الرئيسية » مقالات » عراق- سودان: محاولة تشبيه

عراق- سودان: محاولة تشبيه

عندما تلتقي بسياسيين سودانيين لا بد ان تسمع منهم كلمات شفقة على العراق، وعرضٍ لعناوين مثيرة عن آخر احداث القتل والموت العراقية، يختتمونها، في العادة بعبارة ‘نسأل الله ان لا تحدث لدينا والحق انها تحدث لديهم، ولا تشفى، طبعا، فالسودان، بلد طيب وشعبه، كما يقول الرحالة الالماني ب. كيرن، قلبه رقيق مثل دمع العين.
وفي زيارة لي، مع وفد دولي في آذار الماضي، الى معسكر’ابو شوك’ للاجئين شمال منطقة دارفور السودانية المنكوبة بالحرب الاهلية، خصني لاجئون حفاة وعطشى ومفجوعون بما حل بهم وعائلاتهم(بعد ان عرفوا اني من العراق) بالسؤال عما يحدث في العراق من مآس: قلت لهم متأسيا : لسنا باسوأ حال من حالكم.. بل لدينا من الامكانيات ما نستطيع ان نخفف من مصائبكم..’ ولعل المفاجئة الميدانية هنا تتمثل في البصمة العراقية(الطائفية) لماساة دارفور، فان الحرب الاهلية التي طحنت حوالي مليون من الانفس والقت الى العراء، وما وراء الحدود، بمليونين من السكان الامنين في افضع وابشع حالات المكابدة (لا ماء ولا طعام ولا أمن) هي حرب طائفية صامتة ومجهولة بالنسبة للكثيرين جرت وتجري بين طائفتين من المسلمين(مسلمون عرب ومسلمون افارقة) على خلفية صراع طويل، غذته ‘ مساجد الطائفتين’ بالتأليب، وعمقته السلطات المتعاقبة بتقريب طائفة وتهميش طائفة اخرى.
وفي التفاصيل، تدخلت دول الجوار(آه من لساني) فزاد الامر تعقيدا حين تُرجم التعاطف مع اللاجئين الى اكداس من السلاح والصواريخ ودموع التماسيح، وعلى عجل تشكلت جيوش واقيمت معسكرات تدريب، ثم جاءت الامم المتحدة بالمساعدات والاموال فتلقفتها حيتان الفساد والتهريب والنصب فضاع نصفها قبل ان تصل الى اللاجئين، وضاع النصف الثاني بين اجور لكبار الموظفين الدوليين وخدمات النقل(بالطائرات طبعا) والامن والحماية، ولم يصل منها الى الضحايا غير اسلاب الاوكسفام البالية و’تنكرات’ مياة الشرب القليلة والمتقطعة التي لا تسد رمق العطاشى ولا يتبقى منها شيئا لغسل الايدي، ولم تكن مصائر المساعدات الامريكية المليارية للاجئي دارفور(ولا مساعدات العشر الكبار) بافضل حال من مساعدات رجال الخوذ الزرقاء الدوليين، وبانتظار القضاء الامريكي، بعد ان تهدأ الاوضاع، للنظر في مخالفات ارتكبت من قبل وكلاء وسماسرة وانتهت الى ‘لطش’ تلك المساعدات، وانتقالها من خيام اللاجئين المنكوبين الى موائد القمار على السواحل الفرنسية الحرة. اما العرب الموسرون، فقد اعفوا انفسهم من مسؤولية الاحسان بذريعة ‘وجود اصابع صهيونية’ في الازمة، وهي العكازة التي علقوا عليها ذنوبهم جيلا عن جيل.
لا ننسى امرا في غاية الدلالة بان ‘القاعدة’ مرت من هنا ايضا، وحين تكون في دارفور ستطالع دعوات للموت من اجل الفوز بالجنة، ونداءات بقتل الكفار الذين نصفهم مسلمون تراهم في خيام على طول الحدود والنصف الآخر لا ترى لهم اثرا، وليس من دون مغزى ان يكفر ايمن الظواهري حكومة السودان بزعم انها تتجه الى حل قضية دارفور’على الطريقة الامريكية’ وضد ‘حقوق الامة’ وهو التعبير الصارخ عن مضمون المشروع الارهابي الدولي القائم على إدامة الصراعات الطائفية والعرقية، والذبح ‘على الطريقة الاسلامية’.

الى ذلك فان قضية الجنوب السوداني، لا تختلف كثيرا عن قضية الشعب الكردي في العراق، إلا في البعد الديني(اكثرية مسيحية) هناك، والبعد القومي (الامة الكردية) هنا، فيما مرت القضيتان في سلسلة معقدة متشابهة، الى حد كبير، في الصراع مع الحكومات المركزية، وسلسلة، اكثر تعقيدا، في التفاوض مع تلك الحكومات، إذ تلجأ حكومة المركز الى التفاوض وهي ضعيفة، وحين تستقوي تشن الحرب. ولا حاجة للاستطراد في عرض النتائج الكارثية للحملات العسكرية الحكومية المديدة لاخضاع ‘المناطق المتمردة’ في سقوط ملايين القتلى وتدمير فرص التنمية والبناء ووقوع البلدين في قبضة مجموعات انقلابية عسكرية، ودكتاتورية، وقبلية.

وطبقا لبرنارد لويس، مثلا، فان عدد ضحايا الحرب الأهلية في السودان بلغت خمسة أضعاف عدد قتلى الحروب العربية ـ الإسرائيلية مجتمعة، ولم يقتل الجيش العراقي طوال خمس وثلاثين سنة من حكم البعث الاخيرة اكثر من ستة اسرائيليين، فيما قتل في غضون اسابيع، وفي حملة واحدة من الحملات العسكرية المنهجية، مائة وثمانين الفا من الاكراد العراقيين، وسقط في حرب اخضاع الكرد ما يزيد على مائة الف من العسكريين، وفي هذا السياق كانت الحافظة الاعلامية والسياسية العربية مليئة باخبار ‘الاصابع الاسرائيلية’ التي تحرك جنوبيي السودان واكراد العراق، في محاولة لاضفاء الشرعية القومية والدينية على حرب الاستصال ضد شعوب تطالب بالمساواة والحرية وحقوق المواطنة، حتى ان كاتبا معروفا(فهمي هويدي) كتب غداة التوصل الى اتفاق السلام بين الخرطوم والجنوبيين السودانيين يقول: ‘ان إسرائيل كانت الحاضر الغائب في عملية توقيع آخر البروتوكولات بين حكومة الخرطوم وحركة تحرير السودان’.

وشاءت معاهد الدراسات الدولية التي عنيت بقضايا الاثنيات والاقليات القومية في العالم العربي، واغلب الدراسات الاكاديمية التي تصدت الى هذا الملف، ان تفرد حيزا كبيرا لمشكلتي جنوب السودان وكردستان العراق بوصفهما مثالا صارخا على انتهاك حقوق الامم الصغيرة من قبل الامم الكبيرة في العالم الثالث، وعلى خطيئة وشوفينية النظام السياسي العربي والنخب الفكرية والثقافية والسياسية العربية في التعامل مع حقوق شعب جنوب السودان والحقوق القومية للشعب الكردي في العراق، وقد اجمعت تلك الدراسات المرموقة على ان مواطني هذه الشعوب المقهورة هم في بلدهم مواطنون من الدرجة الثانية، ليس في التطبيقات السياسية والامنية فقط، بل وايضا في طائفة من القوانين والتشريعات المحلية، عدا عن الامعان في ترويج نعرات الكراهية والازدراء القومي ضد الشعوب والاقليات الاخرى في حصص التعليم الرسمي.

والمفارقة التاريحية تتمثل في ان قضيتي جنوب السودان وكردستان العراق، اخذتا الآن، وفي تاريخ متقارب، مسار الحل السلمية، في اتفاقات ودساتير وتشريعات تكرس الشراكة في الوطن الواحد، وتطوي نزعات وظنون الانفصال وتنهي حروب الاستئصال والقهر وتعترف للشعبين بحق تقرير المصير وبممارسة حقوق المواطنة الناجزة والمشاركة الدستورية في ادارة شؤون البلاد، ومن داخل هذه المفارقة تظهر امام هذا المسار السلمي للقضيتين تحديات متشابهة، هناك وهنا، وكانها من فلقة واحدة، من بينها تيار يحن الى جعجعة السلاح.. حنين الرذيلة الى كواليس المهربين، كما يقول همنغواي.

ــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

‘ اللي بيرقص ما بيغطي دقنو’.

مثل سوداني !