الرئيسية » مقالات » السودان- العراق(2)عن التعدد القومي

السودان- العراق(2)عن التعدد القومي

 
قضية الجنوب السوداني، لا تختلف كثيرا عن قضية الشعب الكردي في العراق، إلا في البعد الديني(اكثرية مسيحية) هناك، والبعد القومي (الامة الكردية) هنا، فيما مرت القضيتان في سلسلة معقدة متشابهة، الى حد كبير، في الصراع مع الحكومات المركزية، وسلسلة، اكثر تعقيدا، في التفاوض مع تلك الحكومات: تلجأ حكومة المركز الى التفاوض، وحين تستقوي تشن الحرب. ولا حاجة للاستطراد في عرض النتائج الكارثية للحملات العسكرية الحكومية المديدة لاخضاع ‘المناطق المتمردة’ في سقوط ملايين القتلى وتدمير فرص التنمية والبناء ووقوع البلدين في قبضة مجموعات انقلابية عسكرية، ودكتاتورية، وقبلية.
وطبقا لبرنارد لويس، مثلا، فان عدد ضحايا الحرب الأهلية في السودان بلغت خمسة أضعاف عدد قتلى الحروب العربية ـ الإسرائيلية مجتمعة، ولم يقتل الجيش العراقي طوال خمس وثلاثين سنة من حكم البعث الاخيرة اكثر من ستة اسرائيليين، فيما قتل في غضون اسابيع، وفي حملة واحدة من الحملات العسكرية المنهجية، مائة وثمانين الفا من الاكراد العراقيين، وسقط في حرب اخضاع الكرد ما يزيد على مائة الف من العسكريين، وفي هذا السياق كانت الحافظة الاعلامية والسياسية العربية مليئة باخبار ‘الاصابع الاسرائيلية’ التي تحرك جنوبيي السودان واكراد العراق، في محاولة لاضفاء الشرعية القومية والدينية على حرب الاستصال ضد شعوب تطالب بالمساواة والحرية وحقوق المواطنة، حتى ان كاتبا معروفا (فهمي هويدي) كتب غداة التوصل الى اتفاق السلام بين الخرطوم والجنوبيين السودانيين يقول: ان
إسرائيل كانت الحاضر الغائب في عملية توقيع آخر البروتوكولات بين حكومة الخرطوم وحركة تحرير السودان’.
وشاءت معاهد الدراسات الدولية التي عنيت بقضايا الاثنيات والاقليات القومية في العالم العربي، واغلب الدراسات الاكاديمية التي تصدت الى هذا الملف، ان تفرد حيزا كبيرا لمشكلتي جنوب السودان وكردستان العراق بوصفهما مثالا صارخا على انتهاك حقوق الامم الصغيرة من قبل الامم الكبيرة في العالم الثالث، وعلى خطيئة وشوفينية النظام السياسي العربي والنخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية في التعامل مع حقوق شعب جنوب السودان والحقوق القومية للشعب الكردي في العراق، وقد اجمعت تلك الدراسات المرموقة على ان مواطني هذه الشعوب المقهورة هم في بلدهم مواطنون من الدرجة الثانية، ليس في التطبيقات السياسية والامنية فقط، بل وايضا في طائفة من القوانين والتشريعات المحلية، عدا عن الامعان في ترويج نعرات الكراهية والازدراء القومي ضد الشعوب والاقليات الاخرى في حصص التعليم الرسمي.
ومما يثير الاستغراب، ان قضيتي جنوب السودان وكردستان العراق، اخذتا الآن، وفي تاريخ متقارب، مسار التسوية السلمية، في اتفاقات ودساتير وتشريعات تنهي حروب الاستئصال والقهر وتعترف للشعبين بممارسة حقوق المواطنة الناجزة وبحق المشاركة الدستورية في ادارة شؤون البلاد، والاكثر غرابة، ان هذا المسار يواجه تحديات متشابهة، هناك وهنا، وكانها من فلقة واحدة، من بينها تيار يحن الى جعجعة السلاح.. حنين الرذيلة الى كواليس المهربين، كما يقول همنغواي.

ـــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ـــــــــــــــــ
“شر الناس، على ميت أهله، يبكون عليه ولا يقضون دَيْنَه” .
الحسن البصري

جملة مفيدة / زاوية يومية ـ الاتحاد