الرئيسية » مقالات » الثوابت الفكرية للاتحاد الاوربي …

الثوابت الفكرية للاتحاد الاوربي …

تعكس المواقف السياسية التي يتبنّاها الاتحاد الاوربي حيال القضايا الدولية جزءاً من الثوابت الفكرية والاخلاقية التي قام عليها الاتحاد قبل نصف قرن او ما يزيد بقليل ، هذا من الناحية النظرية وعندما يقارن المرء بين طبيعة تلك المواقف والحدث السياسي الذي يتجه نحوه فانهُ يصاب بالذهول والحيرة ، فالى الامس القريب مثلت النازية شراً مطلقاً لا يمكن غض النظر عن الذين يمتدحونها سواء من مواطني المانيا او حتى مواطني مختلف بلدان العالم بحجة ان ذلك يمثل عداءاً واضحاً للسامية واستهانة بجرائم الابادة التي تعرّض لها الشعب اليهودي ، لقد اعتبرت دول الاتحاد الاوربي ذلك ثابتاً فكرياً لا يمكن التهاون حيال زعزعة مفهومهِ او التلاعب بهِ ، والى حد بعيد يمثل هذا الثابت نتيجة منطقية واخلاقية حيال حقبة الحقت بالعالم الدمار والخراب الى ان تمّ دحرها على ايدي الجيش الاحمر السوفيتي الذي حرر الكثير من دول اوربا الشرقية من تلك الالة التي تمت صناعتها واخراجها للعالم من الولايات المتحدة التي قدّمت كل الوان الدعم له منذ انتخابهِ عام 1933 وحتى تخليها عنه والمشاركة في الانقضاض عليهِ ..

وقد شاهد معظمنا المحاكمات التي جرت للكثير من الكتّاب والمفكرين الذين حاولوا التشكيك في حجم ضحايا الهولوكوست او امتحدوا النازية حتى من خلال الاشارة ، لكن واقع اليوم يذهب باتجاه مختلف بعض الشئ لاسيما عندما تطالعنا محطات التلفزة بأخبار العالم القادمة من دول الاتحاد السوفيتي السابق وما يحدث في جمهورية استونيا هو الذي دفعني لتسليط الضوء على هذهِ الثوابت ومناقشة محتواها بصوت مسموع ، ففي استونيا يتم الاحتفال سنويا بالحقبة النازية واعتبرت الحكومات المتعاقبة التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي دخول الجيش الاحمر الى اراضيها احتلالاً بينما اعتبرت المقاتلين الذين ساعدوا الجيش النازي في محاربة الاتحاد السوفيتي مناضلين في سبيل حرية واستقلال استونيا !!!

ولا بدّ من التذكير ان بعض حكومات الاتحاد الاوربي ومعها الولايات المتحدة وبريطانيا ترسل سنوياً وفوداً ومنظمات تشارك استونيا هذا الاحتفال ، بلا ادنى شك ان المشاركين في هذا الاحتفال يغضّون النظر عن الجوانب الاخلاقية والانسانية في الموضوع لانهم يعلمون تماماً كما قال احد المشاركين يوجهون اهانة واحتقار لضحايا النازية حتى من الذين دفعوا حياتهم ثمناً في تلك البلدان المشاركة ، وفوق ذلك يمثل اهانةً لمئات الالاف من الجنود السوفيت الذين تطوًعوا لتحرير ذلك البلد من الشر المطلق ..سؤال ربما يخطر ببال كل متتبع لاحداث من هذا النوع ، كيف يمكن اعتبار ممتدحي النازية في اوربا الغربية معادين للسامية بينما يعتبرون في اوربا الشرقية مناضلين من اجل الحرية ؟؟؟

لماذا لا تذهب تلك الصحافة التي تشن هجومها فور سماع اسم النازية من قريب او من بعيد الى تلك البقعة من العالم وتغطّي لنا احتفاليات من هذا النوع لا سيما بعض الصحف في فرنسا والمانيا ؟ اين يمكن وضع تلك الثوابت في هذهِ الحالة التي لا يشكّ احد في ان هناك اطراف دولية مؤثرة تقف خلف حكومات من هذا النوع ؟ وكذلك خلف سكوت تلك الصحف واهمالها لهذهِ الحالة ؟ وهل يمكن لدول الاتحاد ان تستخدم تلك الثوابت في بقعة وتغضّ النظر عنها في اخرى ؟ ثم كيف يثق المرء بسياسات دول الاتحاد بعد ان تجعل من ثوابتها عرضة للمساومة وفق المصالح المادية وحتى الجغرافية؟

هذا الثابت اليوم اصبح من الماضي ولا يشك احدا من متابعي تطورات الحالة السياسية في المانيا بأن ذلك لم يعد يتلائم مع طبيعة الوضع الدولي الجديد وبدأ هذا التيار يلقى دعما حتى من منظمات امريكية للصعود بدلاً من اليسار الذي اخذ يكسب ثقة الشارع الالماني من خلال تجانس طروحاتهِ مع حقيقة الوضع في هذه الدولة ..

ومثلما ادخلت حربي العراق وافغانستان ثوابت كثيرة للاتحاد الاوربي موضع التشكيك تُدخل اليوم الحرب في اوسيتيا الجنوبية القيم الاخلاقية له في موقف حرج ، ففي الوقت الذي يتجمع فيه مئات الالاف من شباب العالم في بكين للمنافسة في الالعاب الاولمبية التي اضحت تمثل مهرجاناً للسلام والمحبة توجهت مدافع ساكاشفيلي للانقضاض على ما يقارب 1400 مدني اعزل في تلك الجمهورية التي تخلت عن متابعة الاولمبياد هذهِ المرة للهرب من حرب الابادة العرقية والقومية التي يشنّها صدام آسيا الوسطى الذي يلقى الدعم الكامل من اوربا والولايات المتحدة وحتى من اسرائيل التي ارسلت الف خبير عسكري لجورجيا وسلّحتها بالكثير من اسلحة الحرب الالكترونية والاستطلاعية وتقوم بتدريب عناصر الجيش الجورجي على خطط الاجتياح وتصفية الانفصاليين كما اسمتهم !!

لم يطلق احداً في الغرب تسمية مجرم حرب ومجرم ضد الانسانية على جلاد جورجيا لخوفهم من العقاب الامريكي ، جريمة ارتكبها شارون في صبرا وشاتيلا ادت الى موت ما يقارب السبعمائة فلسطيني دفعت الكثيرين هنا في اوربا الى اطلاف وصف مجرم حرب عليه ، اما ساكاشفيلي فانه يدافع عن مصالح الولايات المتحدة والناتو والقتلى لا يمثلون شيئاً في القاموس الاوربي طالما انهم لا يرغبون بالمشروع الاطلسي في بلادهم !!

ومن عش العصفور في بكين الشيوعية الى مدافع ساكاشفيلي وتأييد الغرب له يستطيع المرء استنباط ايَّ عالمٍ ذلك الذي يمكن ان تنعم فيهِ البشرية بخير ، عالم يرى في استقلال كوسوفو حرية لانها تخضع لدولة شعبها يفهم جيدا طبيعة النظام في اوربا والولايات المتحدة ولا يرى في تطلعات اوسيتيا الجنوبية للاستقلال حرية لانها تخضع لنظام يرغب في ان يكون ذليلا وخاضعا للمشروع الامريكي !!

ربما يساهم هذا الفعل من رئيس جورجيا في تعميق نظرة الكراهية للولايات المتحدة التي تسير تماماً نحو افول نجمها كلما مضى لها يوماً في العراق وافغانستان وتتلقى المزيد من الهزائم في جوانب عديدة من واقعها الدولي ، وربما ايضا يجعل سياسة الاتحاد الاوربي والناتو تدخل في مأزق حقيقي من خلال تأييدها لمجرم حرب اوقع ما يزيد الالف ضحية في ساعات معدودة من بدء الالعاب من عش العصفور …

وهنا يسقط احد اهم الثوابت الفكرية تحت اقدام المصالح ولعبة تغيير تاريخ العالم من خلال اعتبار هذهِ النماذج قادة احرار بينما الذين يعارضون مشاريع الولايات المتحدة والناتو ارهابييّن من الطراز الاول ، هذا الطراز من القادة يمارسون اعمالهم من منطلقات مذلة ووضيعة رافعين شعار اليد التي لا تستطيع كسرها قبّلها !!! فسياسة من هذا النوع مورست من قبل على يد اذلاء اخرين كضياء الحق وجعفر النميري وشاه ايران ونتائجها كانت واضحة حتى للذين لا يلموا بالسياسة فلماذا يذهب البعض الى اعتبار الولايات المتحدة الاله على الارض ويسجدوا لها ؟؟!!

ورغم ان العديد من بلدان الاتحاد ترغب في الابتعاد عن التبعية للسياسة الامريكية الا انهم يستندوا في ذلك الى تبرير اقبح بكثير من التبعية ، فهؤلاء يرغبوا ان يمارسوا نفس الدور الامريكي على اعتبار ان لاوربا تاريخ لا يمكن موازاته او مقارنته بتاريخ الولايات المتحدة ، وهذا نموذج آخر من النماذج التي تسير تحت شعار ان لاوربا ثوابت فكرية واخلاقية ينبغي المحافظة عليها …

لا يمكن للعالم ان يسير وفق نظرة دولة واحدة او حتى مجموعة من الدول تمتلك الة عسكرية جبارة تهدد هنا وهناك ، لذلك فان واقعاً دولياً جديداً قائماً على التوازن غدا مهما ً للغاية قد يبدأ بمحاكمة جلاد جورجيا الذي اصبح لا يفرّق بين ابناء شعبهِ في بطشه طالما ان الالة العسكرية الامريكية والاوربية تقف خلفهُ في المجزرة التي تجري في شهر من المفترض ان يكون شهر سلام للعالم اثناء ابتدا منافسات الالعاب الاولمبية …

نحاول كثيراً وفي بعض الاحيان نتمنى ان يصدق مسؤول اوربي واحد وكذلك امريكي في دفاعهِ عن حقوق الانسان لكن وقتاً طويلا لا يمضي حتى ونراهم يستقبلوا حكاماً دكتاتوريون ويصافحوهم ويستقبلوا رؤساء حكومات خانوا اوطانهم من اجل المصالح الامريكية وكراسي حكمهم تمتلئ سجونهم بالصحافيين الاحرار وحاملي لواء الحرية في بلدانهم ! الذين يعيشون على الاراضي الامريكية والاوربية ينبغي شملهم بتعريف المصطلح اما البشر خارج هذه المساحة الجغرافية فان الحالة لا تنطبق عليهم !!! لم يعد من السهل على احد تصديقهم لان التلاعب بالالفاظ غدا عنصراً مهماً وحاسماً في تمويع الحقائق واخفائها وحتى تحويرها بما يتلائم ومصالحهم ، ربما لا يرى البعض في ذلك عيباً على اعتبار انهم يعملوا من اجل مصلحة بلدانهم لكن القيمة الحقيقية التي تدفع الانسان لبناء حضارة سليمة ينبغي ان تنطلق من أسس انسانية عادلة لا وجود لصراع المصالح فيها والا لا يمكن اعتبارها حضارة طالما انها تفتقد للاخلاق وتغضّ النظر عن مجرمي الحرب والقتلة …

وكذلك عملية قلب الحقائق الجارية على ارض الواقع هي التي تجعل من الصعب على شعوب الاتحاد الاوربي فهم الكثير من المسببات للازمات الدولية التي تلعب السياسة الامريكية دوراً كبيراً في احداثها واشعالها ، كما انها ستلعب دوراً محورياً في تغيير طبيعة الثوابت التي يقوم عليها الاتحاد بين البلدان الاوربية ، لايريد العالم من الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي سوى مواقف مبدأئية قائمة على النظرة المتوازنة للأحداث وليست النظرة الانتقائية القائمة على اعتبار ميلوسوفيتش وكاراديتش مجرمي حرب بينما تغض النظر عن حملات الابادة العرقية التي تحدث في الكثير من بلدان العالم وآخرها في جورجيا !!

ان طبيعة السياسة المتبعة هنا وبهذا الشكل تدفع المرء الى فقدان ثقته بمصداقية تلك الثوابت التي تنطلق من افواه صانعي السياسة في الغرب طالما انها قائمة على اساس انتقائي يصب في مصلحة توجهاتها التي تكون في الاغلب معادية لشعوب العالم ، ولو قدّر لشعوب اوربا النظر الى الحياة في الصين من زاوية مختلفة عن تلك التي ترّوج لها صحافتهم المأجورة على الاغلب للسياسة الامريكية لتمكنوا من احداث تواناً مهماً في طبيعة تلك الثوابت وتأثيرها على ارض الواقع ….