الرئيسية » مقالات » الإشكال العراقي

الإشكال العراقي

لو تتبعنا الأحداث السياسية في العراق, وطبيعة العقل السياسي السائد في تعامله مع الأحداث, منذ نشوء الدولة في العراق, لوجدنا انه نمط من عقلية مجتمعات ما قبل الدولة التي ميزت وتميز فكر وممارسة الفعاليات السياسية المختلفة. ليس هذا من باب إطلاق الكلام على عواهنه, وليس من باب التعميم, وقد يحتاج هذا إلى بحوث ودراسات واسعة, ولكن ما أحالني إلى هذا القول إننا لم نشهد, لا في الفكر ولا في الممارسة, مشروع الدولة- الأمة, حتى في حالة الكمون, في المشاريع السياسية والنظرية وفي التطبيقات والممارسات العملية التي مضت أو في وقتنا الحالي, بل إن ما شهدناه هو الدولة-القبيلة. سواء كانت قبيلة الحزب أو الطائفة أو الزعيم وما إلى ذلك. استدل على هذا بعدم تحقق دولة مؤسسات حقيقية على ارض الواقع.
لست في موضع الإدانة أو الدفاع عن احد بقدر الإشارة إلى إن الشكل الأساسي الذي تتمحور حوله كافة الفعاليات والأنشطة السياسية للحوامل الاجتماعية لهذه الفعاليات هو الافتقار إلى الكلية في النظرة إلى كيفية تحقيق الدولة-الأمة والعجز الذاتي والموضوعي لإنتاجها كدولة مؤسسات تمثل الواقع الشامل لمصالح المجتمع.
ليس بالبداهة إن سقوط الدكتاتورية الشمولية (التوتاليتارية) يعني أننا انتقلنا إلى وضع أفضل نحو دولة المؤسسات. كما إن الدولة التعددية ليست بالضرورة هي الدولة الديمقراطية وان أخذت بعض الأشكال السياسية لها (الانتخابات والتعددية مثلا) كلا النموذجين قد تكون لهما فاعلية ما واختلافات في الشكل السياسي غير إنهما ينتميان في الجوهر إلى عقلية القبيلة السياسية وكلاهما ينتجان وهم الدولة-الأمة. دولة القبيلة الشمولية هي كتم فاشي لتباين المصالح في المجتمع الواحد وتوحيد بالقسر والإكراه يشيع وهما ظاهريا حول عمومية التمثيل. كما إن دولة القبائل‘‘الديمقراطية’’ تسمح بالتباين والمظهرية الديمقراطية ولكنها تحمل طابعا شموليا مجزئا وحالة توافقية حول اقتسام السلطة وهي بذلك تحمل وهم التمثيل للمصلحة الشاملة للأمة. وهنا نفتح قوسا في إن الدولة-الأمة هي الدولة التي تعترف بتباين المصالح لطبقاتها وشرائحها وبتنوع تعبيراتها الفكرية والسياسية كما تسمح لها بالتصارع ضمن المؤسسات العامة التمثيل من دون أن تكون أية جماعة بمفردها هي الدولة أي التمييز بين الحكومة والدولة وبذلك نغلق القوس.
ما يحدث أن الجماعات المتصارعة الآن تسعى إلى أن تكون كل منها الجماعة الدولة أو الدويلة وبذلك تتشارك الدولتان: الدكتاتورية الشمولية والقبائل الديمقراطية في جوهر واحد وهو إنهما لا تنتميان إلى مفهوم الدولة-الأمة.
الأمر الآخر إن السياسة يحكمها تناقض وتباين المصالح وصراع الإرادات المعبرة عن ذلك وتخضع إلى توازن القوى حيث لا تحكمها النوايا الطيبة ومقياس الحكم عليها هو حول ما تفعل لا ما تقول وما هي المصالح التي تتوخاها. وكل ما هو خارج عن هذا المنطق ليس سوى شعوذة سياسية وتلاعب بالألفاظ . ليس في السياسة شيء لوجه الله, ولم يأت السيد بوش بجيوشه وجحافله من اجل الحرية, بل إن هذا العصر هو العصر الأكثر ‘‘واقعية’’ في التعبير عن المصالح بعد تفرد الولايات المتحدة الأمريكية في العالم.
إما من جانبنا فالعراق يمر بحالة ضعف استراتيجي لأسباب معروفة ولا يميل توازن القوى إلى صالحه حاليا ويترافق هذا مع الثقل الواسع لأمريكا وتواجدها العسكري الكثيف والسياسي والاقتصادي والنفوذ والتدخل الإقليمي الشرس المؤثر. في منطق السياسة فأن الأمور الإستراتيجية التي يراد تمريرها في هذا الظرف وفي ظل انعدام التوازن وغياب مشروع الدولة-الأمة يحتم علينا أن لا نضيع في مناقشة متاهات التفاصيل على أهميتها بل علينا أن نناقش جوهرها بطرح السؤال الآتي: هل يمكن في ظل هكذا وضع عقد اتفاقيات إستراتيجية أو قوانين مفصلية مهمة وتكون لصالح العراق حاضرا ومستقبلا ؟