الرئيسية » مقالات » والشعراء ………

والشعراء ………

يطرق بابَ الريح، يستشرفُ ماءَ النهر والبحارْ
ينادم النجمَ، ويروي شفة الأقمارْ
في غابة الليلِ وفي أزقةِ المنفى وفي معارجِ المدارْ
ما زال ذاك الطفلَ في أرجوحة الحروف والقفار
يسأل في الفجر عن الندى،
وحرقةِ الصدى،
ونزوة الأعشاب والأزهارْ
يبحث عن بوابة النجومْ
يشرعها ….
ترتشفُ العيونَ والنسيمْ،
يسكبها في قدح النديمْ،
فيحتسيها نشوةً وحرقةً تسبحُ في الشوق وفي الفؤادْ
في قصةٍ مارقةٍ من عاصفاتِ النارْ،
وطلقةٍ داوية في الريح والأنوارْ
سألته يوماً: ألا تنامْ ؟
فقالَ أنَ الحبَ في الزحامْ
في الصرخةِ الكاتمةِ الصوتَ وأسرابِ الحمامْ،
تهيم وسط الرمل والنهر وأهدابِ النخيلْ،
والشجر السابح في ألوان طيفِ الشمس والهديلْ.
فيسهر الكلامْ …..

* * * * * *

شاعر مغمور من المجددين كتب قصيدة تسيل نزفاً محرقاً …. لم ترتض أية صحيفة أن تنشرها ….. علقها على باب بيته العتيق المتداعي في حارة البكاء على سكانها الفقراء…. في اليوم التالي رآها ملقاة على قارعة الطريق وقد داستها سنابك المارة فامتزجت بمياه الدرب الآسنة تلعب بها الريح.

أقفرت وجوه أثرياء القبيلة من المساحيق. تعروا عن الأردية الشفافة المزوقة التي نسجتها أيادي آلهة الأزياء الكبرى في صالونات معابد الكهنة القديمة والجديدة .
احتاجت الريح المغتصبة إلى حروف مزخرفة بفسيفساء الديناصورات والمصاغة ببراعة صياغة أصحاب القصائد العصماوات على أبواب الخلفاء والسلاطين والخصيان.
الصاغة، والحمد لله، مثل سيل العرم !
يتبارون على أبواب أصحاب الحقائب الحبلى بماء الذهب الأصفر والأخضر!

المسارح مثل النمل تغصُّ بالممثلين والمخرجين وصانعي الديكور والمؤلفين الجاهزين في سوق الهرج والدعارة والذبح بالمجان…
هذا زمن عودة النخاسة والتجارة بلحوم البشر، والرقص على أيقاع الجثث، والحشيش والماريجوانا، ومطاعم مكدونالدز الشهية البهية الدائمة اللذة، ومعابد عبدة العمائم والجن والشياطين والعفاريت الطالعة من تحت أردان السلاطين وأولياء عهودهم المثخنين بالثروات …!

طوبى للذين ألهمونا ونثروا فوقنا الثمرات اليانعات لبركات عالم الأمن وسلام الشجعان ومافيا الرخاء القادم على بساط ريح منتدى دافوس وكتاب آية الله العظمى بريمر!!!

أيها الفقراءُ والمستضعفون في الأرض المغليةِ بماءِ الصديد!
اصبروا على ما تلقون فالصبرُ مفتاحُ الفرجِ، والمؤمنُ مبتلى!
ستأكلون وتشربون من طيبات ما رزقناكم راضين مرضيين،
لكم الأرض، ترثونها أنتم وأحفادكم،
ولنا الأمن والنوم في حجراتٍ من الصفيح الساخن الآمن
وبيوت عارية عن الجدرانِ والسقوفِ والخبز والمحبة!
فراحة البال من القناعه
من ثمرات قادة الأمن من الحضاره
سلاماً، أيتها الأرض، امنحي ما عليك للقادمين الكبار حلالاً طيباً، وهبةً خالصةً ثمناً للديمقراطية والحرية الآتية على نصال القاذفاتِ والراجماتِ والسياراتِ المفخخةِ!
ارتعي، وتمتعي، وتنعمي تحتَ نعال الغزاة وسنابك خيل الأخوة الأعداء.
النصر قد جاء على أجنحة الزهر
والخير قد بان، وفاض الزرع والضرع
لكِ الجنة الموعودة في تلاميد الكونغرس، ودهاليز الكنيست، ودور الأزياء والترف في باريس ولندن وروما وبروكسل، وكهوف تورا بورا، ومعتقلات العالم الثالث المنقلب على عقبيه في جيوب العالم الأول. أما العالم الثاني فملحق صحفي يبحث عن ناشر …… للغسيل !

أنا الشاعر المشتهى والمنتهى
أنا الذي رأى كلَ شيء
رأى قاذفاتِ اليورانيوم المنضب
تنهالُ على رؤوس النخيل والأشجار
والعصافيرُ تتساقطُ في البترول المنهوبْ
وحمد يجمع حوائجه ويرحل على أزيز سمتيةٍ، وفي حفرةٍ لمقابرَ جماعيةٍ،
أما أخونا الشاعر الآخر فقد رحلَ من زمانْ
هرباً من السجانْ
من غضبة السلطانْ
وغرفِ الجواري والغلمانْ
ليعيش في عاصمةِ فلانٍ الأممي وفلانْ
ويحصلُ على الدكتوراه بالمجانْ
عن الثقافةِ والاقتصادِ وسياسة العُميانِ والعُرجانِ والثولانِ والثيرانْ
ثم يرحلُ الى عاصمة الامبريالية العالمية ليعيش في رغدِ المساعداتِ والضمانْ
ويتنقلُ بين مدنِ النمر الورقي صادحاً بشعرهِ في فنادق النجوم الخمسةِ
ويحصلُ على الجوائزِ من الرأسمالية المتوحشةِ والشيوخِ والعُربانْ!

* * * * *

“هذا أنا ملقىً هناكَ حقيبتانْ
وخطىً تجوسُ الى طريقٍ
لا يعودُ الى مكانْ”
(بلند الحيدري)

ماعادَ من مكانْ
يرفلُ بالأمانْ
في العالمِ المذبوحِ بالمجانْ!

في زمن الحضارات التي يتزوج صغيرها بكبيرها تحت ظلال خيمة شيخ القبيلة، وبمهر مدفوع بالتقسيط غير المريح وبفائدة من فيض آبار النفط …. وببورصة نيويورك …..
لا خوف بعد اليوم من طلاقِ
فأبغض الحلال في الطلاقِ
ونحن جيل الزيجة الخالده!

طوبى! لنا الربوات العوالي والحور العين في حقائب العولمه
والحصان الخشبي في ساحات الفضائيات.
والرقص على حبال لسان الشاعر:
“سلي الرماح العوالي عن معالينا
واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا!”
( صفي الدين الحلي)

أنا الشاعر المشتهي والمنتهي …..
لي ريشة بيضاء نتفها الظلامْ
وعيون عشق لايدانيه غرامْ
وأصابعي بين الربابة والهيامْ
بترت أناملها أحابيلُ الرغامْ

أنا الشاعر المجروح أبد الدهر
لا أشرب الجمان المنضد
ولا أرى القمر الواحد حين يبزغ.
فالكوة في السقف مغلقةٌ بأوامر شرطة الحدود الليلية،
وعلى يميني ريشة مضمخة بدم الحرف، تغفو منتوفة الريش.
وأمامي أوراق يعلوها الغبار،
وكتاب فقه اللغة المصقول والمعجون باللغات الشرقية والغربية،
وشمعة تذوي ….. وتذوي …….
ولا صباحَ يجيب!


قال الشاعر متوشحاً برداء أمراء النهضة متقلداً أوسمة الصالونات ورضا السلاطين:
“مدحتُ المالكين فزدتُ قدرا”
(شوقي)

معه موج من شعراء القوم مع الطبل والزمر
وسطور صيغت ببيان وبديع وبأبهى حلل
وعباءات تلمع بالذهب الإبريز

يقف الشعراء الأفذاذ بباب القائد المنصور بالله، المنتصر في كل حروبه العبثية اللامنتصرة بمشيئة الله !!!
يلقون قصائد عصماوات وأياديهم تمتد إلى الشيكات العامرة، ومفاتيح سيارات البرازيلي اللامعة، وأبواب الشقق الفاخرة، والكوبونات المنتفخة بدم الفقراء …..
بينما الشعراء الأنقياء يدقون أبواب الحرية الحمراء البعيدة المدى مضرجة بدمائهم وقصائدهم النازفة حتى الرمق الأخير.

وقف شاعر قديم بباب الخليفة آملاً بوزارة، لم يفتح له الباب. أصيب بانهيار عصبي…..
فصرخ عالياً مندداً بالظلم :
“اصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
فيم الإقامة بالزوراء لا وطني
بها ولا ناقتي فيها ولا جملي”
(الطغرائي)

فاعتلى ناقته وتوجه إلى حيث تولى وزارة لمدة ثلاثة أشهر. فخسر الخليفة الصبي الذي استوزره معركته مع أخيه، فصُلب الشاعر على باب العاصمة الكبرى/الصغرى المتداعية في عصر المماليك الغلمان !!

“هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم”
(عنترة)

ما غادرتُ، بل غدروني. ألقوني في موج مياه محيط الطوق الهائجة. غاصت قدماي مع الموج … غاصت حتى الأذنين …. سمك البحر تلاقف أشلاء الضوء الخاتل بين ردائي …..
الدار عرفناها …..
ما كان الوهم سريراً للقلب ولا طيفاً ينبض في الروح….
سمرني سماسرة الحرف بمسمار مغروس في الضلع….
تركوني بين سياط الغلمان وجلاد الأرض القابع فوق العرش المصنوع بدماء طيور الأحلام وأشلاء القتلى الذين ضاعوا في المقابر الجماعية القديمة والجديدة ………..
إني أعرف لون الدارْ
أعرف نبض الدارْ
زوايا الدارْ
أسبح في أنهار الدارْ
أفهم همسَ الناس
خلفَ الأسوارْ
لكن السلطان وخصيان السلطان
لا يعرف أحد منهم ضوعَ الرائحة
في الأنهار وفي الأشجارْ

ديك الجن يطلُّ …. يطلُّ ….
يصيح ….. يصيح ….
أين الوضاح ؟
أين الحلاج ؟
أين ….؟
وأين …….؟
ربَ الدفن
ربَ الصندوق المقفول تحت العرش
ربَ الحبس المنفرد المجهول
ربَ الصلب على الأبواب
جبة صالون الروم
طعنة أنقرة
النبذ
النفي
العزل على الصحراء
أو القتل بكاتمِ صوتٍ …..
أو بمفخخةٍ !


ويحَ الشاعرِ في الزمن المرتدِ الولى الأدبارْ!
نام ….
هام ….
أقفل دكانَ الكلمات
لملم أوراق التوت، حقائبه، ليسافر في الريح الغربية في زمن العري،
زمن الثوب الشفافِ مساحيقِ الأصواتِ المعتدله.

هذي أيام حوار الأقوام الكبرى المنتصره
والصغرى المنهزمه،
ايام قبائل فضائيات القرنِ الحادي والعشرين وتجار الكلمه.

مرحى للكرسي النابت فوق القمة !
يتلألأ بالذهب المصقول بزخرفة الأحجار ذوات الألوان الزاهية البراقة،
تسرق أبصارَ السراق ولصوص الكلماتْ
وقادة المليشياتْ.
دون الكرسي الشوكُ، الصخرُ، سيوفٌ مصقوله،
ودماءٌ مبذوله
جثثُ الأخوانْ.

“من رام وصل الشمس حاك خيوطها
سبباً إلى آماله وتعلقا”
(حافظ ابراهيم)

فرأى الربعُ الشمسَ بالمقلوبِ فولوا الأدبارْ ……..

* * * * *

في دائرة طباشير القوقاز غنى الشاعر حمزاتوف الداغستانَ بلاده …. بالموسيقى … بالرقص … بالعشب السندس …. بسماء صافية الأحداق … بأكواخ يسرح فيها الضحكُ، الحبُ، هواءُ حقول الوديان، الشاي الدافئ فوق سماور العائلة.
غناها الذباحُ دماً، وأزيز رصاص الأخوان، أشلاء الجثث المتناثرة، والموت المجان، سحنات قادمة من خلف محيطات الحقد المزروع على الألواحْ…..

يا ذا العينين الذئبين التقدح بالزرقة مثل الزرقة في عيني ذئبٍ مسعور ،
من أي دهاليزَ أتيت؟
من أي مراكز أبحاثٍ ألهمت نهاية هذا التاريخ؟!
في عينيك صواريخ وقذائفُ من تاريخ الصَـلب، وتاريخ الكاوبوي، وحصان طروادة ..!


“إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس خليقاً أن يقال له شعرُ”
(الزهاوي)

طرب الناس لصوت الشاعر. هزوا الرأس من النشوة والعشق والظمأ.
اليوم يهز عراة الزمن العاهر الأرداف، ورؤوسٌ تبحر في أحلام الديناصورات.

يا ذا الرمة !
نعلاك على متنك ،
تمشي حافي القدمين في الربع الخالي بين الرمل الحارق والمحروق.
مغنينا يصدح في ريش نعام، يسب، يلعن، يفصح، يفضح، يكسرُ، يحطمُ، ويغني لعراقٍ مرَ وعراقٍ أتٍ لا يعرفه إلا اللهُ والراسخون في أروقةِ المخططات الاستراتيجية …..
ثم ينام على الاستبرق ونمارق مصفوفة ….
وفوق الأجساد!!!
وأشقاءُ الأرضِ ينامون على أصوات الدباباتِ، والعبواتِ، والسياراتِ مفخخةً،
والأجسادُ من غير رؤوس ولاأطرافِ ولا جذوع!

قال الأخضر بن يوسف في البحر السائل أشواكاً ورصاصاً :
“بدلاً من رايات الثورة
رفعوا رايات ذكورتهم”

هذا نوبل …. ذاك عويس يكافئ عن رايات الثورة.
ومعاً في رايات الثورة
بتروا راياتِ ذكورتهم
ألقوها في الصحف اليومية. ناموا في أحضان فضائيات القرن الحادي والعشرين في الوطن الأكبر والأصغر، والأقرب والأبعد. سبحوا في نهر الورق الأخضر. خاضوا بسيوفٍ خشبيةٍ، رقصوا على ايقاع عالم أيام العودة لـ(عوالم) أيام زمان!

غردْ، ياابن النهر الغافي في حضن البحر الأبعد والصاروخ العابر للقارات وللجيران.
غرِدْ، لا خير سوى التغريد على إيقاع السفن المحمولة بكنوز الغرب، كنوز الشرق، كنوز أيام افتحْ ياسمسمْ !
قُتل صعاليكُ الشعر، فقد غنوا للأرضِ وللعرضِ وللذئب، للضبع، للنمر الأرقط، للسيف القاطع والبتار، للكهف وللأفعى السامة القاتلة.
نبذوا أكياسَ قبائلهم.
ملأوا أسمالَ الفقراء.
دخلوا قائمة الإرهاب فحق عليهم قول قبائلهم: قُتلوا كي لا تحدث فتنة….
عُرضوا في غاليري السادة مثلاً لأولي الألباب!

قال المرحوم كبير الشعراء، وقديماً غنى للفقراء، في أحد ملوك قبائلنا:
“يا سيدي أسعفْ فمي ليقولا
في عيد مولدك الجميل جميلا
أسعفْ فمي يطلعكَ حراً ناطفاً
ذهباً، وليس مداهناً معسولا”
(الجواهري)

أسعفه السيدُ.
أنشدَ …. أنشدَ ….
ملءَ الفمِ خيرَ الإنشاد.

أما أنتَ …. فلم يسعفك فمك، فتوالت فيك سيوف الأشرافْ
قبل الأجلافْ.