الرئيسية » مقالات » حينما تتحول الدولة الى حسينية والنشيد الوطني الى لطمية

حينما تتحول الدولة الى حسينية والنشيد الوطني الى لطمية

في عصر الانظمة السابقة كان ثمة محاربة للطقوس الشيعية , الامر الذي ولّد ردة فعل حيث ان الذات حينما تشعر بالمظلومية تتقوقع على عالمها الداخلي فيكون الركود على الافكار والمفاهيم الموروثة جزء من استراتيجية الدفاع والمقاومة. بينما حينما يتم الانفتاح يكون النقد هو الواجب الراهن . حيث ان النقد هو الذي يثبت جدارة افكار الذات ومذهبها امام التيارات المتحركة الاخرى. وكل جمود سوف يؤدي الى اسبقية المذاهب والمدارس المختلفة , والابقاء على مذهب الذات وافكارها في الصف الاخير في سباق الحضارة .

والان بعد رحيل كل تلك الانظمة العنصرية لا نجد ثمة تغير في ذهنية الحكومة. حصل استبدال بطقوس الاحتفال اللاعقلاني بشخصية البطل الحي. الى زج طاقة الشعب بجنون طقوس الاحتفالات بالبطل الميت . كنا من قبل نحتفل بنبخوذ نصر باعتبار صدام حفيدا له .والان يجري الاحتفال بالائمة باعتبار ان السادة في سلطة الحكم والاحزاب المتحكمة هم الحفدة الطاهرين الذين تُباس وتُقبّل ايديهيم وعباءاتهم . نقدس الائمة من آل البيت والقصد هو تجديد البيعة لهذه الاحزاب وهذه التكتلات.

القضية هي القضية: إشغال الناس عن واقعهم الآني بقضايا الماضي . يتم تعويض الاحتياجات بالشعارات , وتتحول العقائد الايمانية الى ولاءات سياسية . يتحول الايمان الى خرافة , والطقوس والشعائر الى ممارسات هذيانية . فلكي نظمن ولاء الناس المطلق لابد من تفريغ طاقة السؤال من عقولهم وتضخيم عواطف الهياج في ارواحهم. هكذا يتحّول الحسين من ثورة ضد الفساد الى لطمية وقامة، شق ثياب وزنجيل . ولا يمكن السؤال : كيف يكون مثل هذا العمل مستحباً ولم يقله و لا فعله نبي ولا إمام , والحكم الشرعي إنما يؤخذ من القول والسيرة ؟! ثم اليس هذا لعب ولهو وخداع وتلاعب بالاسماء والمصطلحات الدينية , واهل البيت عليهم السلام كانوا ضد اللعب واللهو والخِداع , فكيف نتقرب اليهم بما يناقضهم ؟! .

هنا يتحول الفقهاء الى مُقلِدين , يفتون بما يرضي الناس ولا يثير غضبهم ولا يقطع خمسهم وزكاتهم . وينقلب الى الشعب الى دكتاتورية العوام . حيث يتحكم الجهلاء والمستفيدين, بالمثقفين والفقهاء واهل الاختصاص . فالفقيه الذي لا يعجبهم يكون ضد الائمة وغير محب لاهل البيت . والكاتب والمثقف الذي لا يمشي مع الجوقة ويعاكس التيار يُتهم بشتى الصفات العشوائية المذمومة : علماني , ملحد , ناصبي , عميل , مرتشي , متأثر بالغرب .

وفي عصر دولة مهزوزة ونظام سياسي غير مستقر يتحّول المجتمع المدني والدستور الى حبر على ورق . والخرافة الى حقيقة يومية مُجسّدة . فتكون الحكومة عبارة عن حسينية وجلسات البرلمان الى محاضرات ملالي يتسابقون بالتظاهر بانهم يتطلعون الى الاجر والثواب , والا ما معنى لكل هذا الاهتمام بذكرى وفاة الامام الكاظم مثلا ؟! . هذه قضية ايمانية تخص مذهب معين له الحق ان يمارس طقوسه الدينية كما يشاء بشرط عدم الإخلال بالامن ولا الاضرار بالنفس وعدم إشاعة الاساطير والخرافة بين الناس .

الدولة الضعيفة هي وحدها التي تعادي العقل وتخاف من الثقافة وتخشى من البحث والانتقاد. والشعب المتخلف هو وحده الذي يعوض عجزه بتمجيد ابطال سالفين، ويستبدل كسله بذكرى الائمة والصحابة الشهداء العاملين . فتكثر المحاضرات عن معجزات وكراماتهم الائمة، وليس عن توجيهات إصلاح الائمة وتثقيفهم للناس وللشعوب .

والمجتمع المتخلف وحده هو الذي يقلب ذكرى أئمة ورموز حضارته الى طقوس بهلوانية وتعذيبية مازوشية مرَضية . فينقلب المثال والنموذج الى صنم . ويتحول التذكيّر الى ذكرى . وبهذا يحتاج المسيح ان ينقذ نفسه من المسيحيين الكذبة . ويحتاج محمد الى من ينقذ سمعته من السلفيين والمتحجرين ومادحي قتلة اهل بيته. ويحتاج عليٌ وأئمة اهل البيت الى من ينقذهم من شيعتهم الجالدي صدورهم وظهورهم الناسين لتطهير ارواحهم .

هل يعقل ان يكون إحياء ذكرى الامام الحسين الثائر من اجل الاصلاح في أمة جده، بمشعل نار ونزع ثياب من قبل اشخاص لا يعرفون شروط الوضوء ولا يجيدون قراءة ربع القرآن بصورة صحيحة , لماذا كل هذه الروايات في الفقه اذن , ولماذا فدى الائمة بارواحم من اجل الرسالة؟! هل الحسين مظاهر ام انه مضمون , هل هو شخص ام هدف ؟! هل آل البيت مبادئ ام حسينيات متنافسة، وعمامات مُرتزقة ومرجعيات متخاصمة ؟!

هل يعقل ان يكون إحياء ذكرى الامام الكاظم هو بتعطيل الدولة والعقول ؟! . هل الامام الكاظم اعتصام ضد الطغيان ام انه تعطيل عن العمل وفتح باب للبكائين بدل العاملين , وتكثير للجاهلين على العالمين ؟! , لماذا يتم تضخيم اللطم وموائد الطعام المهدور . ويجري حصار من يريد ان يسأل ويتعلم ويناقش , اذ بهذا :كيف نكون تابعين للائمة العلماء بشيعة جهلاء ؟!.

كيف يتم غلق الافواه عن البحث والسؤال باسم اهل البيت وهم المدرسة المتميزة بفتح باب الاجتهاد ؟! من يقف وراء تعميم الجهل: هل هم رجال السياسة, يكتسبون المناصب بلافتات الدين المُزوّرة كسباً للدنيا باسم الدين . فاذا بالمؤتمرات السياسية والدوائر الحكومية , عبارة عن حسينيات ومساجد متسترة ؟!
ام ان رجالات الدين وتجار العمامة والمسابح واللحى هم الذين يحوّلون المفاهيم الدينية الى خرافات وولاء سياسي , بيعاً للدين لاجل الدنيا ؟!.فتكون الحسنيات والمساجد جلسات حزبية .

وهل المشكلة هي في المثقفين الذين لا يريدون ان يُعلمّوا , ام المصيبة في مجتمع لايريد ان يتعلم؟


http://www.iraqoftomorrow.org/wesima_articles/articles-20080801-58143.html