة قصيرة

حلم – قصة قصيرة

الحلم الاول

واخيراً رأيته بعد مرارة الفراق الطويل ، كان يمشي على سفح الجبل برفقة صديق له لا أعرفه ، ربما أحد أصدقائه الشهداء فهم كثر في الوطن المستباح فحين تبتعد الشمس ترحل الفراشات وتذبل الورود وتنطلق الذئاب و الغربان السود ، جلست خلفه على الصخرة وكان الوقت صباحاً والشمس تشع نورها الطيب الهاديء ، رأيته جالساً يتحدث مشغولاً ومهموماً كعادته ، نظرت إليه ملياً قلت انه هو ، ناديته بأسمه يافاخر التفتَ اليَّ هرعتُ صوبه عانقته وشممته طويلاً ثم تحدث معي عن رحلته فقال انه في عالم سعيد ولكنه حزين لما يحصل في الوطن ، فلا زال الفقراء تعساء ، ومازال اللصوص يتسلقون الأشجار ويسرقون الثمار ، وقد سكتت الاجراس ، ونام النواطير ، ولبس اللصوص ثياب الكهان ، واصطبغت كثير من الأشياء وازداد السواد بارض السواد ، ولبست الظلمة ثوبها الجديد ، هذه المرة جاء المشخصاتي يلبس ثياب التاريخ ،فتحول السيف إلى حكاية وملهاة محببة عتد العجائز والاطفال ، أحببت أن أذهب معه ، لكني خجلت من صاحبه ، لم ارغب أن أتطفل عليهما ، وأن اقطع خلوتهما ، فصعدا إلى قلعة في سفح الجبل وبقيت على الصخرة وحيداً . بعد أن ذكرني بشعر نزار حين يقول
ما لليساريين من كتابنا؟
قد تركوا (لينين) خلف ظهرهم
وقرروا..
ان يركبوا الجمال!!

الحلم الثاني

أصر أن يدعوني إلى مأدبة عشاء في داره بعد أن فارقته أكثر من ثلاث وعشرين عاماً ، كنا نجتمع في بيتنا أو خرابتنا أو في بيته أو خرابته ، عمل نجاراً وحين حل ظلام الليل ، ودَّعني حتى محطة القطار ، وحين عدت أطلق لحيته وأمسك بمسبحةٍ طويلة ، وقد أوشى بشريكه ورفيق دربه حتى يبقى بلاشريك ، وحين زاره احد رفاقه النازلين من الجبل قاده إلى حتفه ، وقد وجد له مكاناً في جوقة اللصوص وأخذ حصته ، فإمتلك بيتاً مترفاً وسيارة فارهة وورشة كبيرة أما العمال في ورشته فيمضغون مرارة ظلمه وجشعه ، سألني أحدهم عن فاخر فقلت له انه يسكن في القلعة البعيدة ثم رددت أمامهم وصيته بشعر السياب
كنت بدء ، وفي البدء كان الفقير
مت ، كي يؤكل الخبز باسمي، لكي يزرعوني مع الموسم
كم حياة سأحيا : ففي كل حفره
صرت مستقبلا ، صرت بذره
صرت جيلا من الناس ، في كل قلب دمي .
سألوني متى يعود ؟
ربما يأتي في المساء ، فرفع أحد العمال رأسه إلى السماء كانت الشمس قد رحلت وبدأت الظلمة مرة اخرى تمد عبائتها لتغطي كل شيء ، لكن نجمة بعيدة راحت تلتمع بشدة وترسل خيوطها الفضية .