الرئيسية » مقالات » الدولة – السلطة

الدولة – السلطة

لقد كتبت سابقا عن الإشكال العراقي الرئيسي وهو غياب مفهوم الدولة- الأمة في الواقع السياسي والفكري والاجتماعي مما يتطلب الإجابة على سؤال محوري يطرح نفسه بقوة عن ماهية الدولة التي تشكلت في العراق وعن طبيعة العوامل والمسببات الكابحة والمانعة لتشكل الدولة- الأمة.
قد نجد في توصيف الدولة والسلطة بعض الإجابة. وقد نجد في خاصيتين أساسيتين, هما الكلية والجزئية, معناهما. الدولة كلية بمعنى العمومية والسلطة جزئية بمعنى التبعيض والخصوصية. الدولة سياقات ‘‘ثابتة’’ فعندما نقول المال العام يتبادر إلى الذهن العمومية بمعنى ملكية الدولة له بوصفها تنوب عن عموم الموصوفين بوصف عراقي وعراقية – وهنا لست في صدد التمثيل الطبقي فهو شأن آخر- أما عندما نقول سلطة الحزب الفلاني أو الإتلاف العلاني فأننا نبعض التمثيل باعتباره يمثل شرائح معينة من الموصوف العام (الأمة) ويعبر عن مصالح هذه الشرائح.
لقد تشكلت الدولة العراقية منذ البداية بوصفها الدولة- السلطة وسمتها المميزة هي العصبوية سواء كانت إيديولوجية أو أثنية أو طائفية وقد تصل في مراحل انحطاطها أو تراجعها أو تأزمها إلى سلطة العشيرة أو العائلة أو الفرد المستبد, أو بخليط من هذه الأشياء ويسودها نزعات الانفراد والاحتكار والإقصاء وتغلب على أساليب عملها القسوة والتآمر والميكافيلية –بالمعنى المذموم للمصطلح- وبذلك تكون أقرب إلى الأساليب الفاشية, الصريحة أو المستترة, وتخضع إلى حجم التوترات والثورات السياسية والاجتماعية.
قد يقدم اعتراضا على هذه الأطروحة, حالة الليبرالية النسبية في بعض ادوار العهد الملكي, أو الديمقراطية السياسية الآن غير أن هذا أمر مضلل وقشروي, أفقي وليس عمودي, يتعلق بإعادة تشكيل الطبقات السائدة ويمثل آلية سلطوية بعيدة عن مصالح الجمهرة الواسعة من الشعب وهو ما تطرحه الوقائع بقوة في المرحلتين أنفتي الذكر وطبيعة قوى ما قبل المجتمع المدني.
في التاريخ, قد يكون نمط الإنتاج الأسيوي, فيه بعض الإجابات على ذلك وكذلك عن هشاشة وضبابية التشكيلات الاجتماعية- الاقتصادية مقابل السلطة وسطوتها, وفي الحاضر إشكاليات اقتصاد التخلف في ضل هيمنة المراكز الصناعية المتطورة, ودور كل ذلك في إنتاج المجتمعات الإيديولوجية (غير الواقعية) التي تنتج الدولة-السلطة وتعيد إنتاجها في تطور دائري.
لنأخذ مثالا: سلطة ما قبل 9نيسان2003 باعتباره نموذجا صارخا للدولة-السلطة بصفتها الاثنية الإيديولوجية في مجتمع متعدد الأعراق والطوائف ولجوئها بنيويا إلى الاستبداد المطلق لحل التناقض بين طبيعتها التبعيضية وادعاءاتها الشمولية وبالتالي احتواء الكل في الجزء وقد أثبت هذا الأمر فشله عندما أسقطت السلطة فسقطت بسقوطها الدولة برمتها.
ما بعد 9نيسان انتقلت السلطة إلى المحتل الأجنبي الذي انشأ في كنفه سلطة متعددة التبعيض على أساس الطائفة والعرق ملغية البعض الشمولي ذو السلطة المركزية المطلقة لصالح تعدد التبعيض مع إضعاف المركز مما أدى إلى تعدد المراكز السلطوية وما أنتجته من التناحر المستمر بين هذه المراكز والشلل الدائم في آليات العمل السياسي. وهذا يشير إلى استمرار السلطة-الدولة في إشكالاتها الحالية إن لم تنتج إشكاليات جديدة أشد خطورة.