الرئيسية » مقالات » سرير الملكة

سرير الملكة

عشرون عاما ونيف كانت تكفي كي يصبح صديق طفولته جزءا مهما من حياته الهادئة التي لم يعكر لها صفو سوى بعض المشاكل التي لاتكاد تترك احدا بحاله.
كان لطيف في الخامسة من عمره حين تعرف الى امين، ولاتكاد تغرب شمس دون ان يراه.. حتى بعد زواجه من اول امرأة تعرف اليها.. لم يكن تعارفا بالمعنى التقليدي اذ كانت شقيقته هي التي اختارت رغد لتصبح زوجة للطيف، لأنها اعز صديقاتها.. اما هو فقد كان واثقا باختيارها لأنها شقيقته.. كثقته بامين صديق طفولته حيث كان يجلبه الى بيته الصغير بعد استقلاله بزوجته ليبني عائلة كان يحلم ان تكون نموذجية.. حتى ان جيرانه ظنوا ان امينا هذا احد اقربائه وربما اخ له..
زياراته المتكررة كانت مبعث انزعاج لرغد تطورت الى غيرة لم تكن تستطيع امامها سوى احتضان وسادتها حين يكون ضيف المساء.. اما لطيف فلم يكن بغافل عن انزعاج زوجته في بداية زواجه.. الا انه اهمل هذا الموضوع حتى ظن انها تعودت على وجوده اذ لمس منها تقبلا لصداقته الفريدة.. فلم تكن تبد امتعاضا من زياراته المتكررة ومبيته المستمر في بيتهم الصغير.. بل كانت تستقبله بكل انشراح حتى في غياب زوجها.. لانه كان قد نبه عليها حسن ضيافته حتى لو كان غير موجود بل يجب ان تطلب منه الانتظار.. لانه صديق طفولته.
لم تكن الا لحظة شيطانية التى دفعت برغد الى احضان امين لتجد ان تلك اللحظة تحولت الى قارب صغير يبحر بهما في اعماق مياه آسنة.. شعرت رغد ان الاثنين من ممتلكاتها، لتؤسس مملكتها الخاصة على انقاض حياة هادئة.. فالهدوء كان يشعرها بالملل حتى وجدت من يؤجج نيران ثورة بداخلها لتنقلب على مليكها وتعزله خلف حماقة سذاجته.. فهي الملكة التي تأخذ ماتريد.. وتجلب الى سريرها من تريد.. تقرب.. وتبعد من تشاء.. لانها الملكة..
الاول كانت تستظل به من ألسنة لاديدن لها الا الرقص على اكفان الموتى.. تحيك القصص حول اجساد ميتة لتصبح اكفانا لها.. الا ان وجود الملك يخرس الرعية.. اما الثاني فكان الخادم المطيع الذي وجد في رغبات سيدته منفذا لرغباته.. وعلى الاثنين التنفيذ وبحزم على سرير الملكة.. لأن الخروج عن طاعتها يهدم اركان العائلة لدى الاول.. ويكبت رغبات جامحة لدى الآخر.
لم يكن لطيف ابلها بالفطرة.. الا ان طيبة قلبه في عالم أخرق تلبسه تاج السذاجة التي اوصلته الى ان يسمي اول مولود يولد على سرير الملكة على اسم صديقه امين..
مهما فعلت الملكة فلابد للخادم ان يخرج عن طوعها حالما يشعر ان رغباته تدفعه لتذوق تفاحة خاصة به.. لكنه لن يصبح مثل لطيف فعليه الاختيار بدقة طالما اكتسب خبرة من تجربة صاحبه.. الا انه في الوقت ذاته لايريد ان يهجر رغد لأنها عالم آخر ونشوة اخرى وسرير آخر لايستطيع الاستغناء عن عواصفه التي بعثرت جسده في احضان الملكة..
كان لابد له من امرأة على شاكلة لطيف.. ساذجة.. بسيطة.. لاتعرف شيئا خارج حدود منزلها.. فكانت شادية تلك الفتاة القادمة من الريف ضالته.. رغم انها لم تكن تفوق رغد جمالا الا ان جميع الاوصاف التي يطلبها تنطبق عليها فقرر ان تكون شريكة عمره..
لم يكن من السهل اقناع رغد بزواجه اذ انتفضت وثارت وغضبت ولكن لاجدوى من الانفعال ولافائدة من التوتر والامتعاض.. فالقرار قد صدر بتمرد الخادم.. فلم يكن منها الا الرضوخ لرغباته طالما وعدها بعدم التخلي عنها..
استسلام رغد للواقع لم يأت بيسر اذ ظهرت ملامحه عبر اهمالها لزوجها بل وحتى طفلها الرضيع وخصوصا ان امين لم يزرهم منذ زواجه ليختم الشهر الاول مع زوجته حتى يفاجأهم بزيارته الاولى.. فلم تستطع رغد اخفاء شوقها له رغم وجود زوجها الذي لم يشك بتاتا انه كان اكثر اشتياقا له من زوجته..
الا ان شكه المبيت بنية حسنة تحول الى ناحية اخرى حين اخبره احد جيرانه ان امينا كان في داره منذ ساعات ليدخل البيت ويفاجأ بعدم وجوده وحين سؤاله لزوجته اخبرته انه لم يزرهم احد.. عاد للتأكد من جاره الذي اكد له انه يعرفه فهذه ليست المرة الاولى التي يراه فيها بل انها عشرات المرات..
كأنه دبوس صغير يوخزه في صدره تحول الى خنجر سام حين اتصل بامين والذي زاد الطين بلة اذ كان يفترض ان صديقه سيخبره بزيارته لبيته بغيابه الا ان الاخير اخبره بأنه مشغول بعائلته ولم يستطع زيارته.. فكان جلّ مايؤرقه سبب انكار الاثنين لهذه الزيارة فالامر كان سيصبح طبيعيا لو انهما اخبراه بانه قد انتظر مجيئه ومن ثم غادر.. اذ لم تكن المرة الاولى التي يجد امينا ينتظره في داره..
لم يجد جوابا شافيا في بحثه عن مهرب لتساؤلاته اذ لم تكن عشرون يوما.. انها عشرون عاما تدفعه للتأكد عشرين مرة قبل ان يصدر حكمه..
لكن العين تقطع الشك باليقين.. انها هي بين احضان عشرين عاما من العشرة.. متجردين من كل شيء.. وعلى سريره..
سقط عرش الملكة.. فهاهو المليك ينهض من موته.. لكنه حائر فيما سيفعل.. لم يقترب منهما فقد اكتفى بالتهديد والوعيد وهما يحاولان ارتداء ماتجردا منه متوسلين.. خاضعين.. لكنه صفق الباب بقوة وهو يهرب خارجا..
الدقائق تكاد تقتلهما وهما يجهلان ماسيفعله في انتظار مقيت قطعه رنين الهاتف لتهرول رغد نحوه ومن ثم تعود شاحبة الوجه لتخبر رفيقها ان لطيفا عند زوجته لينتفض معلنا غضبه ومهددا بلعنته وهو يخرج مسرعا، فلم تستطع رغد صبرا لتخرج في اثره محاولة اللحاق به..
كان ارتباك رغد على الهاتف وعدم ردها للشتائم الموجهة لها مصدر يقين لشادية فيما اخبرها به لطيف الذي حضر اليها منهارا.. اذ لم تكن القروية الساذجة التي تجهل سبب غياب زوجها المتواصل عنها.. وخصوصا انهما في الاشهر الاولى من زواجهما.. وفي لحظات الانتقام العمياء قررا الانتقام.. لكن لحظات الشيطان تتداخل مع لحظات الاخذ بالثأر، فظنا ان السرير قد يعيد لهما كرامتهما المجروحة.. فتوجها له.. ليسلم كل نفسه للآخر.. فكان يتمنى ان تكون رغد على حافة السرير ترى انتقامه.. كما كانت تتمنى ان ترى امين في طرف من السرير.. لكن لم يتوقعا ان يحضر الاثنان في طرفي السرير معا وحولهما عدد من رجال الشرطة وهم يوجهون لهما جريمة الخيانة.
اقتيد الاثنان الى غياهب السجون واقتاد امين رغد الى غياهب المياه الآسنة التي لاقرار لها.. لم يغمض له جفن حتى الصباح وهويتمدد على سرير الملكة التي كانت قد استسلمت لنوم عميق وما ان بدأ النوم يداعب اجفانه حتى بدأ الطفل الرضيع يصرخ وكأنه يذكره بعشرين عاما من الذكريات التي لم تكن لتفارق خياله المرهق..
نهض بعصبية محاولا اسكات الرضيع الذي كان صراخه يرتفع فحاول ايقاظ رغد لكنها كانت غائبة عن الوعي وكأنها لم تنم لاسابيع عديدة مما دفعه لرفع الوسادة ووضعها على وجه الرضيع لاسكاته.. خف صراخ الصغير حتى انقطع فجأة.. ليرمي امين نفسه على السرير ويسلم نفسه لنوم عميق… لم يفق الا على صرخات رغد التي فوجئت بالوسادة على وجه رضيعها حين اطلق النوم سراح اجفانها لترفع الوسادة عن وجه مزرق قطعت عنه الانفاس.. صرخت.. ولولت.. حاول احتضان ثورتها وهو يقترب منها لكنها هربت من بين يديه وهي تصرخ بوجهه بانهيار: لماذا قتلت الطفل.. انه ابنك ايها اللعين..