الرئيسية » مقالات » قضى.. وجف القلم

قضى.. وجف القلم

انتهى من اعداد منهاجه الاسبوعي الذي واظب على تحضيره مع نهاية كل اسبوع، فكان كالمعتاد مليئا بمواعيد العمل والسهرات الخاصة فضلا عن أوقات عمله اليومي، اذ يبدأ يومه عند أنتصاف النهار مع أستيقاظه وينتهي عند خيوط الفجر الأولى حين يأوي الى فراشه الذي يجمعه بزوجته التي تعودت على أن تسبقه بالنوم عدة ساعات، كما اعتادت أن لاتسأله عن أسباب تأخره المتواصل بعد أن يئست كليا من الكلام معه حول هذا موضوع أو حتى ابداء النصح له والذي لم تكن تجد له اذانا صاغية.. وحتى لم تكن تسأله عن المكان الذي يقصده، فيكفي منها نظرة الى جدول مواعيده لتعرف مكانه.
كانت هذه هي حياته التي اعتادت ان تتعايش فيها معه دون شكوى أو ملل من تصرفاته رغم ذلك فان الضجر والملل كانا يراودانها رغما عنها لشعورها بالوحدة والفراغ الذي يملأ حياتها، فلم يكن لها بد من التمسك ببصيص أمل في أن ينصلح حاله، وحالها معه، ليعود كما كان في سابق عهده معها، محبا، وزوجا، وعاشقا… حين كان موظفا صغيرا في احدى الدوائر الحكومية، أمّا الان فقد تغير وضعه من جميع النواحي ليشغله المال والانغمار في لذة الليالي الحمر بعد أن أسس شركة كان يحلم بها ليترك وظيفته السابقة ويترك معها كل شيء حتى زوجته، وان كان ما يزال يعيش معها..
استيقظ كعادته مع انتصاف النهار، في حين كانت هي تعد له طعام الافطار الذي تناوله على عجل ليغادر منزله مسرعا ويفتتح أول يوم في منهاجه الاسبوعي الجديد.. لم تبد منها أية حركة وهي تراقبه ينطلق بسيارته الفارهة من النافذة المطلة على حديقة المنزل الواسعة لتسدل ستارها بعد أن تغيب السيارة عن انظارها، دخلت غرفة مكتبه لتطّلع على منهاجه وتعرف مواعيده لهذا اليوم، كان قد خصص ساعة كاملة من وقته عصر اليوم للراحة في المنزل والاستحمام ثم يغادر لبعض المواعيد الاخرى ويختتم يومه بسهرة جديدة حتى الفجر.
لم تعر اهتماما لبقية المواعيد لتجول في أرجاء منزلها لقضاء بعض اموره، ولتشغل نفسهاحتى موعد عودته بل لتقتل فراغها وشعورها الدائم بالوحدة والذي تتمنى ان تغتاله للأبد، لكنها أمنية أخرى لم تتحقق بعد، وامنياتها التي لم تتحقق بعد كثيرة اقربها الى نفسها أن يمتلئ المنزل بضجيج طفل يبعد عنها هذا الصمت الرهيب، وحتى هذه الامنية كان قد حرمها منها متعللا بأن الوقت مازال مبكرا على هذا الامر رغم انهما اجتازا الثلاثين من عمرهما..
شارفت الشمس على المغيب ولم يعد بعد… جلست أمام جهاز التلفاز لتشغل نفسها مع بعض برامجه وشعور الحيرة والاستغراب يداخلها بسبب تأخره، اذ لم تكن عادته في أن يخلف موعدا من مواعيده.. عادت مجددا الى مكتبه للتأكد من جدول مواعيده لكنها لم تكن مخطئة، وها قد مضى أكثر من ساعتين على غروب الشمس لكنه لم يعد.
بدأ القلق يتسلل اليها وهي تحاول ابعاده باشغال نفسها تارة بمشاهدة برامج التلفاز، وأخرى في المطبخ، وتارة تدخل غرفة نومها، لم تكن لتستقر بمكان حتى رن جرس الهاتف لتهرول نحوه مسرعة وترفع سماعته… حاولت ضبط أعصابها وهي تتأمل سماع صوته، لكن قلقها تزايد وهي تسمع صوت أحد اصدقائه يسألها عن سبب تأخره عن موعده.
أخذت غرفة الجلوس ذهابا وايابا حتى بدأت أعصابها تتوتر شيئا فشيئا، دخلت غرفة مكتبه.. بعثرت كل اوراقه. علها تجد ورقة دوّن فيها أمر ما.. أوموعد.. أو ما يعلل سبب تأخره، لكنها لم تجد ما يعيد لها هدوءها..
عادت امام جهاز التلفاز ورفعت صوته بل وحاولت التركيز في برامجه علّها تمتنع عن التفكير، لكنها لم تستطع، ففكرة أن يكون قد حدث له مكروه ما تؤرقها وتلهب فؤادها.. رفعت سماعة الهاتف وقد قررت طلب أخيها للاستنجاد به، وقبل أن تدير قرص الهاتف تذكرت ان اخاها مسافر ولن يعود قبل بضعة ايام.. سقطت سماعة الهاتف من يدها واسترخت في مقعدها وقد انهار جل قواها مع اعلان الساعة عبر دقاتها انتصاف الليل..
لم تكن تدري ما ستفعل؟ وبمن تستنجد، أو أين تبحث عنه، ففي مثل هذا الوقت المتاخر ماذا تستطيع المرأة ان تفعل؟؟
دخلت غرفة نومها على عجل وارتدت معطفا طويلا ثم التقطت سلسلة مفاتيحها وخرجت الى باحة المنزل حتى انها نسيت اغلاق بابه الخارجي، جلست خلف مقود سيارتها وحاولت التركيز وقد تدفقت الدموع على خديها لتنطلق بعد ذلك بسرعة جنونية تاركة آثارا سودا على الارضية بفعل الاطارات المطاطية..
ارتفعت شمس النهار في كبد السماء لتنتصفه وليستيقظ كعادته في مثل هذا الوقت، لكن هذه هي المرة الاولى التي يصحو فيها على صوت منبه الساعة دون سماع صوت زوجته، نهض من فراشه متململا وقد بدت اثار الشحوب واضحة على وجهه جراء السهرة التي قضاها في حفل صاخب دعي اليه بصورة مفاجئة..
نادى على زوجته عدة مرات، لكنها لم تكن موجودة لتجيب، استغرب من اختفائها المفاجئ والذي لم يعتد عليه ولاسيما مع موعد استيقاظه اذ لم يشعر بغيابها عند عودته فجرا جراء الارهاق والتعب.. دخل غرفة الجلوس ليفاجىء بجهاز التلفاز مفتوحا باعلى صوته.. تمتم بغضب وهو يغلقه ثم توجه للمطبخ لاعداد فطوره بنفسه بعد ان تأكد من عدم وجود زوجته ولخشيته التأخر عن مواعيده.. اول مرة يشعر بقيمة نفسه بدونها من خلال عمل بسيط لم يجد اداءه في المطبخ ليغادره مسرعا الى غرفة مكتبه لالقاء نظرة على جدول مواعيده..
ازدادت دهشته وهو يرى اوراق مكتبة مبعثرة في ارجاء الغرفة، حاول ان يجد سببا مقنعا لهذه الفوضى التي وجد نفسه محوطا بها فجأة..
لم تكن الدهشة تساوره لما يشهده فحسب، بل لحنين جارف وشوق يتسلل الى نفسه للقاء زوجته.. رفع الجدول المزدحم بالمواعيد من على الارض والذي لم يخصص فيه لحظة واحدة للتفرغ لها… سرعان ما قرر تأجيل كل مواعيد يومه لينتظرها بشوق لم يألفه مسبقا، خرج الى غرفة الجلوس ليسترخي على احد مقاعدها متأملا الأيام التي مضت والتي ضيعها بعيدا عن زوجته وحنانها الذي لم ينضب يوما كما لم ينفد لها صبر معه.. اجتاحته رغبة عارمة لرؤيتها واحتضانها و.. وهو يشعر بمدى القسوة والظلم الذي لحقها جراء اهماله لها وجراء الفوضى التي ارهق بها حياته وحياتها.. فقرر منذ تلك اللحظة أن يعيد الامور بينهما الى سابق عهدها، وان لايضيع لحظة تتاح له دون ان يعيشها معها، تعويضا عمّا اضاعه من عمرها وعمره، واول شيء فعله هو تمزيق جدول مواعيده..
عبثا كان يحاول ايجاد سبب لغيابها المفاجئ، فهو يعلم انها لايمكن أن تتأخر في السوق او أي مكان آخر الى هذا الحد دون اخباره، كما انه يعلم بأنها فارقت صديقاتها ولم تعد تتصل بهن بعد زواجها وايضا فهو لايعرف عنوانا لأية صديقة لها.. ازداد الأمر غرابة وتعقيدا بالنسبة له وهو يرى سماعة الهاتف الملقاة جانبا، فرفعها وحاول الاتصال بأخيها عدة مرات لكن لا أحد يجيب، فهو يجهل سفره، حينها نهض من مكانه وقد قرر الذهاب الى بيت أخيها علّها تكون هناك بعد أن يئس من الاتصال به ولشكه في وجود عطل ما في هاتفه، وقبل أن يخرج من باب منزله رن جرس الهاتف فرفع سماعته بلهفة متأملا أن يجد حدا لتساؤلاته بسماع صوتها..غير انه فوجئ بصوت خشن يحدثه و.. امتقع لونه وارتجفت أوصاله لينهي المكالمة على عجل ويهرول خارجا من منزله مستقلا سيارته منطلقا بها نحو المستشفى حيث أخبروه بأن زوجته في حالة خطرة بعد الحادث الذي أصابها بسيارتها فجر اليوم..
دخل المستشفى وهو يركض متوجها نحو غرفتها بعد أن استفسر من موظف الاستعلامات، وقبل أن يدخل الغرفة اعترضه الطبيب الذي اشرف على علاجها محاولا تهدئته ليخبره بعد ذلك بمشيئة الله وارادته التي سبقت محاولات علاجها فلم تكتب لها النجاة.
خارت قواه وهو يتقدم نحو سريرها ليرفع الغطاء الابيض من على وجهها ويحتضنها بقوة ثم يبكي بصمت دون أن يستطيع السيطرة على دموعه التي نزلت على خديه بحرقة وألم وهو يلعن حظه ويؤنب نفسه لما ارتكبه بحقها من اهمال.. سحبه الطبيب وأخرجه من الغرفة مواسيا اياه بما استطاع من كلمات أسف وحزن محاولا تهدئته..
لم تكن له رغبة في أي شيء عندما تقدمت منه ممرضة تحمل في يدها عدة حاجيات تعود لزوجته لتسلمها اياه، فلم تكن له الرغبة ايضا الى مجرد النظر لتلك الحاجيات لولا ان لفت انتباهه صورة برز طرفها من محفظة صغيرة تعود لزوجته.. سحبها بهدوء لتزداد دموعة غزارة وهو ينظر الى أول صورة تجمعه بزوجته في بدايات تعارفهما، تحسس بانامله اثار قلم حفر خطوطه في ظهر الصورة ليقلبها بهدوء وهو يجر حسرات الألم والندم، كان صدر بيت من الشعر طالما كانت تردده زوجته لتكتبه بخط يدها في ظهر الصورة، فاعتصر قلبه وهو يقرأه بصوت مرتجف مرددا:
قضى الله أمرا وجف القلم…