الرئيسية » مدن كوردية » جلولاء بين بريق الماضي وأمل المستقبل

جلولاء بين بريق الماضي وأمل المستقبل

شفق
تقع مدينة جلولاء في الطرف الجنوبي الغربي من قضاء خانقين وعلى مبعدة 53 كم من مركز هذا القضاء العريق، وهي تمتد وسط أرض كرميان الدافئة على شكل سجادة جذابة مفروشة بين مجموعة من التلال والروابي الجميلة التي تحاذيها شرقا ونهر سيروان (ديالى) البهي الآسر الذي يحيط بها غربا. الزيارة الاولى لهذه الربوع الخلابة والجذابة، قد ابهرتني روعة وجمال الطبيعة الخلابة والمنعشة (انا القادم من لفحة الصيف)وتصورت حينها باني في حلم جميل ولذيذ.
وجلولاء هذه بلدة حديثة العهد قياساً الى العديد غيرها من مدن وبلدات المنطقة مثل خانقين ومندلي وكفري والسعدية (قزلرباط) وبدرة وجصان وغيرها، ألا ان موقعها يتميز بأرثه التأريخي والحضاري العريق الذي تؤكده المصادر والمعلومات التأريخية المتيسرة وبعض الاطلال والشواهد القديمة المتبقية.
فتلك المعلومات والمصادر تفيد بأن قنطرة ساسانية مهمة كانت قائمة في هذا الموقع قبل ان تنهار وتزول معالمها بمرور الزمن، كما دارت في سوحه (سوح الموقع) معركة جلولاء الشهيرة عام (16هـ- 637م) بين الجيشين الأسلامي والساساني الفارسي في زمن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) والتي انتصر فيها الأول انتصاراً مبيناً، بعد فتحه المدائن، ففر على أثرها الملك يزدجرد مدحوراً من ساحة القتال …

وقد سمي وأشتهر الموقع بأسم الواقعة المذكورة التي قيل انها اكتسبت بدورها أسمها (جلولاء) من لفظة (جللت) التي وصفت بها اجواء المعركة وقساوة هزيمة الجيش الفارسي خلالها وعلى هذا النحو (وجللت الأرض بالدماء). كما كان الموقع المرحلة التالية بعد شهربان على طريق بغداد- خرسان الحيوي في العهد العباسي، وقد اطلق عليه المؤرخ ابن المستوفي اسم رباط جلولاء لأن ملك شاه السلجوقي شيد فيه رباطاً في القرن الخامس الهجري، اما العثمانيون الذين حكموا بلادنا طويلاً فقد دعوه باسم (قرغان) في اشارة الى السائل الزيتي الأسود (البترول) المتدفق من جوف الأرض هناك (كما قيل لي) وكان استخدام هذا الأسم (قرغان) شائعاً لدى الكثيرين من ابناء المنطقة الى عهد قريب، بل أن قلة منهم ما يزال يحلو لهم اطلاق هذه التسمية التركية على بلدتهم.
وهناك من يرى ايضاً ان الأسم اخذ وحرف من تسمية كولالة الكوردية (شقائق النعمان) التي كانت تطلق بحسب رأي هؤلاء على هذا الموقع، وذلك لكثرة انتشار مثل هذه الورود هناك اثناء فصل الربيع، وهو مجرد رأي ليس الا!
أما فيما يخص تأريخ نشوء بلدة جلولاء الحالية، فأنه يعود الى منتصف عقد العشرينيات من القرن الفائت، حيث ظهرت البلدة اساساً كمحطة رئيسة ومفرق للقطارات المارة على الخط الحديدي (المتري) الذي شرع الانكليز بمده من بغداد صوب كركوك، أواخر العقد الثاني من القرن المنصرم، وكان يتفرع من هذا الخط عند محطة ومفرق جلولاء، خط فرعي باتجاه مدينة خانقين.
وبهذا تحول المكان الحالي لجلولاء من موقع موحش منعزل تجوبه بعض القبائل الكوردية الرعوية الرحالة بين الحين والحين، الى مركز مدني وتجاري حيوي وموقع عسكري مهم شيد فيه الانكليز الى جانب ثكنتهم الحجرية وملحقاتها، الجسور والقناطر والطرقات والمباني الحديثة، وذلك تبعاً لمقتضيات مصالحهم ومخططاتهم الاستعمارية في المنطقة.
وظلت جلولاء تنمو وتزدهر سريعاً وتستقبل الى جانب الكورد العديد غيرهم من العرب والتركمان والمسيحيين والأرمن واليهود الذين أخذوا يتوافدون على البلدة من مختلف المناطق باحثين عن فرص العمل والاستقرار في تلك البلدة الفتية الواعدة التي كان يملؤها صفير وهدير القطارات ليل نهار وسط سهوب وبراري كرميان الشاسعة.
وفي عام 1958 تحولت جلولاء الى مركز ناحية مستحدثة ضمن قضاء خانقين فضمت مجموعة كبيرة من القرى والأرياف المزدهرة ضمن ناحية السعدية التي كانت جلولاء تتبعها ادارياً لحد ذلك التأريخ، هذا الى جانب عدد آخر من القرى والأرياف الواقعة غربي نهر سيروان والتي الحقت بجلولاء من الحدود الأدارية للواء كركوك. كما شهد العام المذكور واحداً من اسوأ الفيضانات التي تعرضت لها جلولاء وجوارها، هولاً ودماراً. على ان جلولاء قد تعرضت قبل الفيضان المذكور الى فيضانين مدمرين آخرين ايضاً خلال عامي 1935، 1954. وقد سبق الفيضان المذكور ثورة 14 تموز 1958 باشهر قليلة، تلك الثورة التي يرتبط معها ابناء جلولاء بذكرى خاصة متينة كون اللواء العشرين المعسكر في جلولاء آنذاك هو من تحمل الدور الأساس الأكبر في تنفيذ ذلك الحدث الكبير الذي غير وجه العراق الحديث، وقد قضت الأوامر العليا بأرسال اللواء المذكور الى الاردن لمتطلبات تعزيز دولة الاتحاد الهاشمي المعلنة (بين العراق والأردن) ودعم نظام كميل شمعون في لبنان وقت الحاجة، فأستغل الضباط الاحرار العراقيون موعد مرور وحدات اللواء الـ(20) بالعاصمة بغداد لينفذوا ثورتهم المرتقبة على النظام الملكي العراقي.
ففي صبيحة 14 تموز 1958 فوجىء ابناء جلولاء (حالهم حال العراقيين جميعاً) بنبأ الثورة الذي سمعوه من المذياع، وسرعان ما تبين لهم بان جحفل اللواء الذي ودعوه بالأمس آثار عجلاته العسكرية ما تزال شاخصة على الطريق الاسفلتي المار وسط بلدتهم باتجاه بغداد، قد ثار وأنقلب على نظام الحكم في بغداد، فيما كان آمر اللواء الزعيم احمد حقي ينتظر في الفلوجة انضمام تشكيلاته اليه تمهيداً لمواصلة سيرهم باتجاه الأردن!
ولم يمض وقت طويل على اندلاع ثورة تموز هذه حتى استقبلت جلولاء ذات ليلة، البارزاني مصطفى وبعض رفاقه المتوجهين بالقطار من بغداد الى كركوك ليواصلوا من هناك سفرهم الى أربيل ثم بارزان. فأحتشدت جماهير جلولاء عند محطة القطار لاستقبال وتحية ذلك القائد التأريخي الكبير اثناء توقفه القصير هناك، وذلك عقب سنوات طويلة قضاها في الغربة والمنفى بعيداً عن الشعب والوطن.
وشهدت جلولاء خلال السنوات اللاحقة مزيداً من الرخاء والازدهار بفضل انجاز مشروع سد وخزان دربنديخان الشهير (عام 1961) الذي أمكن من خلاله التحكم في مناسيب نهر سيروان وتنظيم عمليات الري ودرء مخاطر الفيضانات بالنسبة للمناطق الواقعة اسفل هذا المشروع كجلولاء وغيرها من مدن وقصبات منطقة كرميان ومحافظة ديالى التي يعد هذا النهر شريان الحياة أليها. يذكر ان جلولاء وجوارها شهدت خلال السنوات (1970- 1974) وفي ظل توقيع اتفاقية 11 آذار التاريخية فترة من اكثر عهود عمرها رخاء وبهاء حيث تحققت لابنائها الكورد الذين كانوا يشكلون غالبية سكانها، منجزات سياسية وثقافية وقومية كبرى، لكن المؤسف ان تلك المعطيات الايجابية لم تدم طويلاً اذ سرعان ما شهدت نهايتها بعد تنصل نظام البعث (عام 1974) من تنفيذ بنود الاتفاقية المذكورة فشهدت جلولاء منذ ذلك التأريخ حملة شرسة من التعريب والتهجير التي مورست بحق اهلها الاصلاء من الكورد والتركمان، فتمخضت عن ذلك وقائع مريرة على صعيد تغيير الواقع الأثني والديموغرافي الاصيل للبلدة. علماً أن عملية التعريب تلك بلغت ذروتها نهاية عقد التسعينيات وذلك عقب انجاز مشروع سد حمرين المجاور وغمر العديد من القرى والأرياف هناك بمياه السد المذكور. فأستغلته سلطات البعث لاستقدام المئات من العوائل العربية الى جلولاء والسعدية وخانقين واسكانهم هناك بعد تعويضهم وكما اصيبت جلولاء في ذات الوقت بخيبة مريرة اخرى تمثلت باهمال خطها الحديدي ومن ثم توقفه عن العمل نهائياً. وبتوقف حركة القطارات عن جلولاء، ففقدت هذه البلدة العزيزة ما تبقى لها من بريق وألق، ثم تردى وضعها سوءاً وقتامة في ظل الحرب العراقية- الأيرانية (1980- 1988) وسنوات الحصار الاقتصادي المقيت المفروض على البلد عقب حرب الخليج الثانية (عام 1991). ولعل اكثر ما كان يثير الشجن والأسى في جلولاء ابان تلك السنوات المريرة من عمرها هو منظر محطة قطارها المهجورة التي غاب عنها والى الأبد ضجيجها الصاخب المحبب!، وجاء عام 2003 لتسعد جلولاء اسوة بغيرها من مناطق كوردستان المحررة حديثاً، بعهد الحرية والامل عقب زوال كابوس البعث الجاثم فوق صدرها طويلاً فعاد أليها اغلب سكانها الكورد المرحلين بعد سنوات طويلة من الحنين والانتظار والمعاناة. وكان من المؤمل ان تشهد جلولاء في ظل العهد الجديد حملة نشطة من الاعمار وتوفير الخدمات الأساسية، بيد أنها ظلت وما تزال محرومة من ذلك الى حد بعيد، هذا ناهيك عن الاعمال الارهابية التي تطال هناك ارواح المواطنين الابرياء بين الحين والحين، ومع ذلك فأن جلولاء تنتظر بكل شوق وثقة وأمل لم شملها النهائي والقريب بكوردستان الأم وفق تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي وعند ذاك سيكون بميسور اهلنا الطيبين في جلولاء التمتع بكل ما يتمنون من خير ورفاه وسؤدد في ربوع بلدتهم الوديعة الحالمة على ضفاف نهر سيروان الخلاب.