الرئيسية » مقالات » هل سيقبل العراقيون حقائق الأمر الواقع يوماً ما ؟

هل سيقبل العراقيون حقائق الأمر الواقع يوماً ما ؟

طويت صفحة الماضي إلى الأبد ولكن ماهو نوع النظام البديل ؟
كانت الأزمة السياسية الحساسة التي اندلعت في البرلمان العراقي من جراء التصويت على قانون المحافظات والتصويت بصورة سرية على إحدى فقراته المتعلقة بكركوك، أي المادة 24 ، قد دفعت المراقبين والمحللين السياسيين إلى مراجعة مقارباتهم للوضع العراقي الهش . فمنذ أن سقط نظام صدام في التاسع من أيلول عام 2003 ، أثيرت معضلة النظام البديل بين القوى السياسية العراقية التي دخلت بحماية أو بعيداً عن حماية القوات الأمريكية . فالأكراد كانوا وما يزالون يصرون على أن تكون البنية السياسية للدولة العراقية الجديدة فيدرالية ، هي في الحقيقة عبارة عن كونفدرالية اقرب الى الاستقلال، وأن يكون لمنطقة كردستان العراقية وضع خاص أو أن تكون شبه مستقلة وتتمتع بحكم ذاتي وتتصرف ككيان مستقل تقريباً وضمنياً عن الحكومة المركزية ولا تتخلى عن أي من امتيازاتها التي تمتعت بها منذ سنة 1991، وعملت القيادة الكردية بطريقة لايتمكن معها أي كيان سياسي وأية قوة سياسية على فرض أي شيء على الأكراد لايرغبون به، وقد تجلى ذلك بوضوح في كتابة صيغة مسودة الدستور العراقي الفيدرالي للمرحلة الانتقالية ، ومسودة الدستور بصيغتها النهائية، حيث فرض الأكراد الصيغ القانونية والدستورية التي تناسبهم. وبالرغم من ذلك هناك بنود وفقرات في الدستور غدت مدعاة للتفسيرات المختلفة والمتباينة بل والمتناقضة أحياناً حسب فهم كل قوة سياسية وطروحاتها لاسيما فيما يتعلق بمدى صلاحيات السلطات المحلية والإقليمية، خاصة في مناطق الشمال و الوسط، مما دفع الكثيرين للتساؤل: هل سيصبح العراق حقاً دولة فيدرالية أم فيدرالية إسمية؟ وهل سيكون بإمكان السلطة المركزية الاعتراض على مشاريع تقوم بها أو توقعها سلطات إقليمية فيدرالية ، كما حدث مؤخراً بشأن اتفاقيات للتنقيب عن النفط وقعتها حكومة كردستان العراق مع شركات أجنبية دون الرجوع إلى الحكومة المركزية وأخذ موافقتها؟ وقد جهد الأكراد لإقناع شركائهم الشيعة في السلطة بضرورة التمسك بمبدأ الفيدرالية لأنه يعود بالفائدة على الجميع لا سيما الأكراد والشيعة، بيد أن هذا الخيار تسبب ببعض التصدع داخل الجسد الشيعي العراقي. فلدى المجلس الإسلامي الأعلى رؤية منبثقة من تصوره الخاص للفيدرالية، حيث يحلم المجلس بتأسيس إقليم الجنوب الشيعي الذي يمتد من بغداد إلى البصرة ويضم الناصرية والعمارة وجعله بمثابة محافظة واحدة ضخمة وشبه مستقلة على غرار منطقة كردستان . فيما يرى حزب الفضيلة ، صاحب النفوذ الكبير في البصرة، ضرورة العمل بنظام اللامركزية الإدارية مع تقوية الحكومة المركزية لحين توفر الأجواء السياسية المناسبة والناضجة والتي يمكن تساعد في تطبيق النظام الفدرالي وان يكون تشكيل الأقاليم على أساس إداري وليس على أساس طائفي أو قومي لأنه مقدمة واضحة لتقسيم العراق والدخول بحروب أهلية بين الطوائف والقوميات وان القبول بان تكون كل محافظة إقليم هو ليس الحل الأفضل برأي حزب الفضيلة وإنما لتفادي تشكيل إقليم الوسط والجنوب والذي سوف يصبح إقليما طائفيا منعزلا وتابعا لجهات إقليمية معروفة ويساعد في اقتتال داخلي بين أبناء الطائفة الواحدة ويصرح أحد قادة حزب الفضيلة في بغداد أنه:” في حالة لم نجد خيار آخر إلا تشكيل الأقاليم حينها قد يكون من الأفضل أن تصبح كل محافظة بذاتها إقليماً فيدرالياً ، بينما رفض التيار الصدري كل نماذج ومقترحات الفيدرالية معرباً عن قلقه أن يكون ذلك بمثابة الخطوة الأولى نحو الانفصال وتقسيم العراق وتحويله إلى دويلات صغيرة وضعيفة تكون لقمة سائغة لأطماع الدول المجاورة .

ولكن في حقيقة الأمر هناك سوء فهم أو حتى عدم الفهم، كما هناك غموض ولبس في مفهوم الفيدرالية، لا علاقة له بأية مسألة أيديولوجية رغم ادعاء الصدريين أن رفضهم ينطلق من حرصهم على المحافظة على وحدة وسلامة الأراضي العراقية ، في حين أن لذلك الموقف علاقة باعتبارات سياسية واقتصادية وتقاسم مناطق النفوذ. فلا يمكن للمجلس الأعلى أن يترك حزب الفضيلة يتصرف لوحده بهذه المنطقة الغنية بالنفط دون منازع أو منافس له حتى لو كانت تلك المنطقة هي معقله الرئيسي ومنطقة نفوذه الأولى في العراق علماُ أن للفضيلة في البصرة 11 مقعد في مجلسها كما أن محافظ من حزب الفضيلة أيضاً وللمجلس الأعلى 21 مقعدا في مجلس البصرة و6 محافظين في الوسط والجنوب ومن هنا برز التنافس المتوتر والشديد الحساسية بين القوتين الشيعيتين في جنوب العراق. أما المنافس الأخطر في المعسكر الشيعي فهو بلا جدال مقتدى الصدر وتياره الصدري وميليشياه المسماة بجيش المهدي الذي يشكل قوة خطيرة تهدد حتى السلطة المركزية لولا مساعدة ودعم قوات التحالف الدولية المتواجدة في العراق، ويتمتع مقتدى الصدر بشعبية لاينكرها أحد في أوساط فقراء العراقيين من أتباع مرجعية والده الشهيد محمد صادق الصدر، ويمكنه أن يفوز بأية انتخابات تنظم في بغداد أو في مناطق الوسط والجنوب ذات الأكثرية الشيعية. لذلك ليس من مصلحته أن يتشظى العراق وتقضم مناطق نفوذه الواحدة تلو الأخرى. إن الصراع على النفوذ والاختلاف في فهم وتقبل أو عدم تقبل المستقبل الفيدرالي كما يفهمه ويريده الأكراد، هو الذي ساهم في الارتفاع المفاجئ في درجة العنف في عدد من مدن العراق رغم فعالية الخطة الأمنية التي نجح رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي في فرضها في مختلف أنحاء البلاد. وأبرز النزاعات هي تلك التي نشبت بين المجلس الأعلى من جهة، وقوى اعتبرت نفسها ضحية للطموحات القيادية للمجلس الأعلى ورغبته في الاستفراد بقيادة المعسكر الشيعي العراقي ومن بينها حزب الفضيلة والتيار الصدري وميليشيات كثيرة ومتنوعة ومنفلتة وعصابات تتلاعب بها قوى إقليمية إلى جانب قوى شيعية متطرفة ومسلحة متشنجة عقائديا أطلقت عليها تسمية الحركات المهدوية التي تعتقد بقرب يوم الخلاص وعودة المهدي المنتظر، والتي هاجمت أتباع المجلس الأعلى لأنها اعتبرته حزبا إيرانياً يتلقى أوامره من طهران، علماً بأنها تتلقى الدعم والتمويل والتسليح من إيران أيضاً.

القوى السياسية السنية بمجملها تقريباً تعتقد أن الفيدرالية بصيغتها الكردية، ما هي إلا آلية لتحقيق الانفصال عن العراق في أجل بعيد عندما تسنح الظروف الدولية والإقليمية بذلك. لذلك لايؤيد السياسيون السنة العراقيون صيغة الفيدرالية رغم ورودها بالنص الصريح في الدستور العراقي، وهم ضد فكرة الإقليم الشيعي في الجنوب ويقاومونه بقوة. قد يتقبلون الأمر الواقع السائد حالياً في كردستان بيد أنهم يضعون العراقيل والشروط أمام مطالب الأكراد المتزايدة لاسيما بحصتهم في الميزانية نسبة لعدد سكانهم مقارنة بإجمالي عدد نفوس العراق الكلي، في حين لايتهاونون على الإطلاق في موضوع القبول بفيدرالية شيعية في الوسط والجنوب ويشاطرهم في هذا الموقف جهات شيعية كحزب الفضيلة.أما قضية الوضع النهائي لكركوك فسيكون بالضرورة بمثابة القشة التي ستقصف ظهر الجمل إذا لم يتم التوصل إلى حلول ترضي الجميع وبتدخل الأمم المتحدة وضمانة المجتمع الدولي مع وجود بعض التحفظات من جانب بعض القوى السياسية كحزب الفضيلة على دور الأمم المتحدة واتهامها بعدم الحيادية فقد أثبتت المفاوضات القائمة الآن في العراق عدم حيادية بعثة الأمم المتحدة وانحيازها التام لكتل سياسية متنفذة على حساب كتل أخرى شعرت أنها مهمشة وكان هذا الأمر جليا عند التمعن في طريقة إدارة موظفي بعثة الأمم المتحدة لملف المفاوضات السياسية حول إيجاد صيغة جديدة للمادة 24 من قانون الانتخابات وإدراجهم المقترحات الكردية في ورقتهم المقترحة لحل مشكلة انتخابات كركوك وعدم ادراج أي من مقترحات العرب والتركمان او كما يسمى قوى 22 تموز التي صوتت للقانون المنقوض من الرئاسة علما أن السيد دمستورا قد ترك العراق في هذا الوقت الذي تدعي به بعثة الأمم المتحدة أنها تبحث عن حل توفيقي لأنه يريد أن يستمتع بعطلته مع عائلته. وبالتالي، ففي حالة عدم التوصل إلى تسوية فربما تنسف من الجذر أسس الصيرورة أو العملية السياسية القائمة برمتها. تجدر الإشارة إلى أن موضوع قانون النفط والاستثمارات النفطية هو الدعامة الصلدة التي سيقف عليها العراق الموحد إذا تم التصويت عليه بالإجماع ومن المعروف أن أحد أسباب تأخر إقرار مشروع قانون النفط والذي صوت عليه مجلس الوزراء في شباط 2007 وأعيد التصويت عليه تأكيدا في تموز 2007 و عدم وصوله إلى البرلمان هو موقف الأكراد من هذا القانون ومن يساندهم من القوى السياسية التي تطمع إن يكون لها في الجنوب ما للأكراد في الشمال علما إن مقرر لجنة النفط والغاز سبق أن أعلن عن وجود وثيقة سرية بين الحكومة العراقية وحكومة كردستان تعطي الحق لكردستان بإبرام عقود النفط في حال عدم تمرير قانون النفط بحلول شهر مايو / أيار ، ولا أحد ينكر أن عائدات النفط هي التي ستوفر الأساس المادي اللازم لإعادة البناء وهو قانون مرتبط عضوياً بموضوع الفيدرالية. لذلك فإن المفاوضات والمداولات التي أجريت حول قانون النفط افتقدت للثقة المتبادلة بين جميع الأطراف بسبب غياب الاتفاق الجماعي بشأن الفيدرالية، وبالتالي فإن العراق مايزال يسير بالقرب من سياسة شفير الهاوية إذا لم تحسم تلك المواضيع الحساسة وبصورة عقلانية ومقبولة . فالسياسيون السنة في العراق لايفهمون سوى معادلة واحدة بسيطة وهي أن موارد النفط هي ملك العراق كله وملك الشعب العراقي كله على نحو متساوي ومنصف وأن تخصص وتكرس لجميع العراقيين ولذلك يجب إدارة موارد النفط العراقي من قبل جهة وطنية عراقية واحدة مركزية هي وزارة النفط التي تقوم بتوزيع واستثمار وإنفاق عائدات الثروة النفطية بما يصب في مصلحة الوطن كله ولا مجال للسماح بإشراك الحكومات الإقليمية أو المحلية إلا من باب الاستشارة، وهذا هو بالأساس موقف حزب الفضيلة أيضاً الذي كان من المفترض في وقت ما أن يتحمل مسؤولية إدارة وزارة النفط ، وهذا ما لن يقبل به الأكراد مهما كانت الانعكاسات والتداعيات المترتبة على رفضهم الانصياع لإرادة ومقررات وزارة النفط المركزية. فحكومة كردستان ترى أن حقول النفط المكتشفة هي التي توزع على جميع مناطق العراق فقط في حين أن الحقول الجديدة التي سيتم اكتشافها فهي عائدة للمناطق المتواجدة فيها ومن صلاحية الحكومة المحلية فقط . وهذا التباين الخطير في الآراء والمواقف قد يفجر التوافق الهش القائم بين مكونات العملية السياسية لاسيما في ظل إصرار حكومة كردستان المضي في توقيع عقود التنقيب عن النفط في أراضي كردستان واستغلالها من دون أخذ موافقة أو إذن الحكومة المركزية ووزارة النفط في بغداد وهم يقولون بأن الدستور أعطى الأكراد الحق في استغلال حقولهم النفطية بأنفسهم. وبذلك حاولت حكومة كردستان ابتزاز السلطة المركزية من خلال إثارة موضوع كركوك وتطبيق المادة 140 من الدستور قبل إجراء انتخابات المحافظات ، وهذا يعني ترابط وتداخل الملفات التي يجري المناورة بها لتحقيق مكاسب آنية ومناطقية وحزبية وقومية بغض النظر عن المصلحة الوطنية العليا. إن مستقبل كركوك وحسم موضوع تبعيتها الإدارية قد تهدد العراق كله وتمس وحدته وتماسكه وبالتالي لابد من التوصل إلى مساومات وتسويات بخصوص تقاسم السلطة وإدارة الصراع والخلافات لأن الإخفاق في كركوك يعني إنهاء المشروع السياسي العراقي البديل لنظام الحزب الواحد الحديدي وإجهاض للعملية الديمقراطية الوليدة في حين إن النجاح في حل هذا الملف الشائك يعني بكل تأكيد إمكانية التوصل إلى حلول لباقي مشاكل العراق العويصة والكثيرة . الإفراط بالتشاؤوم خطير حين يتخيل المتشائمون بأن كركوك يمكن أن تكون أول مدينة تنطلق منها أتون الحرب الأهلية العراقية على غرار ما حدث في بغداد في أعقاب تفجير قبتي مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء ، ويعتقد الدكتور عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية والقيادي البارز في المجلس الأعلى، في مقابلة مع صحيفة المدى، أن العملية السياسية في العراق تسير في الطريق الصحيحة وهي طريق الحوار والتفاوض والتوافق وبالإمكان التوصل إلى حلول وتسويات لكافة الملفات العالقة وتكون مرضية لجميع الأطراف . الذي منع تفجر الأوضاع في كركوك هو التأجيل المتكرر والمستمر للبت في مصيرها ومستقبلها منذ عام 2003 ولكن إلى متى سيتم التأجيل؟ فتطبيع الأوضاع يترتب عليه ترحيل عائلات عربية وإعادة توطين عائلات كردية وللجانبين حقوق في كركوك ترتبت وتراكمت بفعل الزمن والتغيرات الجيو سياسية والجيو استراتيجية وهذا شرط يصر عليه الأكراد قبل إجراء الاستفتاء الوطني . إذن تتلخص التحديات بمواضيع لايمكن تجاهلها أو الالتفاف عليها وهي كركوك والفيدرالية والنفط وتثبيت أو انسحاب القوات الأجنبية، أي الموقف من الاتفاقية الأمنية والإستراتيجية بعيدة المدى مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب الأوضاع والهواجس الأمنية وتدخلات دول الجوار وتفاقم الأوضاع الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية وغلاء المعيشة والتضخم والبطالة وإنعدام الخدمات الأساسية والضرورية للتنمية الاجتماعية والبشرية والاقتصادية وعلى رأسها الكهرباء والماء الصالح للشرب والوقود ووسائل النقل والسكن والرعاية الاجتماعية والصحية الخ ..وكلها أمور تخضع لأجندات وحسابات معقدة داخلية وخارجية، وتواجه مشاكل وصعوبات عويصة على رأسها استشراء الفساد ، مما يجعل البلاد تترنح تحت وطأة هذه التحديات وتنتقل من مأزق لآخر ومن أزمة لأخرى بدلا من أن يتمتع الوطن والمواطن بتحسن الوضع الأمني واستغلاله للانطلاق إلى الأمام وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والثقة المتبادلة بين مختلف مكونات المجتمع العراقي لأن دول الجوار تقف بالمرصاد للعراق الضعيف والممزق وتغذي وتؤجج الانقسامات والتناحرات الطائفية والقومية والدينية وهي بالتحديد إيران والعربية السعودية وتركيا وسوريا والأردن والكويت .

كل الدول المجاورة للعراق تدعي أن عدم الاستقرار يؤثر سلباً على مصالحها ومستقبلها وأوضاعها الأمنية الخاصة والحال أنه ليس بالضرورة أن عدم استقرار العراق هو ضد مصالح تلك الدول المجاورة وبالأخص إيران والعربية السعودية وتركيا فلكل منها طرقها ووسائلها الخاصة للتأثير في الداخل العراقي وتطورات الأوضاع فيه.

دور إيران :
من المعروف للقاصي والداني أن لدى إيران وجود مكثف في العراق لاسيما في شقيه الأمني والعسكري إلى جانب الوجود الاقتصادي والتجاري والاجتماعي والديني. فهي كانت وما زالت دائماً متورطة ومشاركة ومتدخلة بشكل أو بآخر بشؤون العراق الداخلية بشكل مباشر أو عبر وسطاء موالين لها من العراقيين وغير العراقيين. ومن خلال الشبكات والهيئات والمؤسسات الدينية التي تربط بين مختلف البقاع الشيعية في المنطقة ، أو من خلال المنظمات المسلحة وشبه العسكرية والميليشيات الإيرانية والعراقية مثل الباسيج والباسدران وبدر وجيش المهدي وحزب الله العراقي ، وهي متغلغلة في أعلى المستويات الحكومية سواء داخل أوساط الشيعة أو الأكراد أو حتى السنة، ومن هنا يمكننا القول أن تأثير إيران على الأحداث المستقبلية العراقية يفوق التأثير الأمريكي وقد يتغلب عليه إذا لم تتحرك الولايات المتحدة بسرعة وبمساعدة بعض الأطراف العراقية لكي تتكهن وتتوقع وتستدرك الخطر الإيراني الذي يجب الحد من تناميه ومن ثم استئصاله، مما سيسمح بمعاملة إيران كدولة جارة وصديقة تربطنا بها علاقات تاريخية أسوة بباقي دول الجوار.

لأن إيران تعتبر العراق ساحة معركة وعمق استراتيجي لصراعها الميداني الحيوي مع أمريكا، أي أن العراق هو الميدان الوحيد الذي يمكن لإيران منازلة الولايات المتحدة الأمريكية فوقه فيما يتعدى الروابط التاريخية والعقيدية والمذهبية من منظور جيو سياسي بحت. ومنذ الثورة الإسلامية تسعى إيران لتعزيز قبضتها على منطقة الخليج من خلال المفتاح العراقي دون أن تعلن عن نواياها بالضرورة. والعقبة الوحيدة أمام تحقيق طموحاتها الإقليمية هي القوة الأمريكية المتواجدة فوق أراضي المنطقة، الأمر الذي شعرت به طهران وفسرته بأنه بمثابة تهديد مباشر وقريب من أراضيها وقد يوجه لها ضربة قاضية ومباغتة على المدى المنظور. في هذا السياق يمكننا قراءة تماوجات وتفاعلات الملف النووي الإيراني وما ينطوي عليه من مخاطر قد تدفع واشنطن للقيام بعمل عسكري جبار إذ ليس أمام طهران كثير من الخيارت كما أوضح لها الرئيس السوري بشار الأسد في زيارته الأخيرة لطهران في 3 آب 2008 ناقلا آخر تحذير أوروبي ـ أمريكي عالمي لإيران بخصوص وقف تخصيب اليورانيوم على أراضيها فإما القبول بسلة الحوافز الدولية أو التعرض لما لايحمد عقباه.

ستعمل إيران بكل تأكيد على استثمار واستغلال كافة الثغرات والهفوات والإخفاقات الأمريكية في العراق، وانشغال القوات الأمريكية في إخماد التمردات الداخلية المسلحة، وتحديات تنظيم القاعدة الإرهابي لها فوق أرض الرافدين كما تستثمر الكتل السياسية التي تتبنى بشكل واخر الاجندة الايرانية وتمول من قبل ايران، مما يجعل الهجوم على إيران أكثر صعوبة وتعقيداً، وبالتالي ستقرر إيران بنفسها توقيت وظروف ومكان المواجهة مع الخصمين الأمريكي والإسرائيلي المتربصين بها، وقد تعمد إلى استفزاز الدولتين بطريقة ما، على أن تكون مدروسة بالطبع ومتعمدة ومحسوبة العواقب، بغية دفعهما لكي يشنان هجومهما على إيران وينزلقان في مغامرة مكلفة ينجم عنها استثارة عواطف العالم الإسلامي لصالح إيران الإسلامية الضحية للعدوان الإمبريالي ـ الصهيوني مما سيعزز ويقوي الحكومة الإيرانية داخلياً وإسلامياً بل وحتى عربياً. وهكذا تستمر إيران تؤثر على مجريات الأمور في العراق على نحو يخدم إستراتيجيتها العليا.

لايبدو أن رئيس الوزراء العراقي الشيعي نوري المالكي نجح في إزالة المعارضة الشديدة للجمهورية الإسلامية في إيران حيال مشاريعه عندما قام بزيارة لطهران بين 7 و 9 حزيران، وخاض مفاوضات صعبة للغاية منذ أشهر مع إدارة بوش ،التي ترغب بإبقاء جنودها والاحتفاظ بامتيازاتها في العراق بعد تاريخ 31 ديسمبر 2008 ، وهو التاريخ الذي ينتهي فيه مفعول وصلاحية قرار الأمم المتحدة الذي يشرعن أو يضفي الشرعية على الوجود العسكري الأمريكي في هذا البلد.

لقد شدد المرشد الروحي الأعلى لإيران علي خامنئي أمام رئيس الحكومة العراقية على أن :” قوات الاحتلال الأجنبية التي تتدخل في الشؤون الداخلية العراقية بقواتها العسكرية، لاسيما تلك التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، تشكل العائق الأساسي أمام تقدم وازدهار ووحدة العراق “، وقد صرح بذلك حتى قبل مغادرة نوري المالكي وعودته إلى بغداد فبالنسبة للمرشد الروحي الإيراني ” فإن حلم أمريكا في العراق لن يتحقق”.

ولم ينقطع السيد المالكي عن الترديد ، في أعقاب لقائه مع جميع القادة الإيرانيين فضلاً عن لقائه بالمرشد الأعلى، خلال الأيام الثلاثة لزيارته، بأنه:” لن يسمح باستخدام العراق في أي حال من الأحوال ، كقاعدة انطلاق لشن هجمات ضد إيران” وهي طمأنة ترددت يوم الإثنين في واشنطن على لسان المتحدث الرسمي بإسم البنتاغون ، وزارة الدفاع الأمريكية ، وقد دعاه مرشد الجمهورية الإسلامية إلى ” التفكير بجدية في حل يهدف إلى تحرير بلاده من الوجود الأمريكي ” بدلا من التكيف مع هذا الوجود. وهكذا نلمس التباين إلى حد التناقض بين الخطاب الرسمي العراقي ونظيره الإيراني.

لدى السيد المالكي مشكلتين رئيسيتين: فحتى لو غدا الجيش العراقي في كل يوم أكثر قدرة وفعالية في صراعه ضد المتمردين الشيعة والسنة على السواء، إلا أنه ليس مستعداً بعد للاستغناء عن 151000 جندي أمريكي متواجدين في الميدان مع قوة جوية وتجهيزات ومعدات عسكرية متطورة تفتقد إليها القوات المسلحة العراقية في الوقت الحاضر، وإن إدارة بوش، التي تؤيد وتدعم رئيس الحكومة العراقية الحالي، على غرار طهران، تمتلك وسائل ضغط سياسية ومالية للحصول على ماتريد.

هناك اتفاقيتان يريد الرئيس الأمريكي جورج بوش التوقيع عليهما قبل نهاية شهر تموز إذا أمكنه ذلك أو على الأقل قبل نهاية العام ، الأمر الذي يبدو مستحيلاً في نظر الكثير من النواب المنتخبين العراقيين ، وهما في طور التفاوض بعد. الأولى تتعلق بتوفير موطئ قدم قوي وموقع راسخ للقوات الأمريكية، مستلهم من الاتفاقيات الموقعة في أعقاب الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا أو اليابان لشرعنة الوجود المسلح الأمريكي فيما يتعدى تاريخ 31 ديسبمر 2008. ولايوجد أي رقم يخص عديد القوات التي ستظل متواجدة في العراق والحال أنها ربما ستصل إلى بضعة عشرات من الآلاف من الجنود وبضعة عشرات من القواعد العسكرية كما يتمنى الأمريكيون.

الصيغة الرابعة لمشروع الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها و” المفترض أن تكون سرية” والمقدمة للبرلمانيين العراقيين ، والذين سرعان ما سربوها إلى الصحافة ووسائل الإعلام، تنص على أن الأمريكيين يريدون الاحتفاظ بإمكانية شن هجمات عسكرية داخل العراق من دون الرجوع مسبقاً إلى الحكومة العراقية وأخذ إذنها أو موافقتها ، ويريدون كذلك الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الأجواء العراقية إلى ارتفاع 29000 قدم . كما يريدون لجنودهم وللمتعاقدين معهم وللشركات الأمنية الخاصة من المرتزقة المسلحين والمدنيين ( مقاولين، ورجال النفط ، والمستشارين الخ ) الذين يصل تعدادهم اليوم إلى أكثر من 50000 ، توفير الحصانة التامة حيال قوانين البلد التي لن تطبق عليهم . كما يطالب الأمريكيون بالإذن لمواصلة عملياتهم ومداهماتهم البوليسية ضد العراقيين الذين تشتبه بهم ويحق لها اعتقالهم في أي وقت يشاءون. ولكن في الصيغة الأخيرة لمشروع الاتفاقية يبدو أن الإدارة الأمريكية وافقت على مبدأ تسليم أو نقل المعتقلين إلى السجون والمعتقلات العراقية ، والحال أن القوات الأمريكية تعتقل في الوقت الحاضر حوالي 20000 مواطن عراقي.

فبالنسبة لكثير من البرلمانيين المنتخبين العراقيين ، بما فيهم عدد لابأس به من نواب الأغلبية المؤيدة لرئيس الوزراء المالكي، فان هذا الوضع غير مسموح به وإن مطالب واشنطن غير مقبولة.

النص الثاني الموضوع للمناقشة يبدو أكثر غموضاً وأكثر سرية وذو طابع استراتيجي. وهو الذي يتعلق ” بالاتفاق الثنائي للعمليات المشتركة في المجالات ” السياسية والثقافية والاقتصادية والأمنية” الصالح لمدة عشر سنوات مبدئياً، والقابل للتمديد قبل نهاية صلاحيته ، أو إنهاء مفعوله من جانب هذا الطرف أو ذاك، كما أوضح السفير الأمريكي في بغداد.

وحسب إعلان المبادئ الموقع من قبل السيد المالكي والرئيس بوش في ديسمبر 2007 ، تضمن هذا الاتفاق ” ضمانات أمنية لجمهورية العراق في حال تعرضها لاعتداء أجنبي أو تهديد ضد السيادة الوطنية وسلامة الأراضي والمياه، والأجواء العراقية”. ولكن بالنسبة لكثير من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب في الكونغرس الأمريكي، بدءاً من هيلاري كلينتون، أو ادوارد كندي اللذين يتهمان بوش بتكبيل يدي خليفته الذي سينتخب قبل نهاية ولايته في يناير 2009 ، فان هذا الاتفاق يشكل “معاهدة دفاع رسمية، وبالتالي ينبغي أن يخضع لتصويت نواب الشعب. فردت الإدارة الأميركية بالنفي القاطع وقالت أن المقصود هو فقط “وثيقة سياسية من دون التزامات خاصة تتوجب على أمريكا” وبالتالي لن تحتاج إلى تصويت مجلس النواب في الكونغرس.

أما في بغداد التي ليس لديها نفس التفسير كما يبدو، فان الاتفاقيتين ستقدمان إلى البرلمان لأن ذلك ليس كافياً بالنسبة للعديد من النواب القوميين، والسنة والشيعة على غرار مقتدى الصدر الزعيم الشيعي المتطرف الذي يشن مع ميليشياه المسلحة بين الآونة والأخرى هجمات ضد الجنود الأميركيين، ويطالبون جميعهم بالاستفتاء الشعبي على الاتفاقيتين.

ولدعم مطالبه، دعا الزعيم السياسي الديني، الذي يمتلك ثلاثون نائباً من مجموع 275 في البرلمان، أتباعه إلى التظاهر كل يوم جمعة لتحقيق مطلبهم. وقد أطاعه في الأسبوع الأول بعد النداء بضعة آلاف من الشيعة ونزلوا إلى شوارع بغداد وغيرها للاحتجاج على الاتفاقية الأمنية التي يجري التفاوض بشأنها بين العراق وأمريكا. والجدير بالذكر أن مقتدى الصدر يعيش منذ أكثر من سنة في مدينة قم الشيعية المقدسة من طهران.

الدور السعودي:
وكرد على هذا التخطيط الاستراتيجي استشعرت المملكة العربية السعودية خطورة ” المحور الشيعي” الذي بات يتشكل تدريجياً تحت أنظارها منطلقاً من إيران والعراق وممتداً إلى سورية ولبنان والبحرين والكويت وشرق السعودية حيث تتواجد الجماعات الشيعية المحلية . فدول الخليج السنية صارت تشعر أن معقل الفكر القومي سابقاً، أي العراق، قد يتحول إلى معقل للنفوذ الشيعي وصار ذلك عندها كهاجس يقلق مضاجعها بسبب غيابها النسبي عن الساحة العراقية، وكثافة الوجود الإيراني هناك في مختلف النشاطات وعلى كل الصعد.

القيادة السعودية لاتتحمل فكرة تقسيم العراق إلى دويلات كردية وشيعية وسنية ويصيبها ذلك بالهلع، ليس حبا بالعراق والشعب العراقي ولكن خوفاً من تداعيات هذا الحدث وموجاته الارتدادية داخل أراضيها نظراً لوجود أقلية شيعية تتمركز في أغنى مناطق المملكة بالبترول، عصب الحياة والاقتصاد والمال فيها، وهم يقلدون في غالبيتهم المرجع الديني الشيعي الأعلى علي السيستاني المقيم في العراق . وفي حالة انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العراق بدون ترتيب الأوضاع فيه فإن هذا يعني أن المملكة الوهابية ستكون مضطرة للتدخل بشكل مباشر وسافر وبكل إمكانياتها في العراق لدعم السنة فيه لمواجهة الطرفين الأخيرين الكرد والشيعة، وهي لم تخف أبداً نواياها بهذا الصدد وسينطوي ذلك بالطبع على مواجهة سعودية ـ إيرانية ولكن بأيدي وأدوات عراقية تابعة لهذا الطرف أو ذاك .

الدور التركي:
أما فيما يتعلق بتركيا فإن الهاجس الأول والجوهري لديها هو منع إنهيار العراق إذ سيقود ذلك حتماً إلى قيام دولة كردية مستقلة على حدودها الجنوبية وسيشجع ذلك بلا شك أكراد تركيا على المطالبة بالانفصال والاستقلال عن الكيان التركي وهذا أمر لن تقبله تركيا حتى لو اضطرت إلى التدخل عسكريا في العراق لمنع حدوثه.

وتستخدم أنقرة بعض الأدوات تتراوح بين التهديد بالتدخل العسكري بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني التركي ب ك ك المتمترسين داخل ألأراضي العراقية في كردستان العراق أو تبني قضية تركمان العراق والتعهد بالدفاع عنهم ضد الخطر الكردي المتربص بهم كما يدعون، و السعي لمنع استحواذ الأكراد على محافظة كركوك الغنية بالنفط والسيطرة على الأقلية التركمانية المقيمة في هذه المحافظة منذ عقود طويلة . العقبة الكأداء أمام الإستراتجية التركية في العراق هو عدم استعداد الحكومة العراقية ـ التي يشكل الأكراد جزءاً أساسياً فيها ـ ، ولا الإدارة الأمريكية الحالية، لإرغام الأكراد على التراجع عن مطالبهم التي يعتبرونها مقدسة ومشروعة، كما لا يمكن إدماج الأكراد بالقوة وبدون إرادتهم طوعياً بالعراق . كما لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية التضحية بارتباطاتها الإستراتيجية مع تركيا من أجل عيون الأكراد وتحقيق مطامحهم القومية.هذا بالطبع إلى جانب الوضع الداخلي التركي وهيمنة الجنرالات على الحكم العلماني والرغبة في الانضمام للاتحاد الأوروبي وما يترتب على ذلك من تنازلات مؤلمة يجب أن تقدمها تركيا وبضمنها سلوكها تجاه الأقليات القومية وحقوقها المشروعة . أما العلاقة مع قوات التحالف ووضعها القانوني المشرعن بموجب قرار دولي صادر عن مجلس الأمن الدولي، ينتهي مفعوله في 31 ديسمبر 2008 ، فهي أيضاً تثير قلق جيران العراق بقدر قلق العراقيين أنفسهم وانقسامهم بين مؤيد بقوة ومعارض بقوة اشد.

مسألة القوات الأجنبية في العراق:
تلوك الألسن ووسائل الإعلام تاريخين مهمين : في 30 حزيران أم في 31 ديسمبر 2010 ؟ فيما عدا حصول تحول استعراضي مفاجئ على الأرض، فإن باراك أوباما ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، متفقان عملياً على جدولة لسحب القوات الأمريكية المقاتلة بين 30 حزيران 2010 ـ وهو التاريخ الذي يحظى بتفضيل وموافقة المرشح الديموقراطي للرئاسة الأمريكية ـ و 31 ديسمبر 2010 ـ وهو التاريخ القاطع الذي يأمله المسؤول العراقي، حيث من المؤمل أن تغادر العراق الألوية المقاتلة الأمريكية التي زجت في المعارك منذ خمسة أعوام في البلاد.

إن هذه القوات،التي يمكن تمركز جزء منها في الكويت المجاورة والقريبة تحسباً للطوارئ في حالة الحاجة العاجلة لها ، تمثل أكثر من ثلث القوات المتواجدة في العراق والتي قوامها 146000 جندي أمريكي وهي منتشرة في طول البلاد وعرضها . أما باقي القوات فسوف تهتم بالأمور اللوجستيكية والإدارية وإعادة البناء والإعمار.

قبل أيام أعادت إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى البلاد آخر خمسة ألوية مقاتلة كانت قد أرسلت لتعزيز القوات القتالية الأمريكية للعراق إبتداءاً من حزيران 2007 من قبل إدارة بوش، أما الألوية التي كان من المفترض أن تحل محلها، فربما سوف يجري تحويلها إلى أفغانستان. وقد أوضح ذلك باراك أوباما قبل مغادرته بغداد متوجهاً إلى الأردن ومن بعدها إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة بعبارة لا تحتمل اللبس:” قال لي رئيس الوزراء العراقي أنه حان الوقت لإعادة تنظيم قواتنا في العراق ، بما في ذلك عددهم ومهمتهم . وقد أعرب لي السيد المالكي عن أمله برؤية القوات الأمريكية تغادر العراق بحدود العام 2010 “.وهذا تطور مهم في الخطاب الرسمي العراقي تجاه ملف القوات الأجنبية الموجودة فوق الأراضي الوطنية العراقية وتتمتع بصلاحيات غير محدودة في الوقت الحاضر مما يثير حفيظة الكثير من القوى السياسية العراقية وبعض دول الجوار.

ويكون رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد رد بذلك في 18 تموز 2008 على جون ماكين المرشح الجمهوري للرئاسة الذي يعارض حتى فكرة جدولة الانسحاب :” إلى أن يتحقق النصر الكامل”، وذلك في مقابلة لمجلة انيرجي كومباس Energy Compass وهي مجلة تصدر في الخليج ومتخصصة بالبترول وقال فيها:” والآن ، وبعد أن دحرنا القاعدة في العراق والخارجين عن القانون{ ويقصد بهم الميليشيات الشيعية المتطرفة} فإن وضع جدولة لانسحاب القوات اليوم يعني انتصاراً، والآن وقد تحققت أهداف الحرب، يمكننا أن نتناقش بجدية بشأن جدولة الانسحاب “. فمبدأ المغادرة التدريجية : بات مقبولاً حتى من جانب الإدارة الأمريكية التي نتفاوض معها اليوم” كما أكد رئيس الوزراء العراقي.

في الواقع كان الرئيس بوش يعارض حتى اليوم أي جدولة مصطنعة للانسحاب من العراق لكنه اليوم يتحدث عن “انعطافة حادة” في توجهاته كما يبدو في الشرق الأوسط ، وبضمنه إيران، وأعلن مؤخراً أنه منفتح للنقاش مع العراق عن ” أفق” يمكن لقواته مغادرة العراق في نطاقه.

في مسودة مشروع لمعاهدة التي يجري التفاوض حولها الآن بين بغداد وواشنطن بشأن الوضع القانوني الذي ينظم دور ومهمات القوات الأمريكية في العراق SOFA بعد 31 ديسمبر 2008 ، وهو تاريخ انتهاء صلاحية قرار الأمم المتحدة المتعلق بهذه القوات، الذي يشرعن الاحتلال العسكري للعراق، فإن هذا ” الأفق” الذي ذكره الرئيس بوش يمكن أن يأخذ شكل ” الرغبة المشتركة” للانسحاب بحدود العام 2010 . إن فترة إبقاء القوات الأجنبية في العراق ” يمكن أن تتراوح بين سنة أو سنتين وربما ثلاثة ” على حد قول السيد نوري المالكي الذي أضاف ” ولكن بالتأكيد ليس إلى فترة زمنية طويلة” وواصل كلامه قائلاً: ” في البدء كان الرئيس بوش قد افترض بقاء الـ SOFA لعقد من الزمن ، ” فالمشروع الأمريكي الأساسي كان يبدو دائمياً”، كما صرح رئيس الوزراء العراقي السيد المالكي، ولكن “سرعان ما تم رفض هذا المشروع لأنه لايحترم سيادتنا” وتابع قوله :” فالسيادة تنطبق على السكان مثلما تنطبق على الأراضي والأجواء الجوية والطرق البحرية ” حسب تأكيد السيد المالكي، كما لو أن ذلك يأتي رداً على المشروع الأمريكي الذي ينوي السيطرة على السماء العراقية من قبل القوة الجوية الأمريكية.

موقف المجتمع الدولي من تطور الأوضاع في العراق:
خرجت حكومة السيد المالكي معززة وقوية في أعقاب المؤتمر الدولي الذي عقد في العاصمة السويدية ستوكهولم بشأن العراق ومتابعة ما أنجز وسينجز من وثيقة العهد الدولي رغم كثرة التحديات.

تغيرت اللهجة التي يخاطب فيها العالم دولة العراق اليوم ولم يعد هذا البلد عرضة للوم من جانب المجتمع الدولي. بل على العكس فقد أعطى المجتمع الدولي يوم 29 أيار 2008 شهادة حسن سلوك واعتراف بالتقدم الذي أنجزته الحكومة العراقية في ثلاث ملفات حساسة وصعبة وهي الأمن وتقدم العملية السياسية وتحسن الأداء الاقتصادي للبلاد. وقد اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بهذا التقدم المشهود الذي حققه العراق أمام مايقارب الـ 600 دبلوماسي ومن بينهم عدد كبير من الزعماء والقادة الدوليين. على رأسهم وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس وقد هنأ الأمين العام وجميع الحضور العراق وشعبه وحكومة رئيس الوزراء العراقي الأستاذ نوري المالكي بهذا التقدم على طريق إعادة البناء والمصالحة الوطنية ومكافحة الإرهاب والحد من موجات العنف التي عصفت بالبلاد. وقد طالب رئيس الوزراء العراق الأشقاء والأصدقاء والشركاء إنهاء العقوبات الدولية المفروضة على العراق بسبب سياسات النظام السابق العدوانية حيث توجب على العراق إثر ذلك دفع 5% من عائداته النفطية إلى حساب مغلق تحت سيطرة الأمم المتحدة لدفع التعويضات في أعقاب غزو العراق للكويت سنة 1990 . كما تمنى دولة رئيس الوزراء العراق على المشاركين في المؤتمر إلغاء الديون المترتبة على العراق والتي قدرت بـ 140 مليار دولار كما جاء في صحيفة Direct Matin اليومية المجانية. وقد نصت اتفاقية العهد الدولي الموقعة قبل عام من الآن ، إلغاء حوالي 30 مليار دولار . وهذا العقد هو بمثابة خارطة طريق لإعادة بناء وإعمار البلد منذ سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 كما طالب رئيس الحكومة العراقي إخراج العراق من تحت البند السابع ورفع الوصاية الدولية عنه . بيد أن الواقع الميداني مازال هشاً كما وصفه الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي مون. وقد أشاد المشاركون بقدرة رئيس الوزراء العراقي على تطبيع الأوضاع بالرغم من التحديات الضخمة القائمة حالياً كما جاء في مقال نشرته صحيفة الفيغارو الفرنسية. وقد صرح السيد بان كي مون قائلاً:” لقد تحقق تقدم ملموس في مجالات ثلاثة هي الأمن والسياسة والاقتصاد رغم التحديات”. وأضاف قائلاً ” ولهذا فإن رئيس الوزراء المالكي وحكومته وشعبه يستحقون الثناء وليتقبلوا منا كل التهاني والتقدير ” فيما عقبت السيدة كونداليزا رايس قائلة:” حقق العراق إنجازات جيدة من أجل أن يندمج بصورة أفضل في المنطقة والعالم ” . لم يكن هناك سوى ممثل فرنسا وهو دبلوماسي رفيع المستوى ، وخافيير سولانا المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، ممن خرجوا عن جو المديح والنبرة التوافقية وتطرقوا للتحديات العديدة التي تواجه بغداد بعد خمسة أعوام من سقوط الديكتاتور صدام حسين ، بيد أن أغلب المقترحات والتعديلات التي قدمتها باريس لم تؤخذ بالاعتبار ولم تدرج في البيان الختامي للمؤتمر.

وكما نوه دبلوماسي أوروبي تعقيباً على ذلك قائلاً :” إن المجموعة الدولية تفضل مقولة الكأس نصف المملوء المتفائلة بدلاً من صيغة الكأس نصف الفارغ المتشائمة تعبيراً عن تفاؤلها. فالمجموعة الدولية تود ترك إنطباع بأن العراق خرج من الغيتو الذي وضع فيه أيام النظام السابق”.

الوضع مايزال هشاً:
فمنذ مؤتمر شرم الشيخ في مصر الذي عقد في العام الماضي، انخفضت معدلات العنف كثيراً في العراق، بفضل التعزيزات الأمريكية في بغداد وكسب ود وتعاون المتمردين السنة السابقين والهدنة التي أعلنها الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر.

إن ارتفاع أسعار النفط وفرت للبلد عائداً تجاوز الـ 70 مليار دولار.أما أفراد قوى الأمن البالغ عددهم 600000 شخص، فقد نجحوا في تحسين عملهم وإدائهم المهني وقدراتهم على التدخل. لكن الوضع مايزال هشاً كما أشار إلى ذلك بعض المشاركين في المؤتمر. ففي كل شهر يغادر حوالي 10000 بيوتهم . وتم اكتشاف 7000 مخبأ للأسلحة في العام الماضي في مختلف مناطق العراق. وأن أغلب الأهداف السياسية، التي طلب من حكومة المالكي تحقيقها في مؤتمر شرم الشيخ في مصر، لم تنجز. بالرغم من تعهدات رئيس الوزراء العراقي، فإن تفكيك الميليشيات التي تتحدى سلطة الدولة الشرعية،لم يتم كلياً. وقبل أقل من ثلاثة أشهر من حلول موعد الانتخابات المحلية أو مايسمى بانتخابات المحافظات ، لم يقر قانون الانتخابات بعد. فالسلطات التي تهيمن عليها الكتلة الشيعية ماتزال غير قادرة على التفاهم مع الأقليات السنية والكردية، بشأن مسألة كركوك . وتتعثر عملية المصالحة الوطنية أمام عقبة رفض الحكومة بمنح المزيد من السلطات للسنة ، وفي ظل مثل هذه الظروف فإن التفاؤل سيكون قصير المدى بالرغم من عودة وزراء جبهة التوافق السنية للحكومة. إلا أن رئيس الوزراء العراقي أعرب عن تفاؤله عندما قال:” بفضل دعمكم نحن قادرون على تجاوز الصعوبات التي تنتظرنا” ، ويأمل السيد المالكي استضافة المؤتمر القادم الذي سيعقد سنة 2009 في بغداد. وطالب رئيس الوزراء العراقي بمحو ديون العراق التي قدرت بأكثر من 60 مليار دولار حيث يتوقع أن تذعن روسيا وعدد من بلدان أوروبا الشرقية لهذا المطلب. في حين أن دول وإمارات الخليج العربي غير الممثلة كثيراً في المؤتمر ، كانت لاتزال مصرة على رفضها شطب ديون العراق المستحقة لها طالما لم تقدم بغداد المزيد من السلطة للسنة العراقيين، بيد أنها خففت من تصلبها وأعلنت نيتها عن إلغاء الديون العراقية .

ومع التعهد والالتزام بمزيد من الشفافية وتشديد العمل في محاربة الفساد، ناشد القادة العراقيون الشركات الأجنبية استغلال فترة الهدوء للاستثمار في العراق. وقد شدد الناطق الرسمي بإسم الحكومة العراقية علي الدباغ قائلاً :” نحتاج إلى نقل التكنولوجيا”.

وأخيراً من الخطأ الاعتقاد بأن القوى السياسية العراقية ضعيفة ولا قدرة لها في التأثير في تطورات الأحداث في العراق وأنها مسلوبة الإرادة وخاضعة لقوات الاحتلال التي يمكنها إعادة تنظيمها كما يحلو لها والتلويح لها بإمكانية السماح بحدوث انقلاب عسكري يطيح بكياناتها الهشة كما صرح أحمد الجلبي رئيس المؤتمر العراقي مؤخرا لصحيفة المدى ، ومن الصحيح القول أنه لايوجد حزب واحد قوي يمارس سلطته الكاملة على الدولة كما كان يفعل حزب البعث المنهار بقوة الحديد والنار والسلاح والبطش والاستبداد ، ومن الإجحاف أيضاً اتهام الممسكين بالسلطة حالياً بأنهم يرعون فقط مشروع عرقي ـ طائفي ويعملون فقط من أجل مصالحهم الذاتية والحزبية والطائفية الضيقة وإن كان في ذلك جزء من حقيقة. فالقوى السياسية الفاعلة والنشطة اليوم على الساحة السياسية ـ سواء شاركت أو لم تشارك في العملية السياسية الجارية ـ هي منظمات جماهيرية معقدة وذات هيكيليات سياسية وعسكرية أو شبه عسكرية مسلحة ذات ارتباطات وامتدادات إقليمية ودولية ولبعضها تاريخ وتجربة ميدانية وجذور عميقة في تربة المجتمع العراقي . واجهت الحكومات المتعاقبة على العراق بعد سقوط النظام الصدامي، تحديات أمنية مذهلة ومدمرة، وخرجت عن طوعها وسيطرتها محافظات ومدن بأكملها مثل الأنبار وديالى والبصرة والموصل وسامراء وبعقوبة والرمادي وأصبحت مسارح خارجة عن القانون تسرح وتمرح فيها الجماعات المسلحة والميليشيات والمنظمات الإرهابية والعصابات المنظمة والقوى الخارجية عن القانون وخاضت صراعات عنيفة فيما بينها اتخذت أشكالاً وألواناً طائفية وعرقية وأصبحت خارج فلك الحكومة العراقية وخضعت لمنطق القوة والفوضى والانفلات الأمني عدا منطقة كردستان رغم كونها تظل دائماً مهددة بطوفان العنف والتنازع على الأراضي في سنجار والموصل وكركوك ومندلي وجلولاء وخانقين وغيرها، والتي لايمكن حسمها بقوة السلاح قطعاً، بل بالحوار والتسويات والتنازلات المتبادلة والمشاركة وتقاسم السلطة . الحوار وحده بين قوى تمتلك المصداقية والقاعدة الجماهيرية ، أي الشرعية، هو الذي يقود عبر المفاوضات الشفافة والعلنية بين مكونات الشعب العراقي المختلفة والمتنوعة، إلى إيجاد الأرضية الملائمة لإستراتيجية تنتهي باستقرار العراق وازدهاره . ولا بأس بحضور ومشاركة قوى وشخصيات عالمية ذات خبرة وحيادية تؤهلها للتوفيق بين الآراء المختلفة والمتباينة لمختلف الأطراف إذ يجب العثور على الحلول المطلوبة داخل العراق نفسه وفق قاعدة التوافق والتفاهم المشترك وليس المحاصصة ، وسوف تحتاج تلك الحلول و بلا ريب لمساعد ودعم وتأييد القوى الإقليمية والدولية .

د. جواد بشارة / باريس