الرئيسية » مقالات » هذا المقال يسيء لمشاعركم.. فلا تتعبوا أنفسكم به 3/3

هذا المقال يسيء لمشاعركم.. فلا تتعبوا أنفسكم به 3/3

مع كل إخفاق في برامج الحركات العلمانية كانت الحركات، التي لا تقبل الحياة سوى بمنطق الحرام و الحلال تتقدم، وتستعيد مواقعها وأهمها الموقع الاجتماعي، والثقافي التي خسرتهما أثناء مرحلة التحرر الوطني، وسُدّ الفراغ – الاقتصادي السياسي الثقافي- بنسق فكري قديم جديد: يا لعدالة السماء.. يا لعدالة السماء!! أو: ظهر الحق وزهق الباطل، فإذا كان من الطرافة والاستهجان حتى في أوساط الحركات الدينية الآن اتهام شخص ديمقراطي بالكفر، مع ذلك -وقبل أن تصبح هذه الكلمة شعار الجميع- فقد استخدمت هذه التهمة في مرحلة ليست ببعيدة لإلصاق صفات الزندقة والفسق بالديمقراطي، اعتماداً على جهل العوام.

لقد صور هذا الخطاب المتشدد الأمر وكأن الله يعاقب حاملوا التصورات العلمانية على تجرؤهم بدفع عجلة المجتمعات القبلية والإقطاعية إلى نظام اقتصادي سياسي جديد كافر، وقد أجادوا أصحاب هذه الشعارات اللعبة ونجحوا بها.

وكان خطاب هذه الحركات قد بلغ الذروة حين تجلى التشدد واقعاً ملموساً يطال كل من يحاول توفير مساحة واسعة من الخيارات الإنسانية، فاستبيحت الأرواح والأموال لتسقط العصمة عن الجميع حتى عن المعتدلين داخل أوساط تلك الحركات، ووفر المنطق الديني المتشدد أرضية خصبة للمنافقين والنصابين باتخاذ مساحة واسعة من الدين للارتزاق.

وإذا تم الاتفاق بين نظرة التقليديين والحداثويين، بأن يطأ الشريكان العاطفيان بعضهما عن رغبة وقبول يجعل من ممارسة الحب سبباً أساسياً في توازن الكيان البشري فقد أوجد النسق الفكري التقليدي -بسبب تجذّره في بيئاتنا العربية- حلولاً لمشكلة الجنس متوافقة مع الواقع الجديد المنكفئ: مثل زواج المسيار، والمتعة و… وبذلك استطاعت التقليدية تدوير الأزمة الجنسية، وتحُجيمها وفق الطرق التي تلائم تركيبة الإنسان في بلداننا، لكن الأمر تعدى ذلك إلى إدارة في الأمزجة والتدخل في التفاصيل الصغيرة والكبيرة لأخص خصوصيات الإنسان بالحياة الجنسية، والتي يجب لهذه التفاصيل أن تتصف بالتفرد والتميز لتجربة أي شخص كان عن الآخرين أثناء بحثه عن السعادة، وساعد في ذلك التحنط العقلي في البلدان العربية، وأعتقد أن جواباً مثل الذي نطق به شيخ ذكي ومتبصر استقبله زافين في إحدى حلقاته على سؤال رجل سعودي: هل يمكنه استخدام اللسان في إمتاع زوجته وهو الذي ينطق بأسماء الله الحسنى؟

– استخدما ما تشاءان طالما أن المتعة تتحقق لكليكما، لو أن جواباً مثل هذا خرج على لسان علماني وعالم نفس لأفتي عليه بالزندقة.

إلى هذه الدرجة يصل التحنط في التفكير، الذي يمنع الإنسان من التمتع بالسعادة ويحتاج إلى إرشاد لا يقبله إلا من رجل دين كي يرتاح، ويمارسه!!

وجد المثقفين أنفسهم بين ناري: التقليدية التي عادت بقوة تحيي معها مفهومها عن الحب والجنس وبين التجربة المنفتحة التي مرت بها الشعوب العربية، التي فتحت عيونهم على أشكال أكثر تطوراً وانفتاحاً في الحب والجنس.

ولم يستطع مجدداً أن يقبل الحلول الجنسية، التي تفتقت عنها القريحة التقليدية لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى ولأسباب فكرية/نفسية تدعوه للنظر إلى العملية الجنسية في إطار يوفر حرية شخصية بحيث أن هذه الحرية تحقق: الدوافع الجنسية مترافقة وانفعالات الحنان والقوة،والانفتاح الجسدي، والتكافؤ الفكري النفسي مع الشريك، وبمعنى معين: حبيباً/ة. حب وجنس. لأن هذا المستوى من العلاقة يوافق طبيعته المفكرة. المثالية والرومانسية.

إن كل من تحرر قليلاً من سطوة التفكير الجامد يدرك بأن الحب الجنسي وفق مفهوم رايك والذي تطابق مع مفهوم ما ركس وأنجلز لا يمكن تحقيقه الآن ولا بعد سنوات طويلة في العالم العربي بسبب الإخفاق المتواصل في دفع عجلة الاقتصاد نحو الأمام وتلال المشاكل المتعلقة بها من التعليم حتى لقمة العيش، ولأن ليس هناك وصفات كالوصفات الطبية في هذا الشأن، ولأن المثقف قام بعملية قطع مع التقليدية وصلت أحياناً إلى التطرف مما سحب الثقة عن أي تفاعل وحوار.

النتيجة من كل ذلك أن إذا كان لا يمكننا أن نعيش ونحن ندعي أن ليس للحب والجنس أهمية كبيرة في حياتنا، فإن النظر فيها مضطرباً ما بقي الاستغلال قائماً وما بقي الإنسان مسحوقا.

– على المثقف أن يحسم الصراع داخله من مسألة الحب والجنس ويتخذ موقفاً يلائم طبيعته ونشأته البيئية، فإذا جاء خياره وفق النظرة التقليدية فليكن، وإن طبق نظرته في الحب الحر فيا مرحبا، طالما أنه قادر على الدفاع عن خياراته.

– ليجعل الأمر برمته شأناً شخصيا، يحصل من خلاله على بعض توازن في ظروف مخلة بكل توازن، فهذا يريح تكوينه الإنساني من جهة، و كيانه الإنساني المثقف المعقد من جهة أخرى.

ولكن ما أهمية الأمر، ففي داخلنا نحن المثقفين نشب الصراع وفيه ينبغي أن ننهيه.

انتهى.
تنويه لا بد منه: كانت المقالات الثلاث تحت عنوان: الحب والجنس. الجنس.

وكانت المقدمة تبدأ: ما أهمية الأمر، ففي داخلنا نحن المثقفين نشب الصراع وفيه ينبغي أن ننهيه، ولأسباب معينة غيّرت العنوان والمقدمة.