الرئيسية » مقالات » مبدعون من بلادي… سلام عليك (علي الوردي) – عيون على تاريخ بلاد الرافدين

مبدعون من بلادي… سلام عليك (علي الوردي) – عيون على تاريخ بلاد الرافدين

لا يمكن لنا ونحن نعيش الذكرى الثالثة عشر لرحيل الدكتور الكبير علي الوردي الا نقف معه وقفه نستذكر فيها جانب وجزء قليل مما قدمه من عطاء في علم الاجتماع سيبقى وعلى مر الاجيال موروث يتداوله ابناء هذا البلد بكل فخر وأعتزاز… فسلام عليك علي الوردي ولتكن كلماتنا هذه جزء من الوفاء لك.. في بلد ضاع فيه حق الوفاء لمن هم مثلك… حتى أنك لم تحظى بالتمجيد كما هو عهدنا في عظمائنا نجهلهم أحياء ونفاخر بهم أموات… الا أنت فأنك لم تنل لا ذاك ولا هذا.. لذلك سنعطيك بعض حقك الذي حرمته وانت في الاحياء والاموات…


علي الوردي في سطور…

أن للكلام عن علي الوردي مجالات كثيرة … فالرجل ليس شاعراً ولا فناناًو لا قائداً سياسياً..ولكنه ملأ الدنيا وشغل الناس بأوسع مما فعله اي شاعر او فنان او ذو فكر سياسي وصارت كتاباته مراجع في المجتمع العراقي بالدرجة الاولى .. فالعربي بالدرجة الثانية وتعدت شهرته بلده حتى دعي الى القاء المحاضرات والمناقشات العلمية والجامعية في اوربا وشمال افريقيا..
ولد في بغداد في منطقة الكاظمية سنة 1913.. وفي بواكير حياته أصيب بمرض في أحد عينيه بداء (الهيرابلكس) ولم يكن له علاج يومئذ.. فكان يؤدي الى نشوء طبقة بيضاء ناتئه على حدقة العين تمنع الرؤية .. وعندما اصيبت عينه منعه ابوه من الدراسة.. فأشتغل بائعاً عند عطار وكان عندئذ في السنة الرابعة الابتدائية…وجاء بعدها من يعلمه بوجود مدرسة مسائية فانتسب أليها… والتقى بدراسته الابتدائية المدرس مصطفى جواد الذي رأى أسمه (علي حسين الورد) فساله ماهذا اللقب فقال لقب الاسرة .. فقال الاستاذ : النسب الى الورد الوردي…وهكذا كان علي الوردي أول من وضع ياء النسب في لقب الاسرة فتابعه في ذلك بعض .. وأمتنع عن ذلك البعض..
وحقيقة اللقب هو (آل أبي الورد) ثم أختصر فصار (آل الورد) ثم أختصر فصار (الورد)..
أذن فهو (علي بن حسين بن محسن بن هاشم بن جواد) عائلة عراقية علويةمتمسكة بعراقيتها وانتسابها الى بلدها.. ففي اواخر العهد العثماني صارت الاسر العريقة تنقذ ابناءها من الخدمة العسكرية في الجيش العثماني بأن تمضي الى السفارة الفارسية فتمنحها الجنسية الفارسية وبذلك لا يجند ابناءها.. وأقترح السيد محمد الشديدي على السيد محسن الصائغ جد علي الوردي وكبير أسرة آل الورد أن يسرع لتحصيل الجنسية الفارسية من السفارة والتخلص من التجنيد العثماني .. رفض السيد محسن واجابه (نحن ابناء هذا البلد ويجري علينا ما يجري على ابنائه من خير وشر) وكانت النتيجة ان التجنيد شمل ولد السيد محسن وهما السيد هاشم عم علي الوردي.. والسيد حسين والده..


علي الوردي طالباً
نعود بالحديث الى علي الوردي… فبعد اكمال دراسته الاعدادية توجه الى بيروت وعاد منها بعد ذلك يحمل درجة الاكتفاء (البكالوريوس) في الاقتصاد السياسي.. فعين مدرسا في كلية الملكة عالية المخصصة للطالبات .. وبعدها توجه الى امريكا في بعثة لنيل درجة الدكتوراه .. وكانت سفرته هذه معاكسة لرغبة والده لان ذلك سيحمله حياة الاسرة ويتكفل مسؤوليتها التي ستعتمد على محل صياغته الشحيح بمورده..
واكمل دراسته في جامعة تكساس الامريكية ومن ابرز الاحداث التي مرت على الوردي هناك في امريكا هو نيابته لاستاذه في القاء محاضرة في نيويورك.. حيث كانت بلدية نيويورك قد وجهت دعوة للاستاذ الذي كان مشرفاً على الوردي لألقاء محاضرة فتعذر على الاستاذ الحضور وارسل لمدير بلدية نيويورك يخبره بأنه سيرسل احد طلبته ينوب عنه في القاء المحاضرة فكان الوردي… الذي حصل بعدها على مفتاح نيويورك كهدية مقدمة له لاجادته في طرح المحاضرة…


الوردي وثوراته..
وانتهت المرحلة الدراسية للوردي لتبدأ مرحلة جديدة من حياته عاد فيها ونفسه متخمة بالمعضلات التي يريد مواجهتها والثورة عليها…
أن من يقرأ لعلي الوردي يرى في كتبه همزاً ولمزاً وطعناً شديداً ولكن لمن….؟؟؟؟؟ لم يشأ الوردي ان يوجه كلامه لفئه بعينها ولكنه وجه كلامه لكل الناس.
وأول ثوراته بدأت في كتابة ( شخصية الفرد العراقي) وسبب له الكتاب هجمه من النقاد اتهمته بالعمالة الامريكية لانه اتهم الفرد العراقي فيه بالازدواجية…وبدأت كتبه بل ثوراته تتولى واحدة بعد الاخرى.. وكان كلما صدر له كتاب واتسع كلام الناس فيه يتجول هو وصديقه علي اللقماني في شوارع الكاظمية ليسمع التعليقات الصادرة من الناس…
وفي كتبه تتضح ثلاث خطوط ذهنية .. استطاع هو ان يجعلها مزيجاً متجانساً هي..( ازدواج الشخصية..والصراع بين البداوة والحضارة.. والتناشز الاجتماعي)
وبلغت الهجمات على الوردي من كل صوب نتيجه لما انتقد فيه المجتمع العراقي بخطوط عريضة تجاوز فيها كل الخطوط الحمراء المحذورة ووصل الامر الى ان هاجهمه خطباء الجمعة في خطبهم بعد ان صدر كتابه (وعاظ السلاطين) حتى ان احدهم قال …. ( ان اسباب فساد البلد ثلاثة..:: الخمر والميسر…………. وعلي الوردي….!!!!!!!


لم ينصفوا علي الوردي….
الغريب… ان يرتحل الوردي من هذه الدنيا ولم ينل يوم في حياته شهادة تقديرية او اي تكريم يذكر مقابل ما قدمه كرجل علم في هذا البلد… والاغرب من ذلك وكأن الوردي تنزه بنفسه ولم يشأ ان يكرموه بعد ان وصل لنهايات العمر .. فقد اقامت وزارة الثقافة والاعلام حفلاً تكريمياً لمثقفي العراق سنة 1995 وكان من ضمن تلك الاسماء اسم الوردي .. وهذا يعتبر التكريم الاول له في العراق.. لكنه ابى ان يكرم مثلما ارادوا له فأغمض اغماضته الاخيرة في اليوم المقرر للحفل…. وكردٍ للجميل قامت الوزارة بشطب اسمه من قائمة التكريم.. ولم تستلم عائلته ما كان من المفترض ان يستلمه…!!!!!
وقبل وفاته قرر نادي الجمهورية الثقافي ان يقيم حفلاً على شرفه لكن سوء الحالة الصحية له منعه من الحضور … وكلف ابنه حسان بأن يحضر بدل عنه ليلقي كلمته فكانت المفاجئة….
حضر الدكتور حسان الابن اكبر لعلي الوردي ومعه كلمة ابيه التي هي عبارة عن بيت من الشعر القديم ذا مغزى كبير ..

أتت وحياض الموت بيني وبينها…. وجادت بوصلٍ حيث لا ينفع الوصل

وكان الاحراج الكبير كيف يصعد الدكتور حسان الى المنصه ويقرأ البيت الشعري وحده!!!!..؟
فأقترح احد الحاضرين بترتيب كلمة تتضمن البيت الشعري الذي ارسله الوردي الكبير وهكذا كان..وعلى الرغم من ان الكلمة التي كتبت للدكتور حسان كانت مؤثرة كثيرا الا ان وقع البيت الشعري في نفوس الحاضرين أثر اكثر من الكلمة نفسها.

الوردي الذي مات مرتين….
في يوم 13 من تموز 1995 غادر الوردي هذه الدنيا وخلف وراءه الكثير من المؤلفات التي استودعها في قلوب عشاقه قبل ان يستودعها في الكتب نفسها… وكان من المفترض ان يشيع ذلك العلامة الكبيرة ويسير وراء جنازته الكثير ممن عشقوا كلمات الوردي لكن ذلك لم يحصل بسبب موقف السلطات انذاك من الوردي … فدفن في مقبرة جامع براثا وفي قلبه الكثير مما كان يحلم أن يراه في مجتمعه العراقي…وكان هذه الموت الاول للوردي بقضاء من الله وقدره…
وبعد عام 2003وما جرى في العراق من احداث جاء الموت الثاني الذي اغتال الوردي… بعد الاستحواذ على جامع براثا بمقبرته … قاموا بهدم قبر ثلة من علمائنا الكبار امثال الوردي وعلي جواد طاهر وجواد علي وطه باقر… فكان ذلك الموت الثاني له بهدم قبره بحجة التوسع… متجاهلين ما للوردي من مكانه في نفوس الكثير من العراقيين خصوصاً والعالم عموماً… فالمعذرة لك يا أيها الوردي فما عرفوا قدرك وانت في الاحياء … فكيف لهم أن يعرفوا قدرك وانت في الاموات… ونسى وتنسى من قام بفعله بأن من هم أمثالك لا يحتاجون الى قبور فانيه …. فمثواكم الاخير في افئدة لا يستطيعون محو ذكركم منها…. فسلام عليك أيها الوردي… وتحية اكبار لكم… وستبقى كلماتك كانها قيلت اليوم تتردد على الالسن مهما فعلوا….


مؤلفاته…
صدرت له تسعة كتب:
شخصية الفرد العراقي
خوارق اللاشعور
وعاظ السلاطين
مهزلة العقل البشري
اسطورة الادب الرفيع
الاحلام بين العلم والعقيدة
منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته
دراسة في طبيعة المجتمع العراقي
لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (8 اجزاء)

الشهادات العلمية:
تخرج من كلية بيروت الامريكية عام 1943.
نال شهادة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة تكساس الامريكية عام 1948.
نال شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة عام 1950
درس في جامعة بغداد من عام 1950- 1970 ومنحته الجامعة لقب (استاذ متمرس).

المصدر:http://www.3yoonalbasrah.net/forums/showthread.php?t=23662