الرئيسية » مقالات » الإستقلال أو الكونفيدرالية هو الطريق الوحيد لتحقيق الحرية و المساواة لشعب كوردستان

الإستقلال أو الكونفيدرالية هو الطريق الوحيد لتحقيق الحرية و المساواة لشعب كوردستان

قبل أكثر من ثلاث سنوات نشرتُ مقالين حول صلاحية النظام الكونفيدرالي للعيش المشترك بين الكورد و الشيعة و السُنة في العراق فيما لو أرادوا العيش معاً بسلام و التفرغ للبناء و التطور و العمل على رفاهية شعوبهم، و إلا ليس هناك حلّ آخر غير إستقلالهم و تأسيس ثلاث دول مستقلة لكلّ من الشعب الكوردستاني و الشيعي و السُني و يقرر كل شعب مصيره بنفسه و يختار عيشه و نمط حياته و مستقبله و نظام حكمه. هذا الرأي يستند على الحقائق الموجودة على أرض الواقع و التي تكّونت نتيجة تراكمات ثقافية و تأريخية و سياسية و إجتماعية و فكرية و نفسية، جعلت كلّ شعب من الشعوب الثلاث المذكورة تكّون لنفسها شخصية مستقلة ذات خصائص متميزة، بحيث وجد كل شعب مساره الخاص به الذي لا يلتقي مع مسارات الشعبَين الآخرَين، لأسباب كثيرة لا مجال هنا للتطرق إليها، إلا أنّ القارئ العزيز يمكنه قراءة المقالَين الإثنين اللَذين نشرتهما حول النظام الكونفيدرالي للإطلاع على بعض هذه الأسباب و التعمق في هذا الموضوع و المقالان المذكوران يجدهما في الرابطَين الموجودَين في نهاية هذا المقال.

النظام الفيدرالي لا يمكن نجاحه في دولة مثل العراق، التي تجتمع فيها شعوب و طوائف مختلفة، لم تنجح في إيجاد ثقافة موحدة و تكوين أهداف مشتركة لها طوال عيشها المشترك، حيث لم تتوفر ظروف ملائمة لهذه المكونات في يوم ما، عبر تأريخها الطويل، ليكون كل شعب و طائفة و قومية و أقلية و مذهب و دين، حراً في إختيار حياته و طبيعة و نوعية علاقاته مع الآخرين و لم تتوفر العدالة و المساواة بين هذه المكوّنات و لم تُتح الفرصة لها أن يشترك الجميع في الحكم و يمتلك السلطة بشكلٍ متساوٍ و بشفافية، بل خلال تأريخها، تسلطَ فريق واحد على مقدرات البلاد و إستأثر بالحكم و أخضع الآخرين بالحديد و النار. لذلك فشلت هذه الشعوب و القوميات و المذاهب و الأديان في التلاقي و التفاعل و الإنسجام.

يغضّ الطرف الكثير من المثقفين و الكُتّاب العرب العراقيين و قلة من الكورد عن واقع التنافر الذي يطغي على علاقات المكونات التي تعيش ضمن الكيان العراقي و التي لم تعش معاً في يوم من الأيام بإرادتها و حريتها، و إنما فُرض عليها العيش المشترك بالقوة من قِبل الأجانب، إبتداءً من معاهدة سيفر و مروراً بإتفاقية سايكس – بيكو و معاهدة لوزان و الإستفتاء الصوري لشعب إقليم جنوب كوردستان بإلحاق إقليمهم بالكيان العراقي الجديد و إنتهاءً بإستخدام السلاح ضد شعب كوردستان و اللجوء الى الإبادة الجماعية و إستعمال السلاح الكيمياوي و تعريب كوردستان، بشراً و أرضاً، في محاولة لإرغام شعب كوردستان على القبول بإستمرارية كوردستان مُلحَقة بالعراق. رغم كون الشيعة الأكثرية السكانية في العراق، فأنهم منذ الغزو العربي – الإسلامي لبلاد ما بين النهرين و إستيطان العرب فيها و الإستحواذ على الحكم و السلطة فيها، منذ ذلك التأيخ الى يوم تحرير العراق في عام 2003، كان الشيعة من مواطني الدرجة العاشرة و عانوا من الإبادة الجماعية و الإضطهاد و التهميش و القمع و الإرهاب.

النظام الفيدرالي لا يصلح في دولة ذات شعوب متعددة و متخلفة كالعراق، حيث شعوبه متخلفة و تتكرّس في عقولها الأفكار العنصرية و الشمولية و تفتقر الى الفكر الديمراطي و إحترام إرادة الشعوب و حقوق الإنسان. الفيدرالية تعني أنّ هناك حكومة مركزية و أقاليم التي تتبعها. في النظام الفيدرالي، تحتفظ الحكومة المركزية بإدارة الشئوون المالية و الخارجية و الدفاعية للدولة الفيدرالية. في حالة العراق، فأنّ هذا يعني سيطرة الحكومة المركزية على أهم ثلاث مجالات حيوية، المالية و الخارجية و الدفاع. سيطرة المركز على الشئوون المالية تعني جعل شعب كوردستان مُكبلاً بالسياسة المالية للحكومة العراقية و تبعية كوردستان إقتصادياً للحكومة المركزية التي تُحدد السياسة المالية و الإقتصادية و التنموية و التي تؤدي بدورها الى تفريغ الإدارة الذاتية للإقليم من محتواها و تقع هذه الإدارة، أسوةً بمجالس المحافظات العراقية، تحت الحكم المباشر للحكومة العراقية المركزية و بذلك يفقد الإقليم إستقلالية سياساته المالية و الإقتصادية، بل إستقلاليته في كافة المجالات، لإعتماد إدارة الإقليم على الميزانية المركزية المخصصة للإقليم، لإدارة وزاراتها و مؤسساتها. تفرّد الحكومة المركزية بإدارة السياسة الخارجية العراقية، يجعل الحكومة المركزية أن تكون الجهة الوحيدة المخولّة لإبرام كافة الإتفاقيات و المعاهدات مع الدول الأجنبية و التي قد يهدد قسماً من تلك الإتفاقيات و المعاهدات تهديداً مباشراً الأمن القومي الكوردستاني، و خاصة تلك المبرمة مع الدول المحتلة لكوردستان و في مقدمة هذه الدول كل من (تركيا) و إيران. هذا التفرد بالشأن الخارجي يجعل أيضاً شعب كوردستان بعيداً عن الحق في تحديد السياسات الخارجية و العلاقات الدولية التي تؤثر على حياته و مصيره. سيطرة الحكومة المركزية على الشئوون الدفاعية، تهدد كل المكتسبات التي حققها شعب كوردستان بنضاله و دمائه عبر عشرات السنين و تُعيده الى أنفالات جديدة و مآسٍ إنسانية مستمرة و نزيف دماء كوردستانية لا يتوقف. عندما تصبح الحكومة العراقية قوية عسكرياً و يستتب الأمن، ستقوم بفرض كل شروطها على الشعب الكوردستاني و تقضي على إدارته. الدليل الواضح أمامنا هو قرار البرلمان العراقي بإخراج الجيش اللكوردستاني من كركوك و إحتلالها من قِبل جيش مؤلف من العرب. بكل تأكيد سوف لا يتوقفون عند هذا الحد، بل سيحتلون أربيل و السليمانية و دهوك، حيث أنّ الحكومة المركزية تُشرف وحدها على القوات المسلحة العراقية و بذلك لها الحق في تشتيت القوات الكوردستانية و إبعاد العسكريين الكورد من كوردستان الى وسط و جنوب العراق و إحتلال كوردستان من قِبل القوات العراقية المؤلفة من العرب. بذلك تعود كوردستان الى عهدها كما كانت خلال حكم البعث و سيعاني شعبها القتل و الإذلال و تزول مكتسبات هذا الشعب المظلوم. المأساة هي أنّ القيادة الكوردستانية تعمل بكل إصرار على وضع مصير شعب كوردستان تحت رحمة الحكومة المركزية في بغداد و تمضي قُدماً لزيادة إعتماد كوردستان على الحكومة المركزية و خاصة من الناحية المالية، حيث تريد أن تتكفل الحكومة العراقية بدفع رواتب البيشمه رگه، و الذي يُشكل خطراً كبيراً على الأمن القومي الكوردستاني، حيث أنه على إدارة إقليم جنوب كوردستان أن تعلم بأنه كلما تعتمد كوردستان على الحكومة المركزية، كلما تزداد تبعية الإقليم لإدارة بغداد و بذلك تفقد حكومة الإقليم إستقلاليته في إدارة شئوون الإقليم و يضطر الى تقديم التنازلات تلو الأخرى على حساب المصلحة الوطنية الكوردستانية.

قد يقول المرء بأنّ الكوردستانيين هم شركاء في الحكومة المركزية و أنّ رئيس الجمهورية و أحد نواب رئيس الوزراء و أحد نواب البرلمان العراقي و رئيس أركان الجيش هم من كوردستان، بالإضافة الى عدد من الوزراء. هذا يعني بأنّ الكوردستانيين يشتركون في رسم و وضع السياسة المالية و الخارجية و العسكرية العراقية، إلا أنّ هذا الأمر غير صحيح و الوقائع تدحضه. على سبيل المثال، مرت عدة سنوات على تثبيت المادة 58 في الدستور العراقي المؤقت و التي حلت محلها المادة 140 في الدستور الدائم المتعلقة بتطبيع الأوضاع في المناطق الكوردستانية المعربة من قِبل النظام البعثي البائد. خلال هذه الفترة تعاقب على رئاسة الوزراء كل من الدكتور أياد علاوي (العلماني) و الدكتور إبراهيم الجعفري و السيد نوري المالكي المنتمين لحزب الدعوة الإسلامية، و قامت هذه الحكومات بالمماطلة و كسب الوقت دون إتخاذ أي خطوة جدية لتنفيذ هذه المادة الدستورية و كان ممثلو شعب كوردستان في بغداد عاجزين عن عمل شئ مؤثر لحمل الحكومة العراقية على تطبيق بنود المادة المذكورة. هكذا بالنسبة لقانون النفط و الغاز و غيره. إنّ الأكثرية العربية التي هي في الحكم تقف ضد حقوق و تطلعات شعب كوردستان و لولا ضعفها في الوقت الحاضر، لَسلك نفس سياسة المقبور صدام حسين. قد يُقال بأنّ القرارات يتم إتخاذها من قِبل الحكومة العراقية بالتوافق، إلا أنّ هذا النظام ليس عملياً بسبب الهوة الخلافية الكبيرة بين الكتل السياسية الحاكمة و إنعدام مصالح و أهداف مشتركة بينها و التي تُسبب شللاً للحكومة العراقية و تعطيلاً لأدائها و التي نراها اليوم. كما أنّ الإتفاق على إتخاذ القرارات بالتوافق هو تكتيك مرحلي لكسب الوقت، ناتج عن ضعف الحكومة المركزية و لذلك فبعد أن تقوى شوكتها، ستتنكر للنظام التوافقي و تفرض قرارتها على شعب كوردستان. أما في حالة إتباع الأساليب الديمقراطية الغربية، حسب قاعدة الأكثرية و الأقلية، فالكوردستانيون يُشكلون الأقلية في البرلمان العراقي و الحكومة العراقية و ستقوم الأكثرية العربية بحرمان شعب كوردستان من حقوقه الشرعية و بذلك فأن النظام الديمقراطي الغربي بدوره لا يصلح للحالة العراقية.

هنا أتحدث عن النظام الفيدرالي في بلجيكا و التي هي دولة متطورة و المجتمع البلجيكي قد إجتاز المراحل الإقطاعية و العشائرية و يعيش في المرحلة الرأسمالية و له نظام علماني، لا يتدخل الدين في شئوون الدولة و الحكم. بلجيكا مملكة صغيرة تقع في شمال – غرب أوروبا و تبلغ نفوسها حوالي عشرة ملايين نسمة و مساحتها 33990 (89.8% منها يابسة و 10.2% مياه). وهي عضوة في الإتحاد الأوروبي. البلجيكيون يتألفون من الشعب الفلمنكي (Flanders)، الناطقون باللغة الهولندية و يُشكّلون 58% من سكان بلجيكا و يعيشون في شمال البلاد. الشعب الوَلوني الناطق باللغة الفرنسية و الذي يعيش في جنوب البلاد في مقاطعة (Wallonia)، و يُشكّلون 32% من مجموع سكان بلجيكا. هناك مجموعة سكانية صغيرة ناطقة باللغة الألمانية. الشعب البلجيكي يُدينون بالمذهب الكاثوليكي. الدستور البلجيكي ينص على حق الحكومات الفيدرالية في نقض قرارات الحكومة المركزية. قال الجنرال ديغول مرة “الفلمنكيون البلجيكيون يجعلون حياة الوَلونيين مزعجة لدرجة أنّ الوَلونيين يرمون أنفسهم في أحضاننا”. قد يحدث هذا ما قاله الجنرال ديغول اليوم و يختار الشعب الوَلوني الإنفصال عن بلجيكا و الإنضمام الى فرنسا، حيث تمر الحكومة البلجيكية بأزمة حكومية حادة بسبب الخلاف المستمر بين الناطقين بالهولندية و الفرنسية و صعوبة عيشهم معاً ضمن دولة واحدة و هي تعيش بدون حكومة في الوقت الحاضر. في إستفتاء أجرته صحيفة (La Voix du Nord) الفرنسية و (Le Soir) البلجيكية، يُظهر أنّ 49% من الوَلونيين يؤيدون إنضمام مقاطعتهم الى فرنسا، بينما يؤيد 60% من الفرنسيين هذا الإنضمام.

هكذا نرى أن شعب متحضر يتقدم الشعب العراقي بمئات السنين في التطور الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي و الفكري، لا تستطيع القومية الفلمنكية و الوَلونية العيش معاً في دولة فيدرالية و كلتا القوميتين تشتركان في المذهب الكاثولوكي و تختلفان في اللغة فقط. بينما الكثير من السياسيين و الكُتاب و المثقفين العراقيين يصرون بعناد، لأسباب عاطفية أو مصلحية أو لترسبات الأفكار العروبية أو الشمولية في عقولهم، يصرون على “الحفاظ على وحدة العراق أرضاً و شعباً”، قسراً دون التفكير بالنتائج الكارثية التي يواجهها الشعب العراقي نيجة هذا الإصرار العشائري و دون أن يأخذوا العِبر و الدروس من تجارب الماضي البعيد و القريب. القوميتان الرئيسيتان في بلد متطور مثل بلجيكا في خلافات مستمرة، لا تستطيعان العيش معاً و المذهب الكاثولوكي يجمعهما، و الكثير من السيدات و السادة السياسيون و الكُتاب العراقيون يصرون على الحفاظ على حشر مجتمعات شبه إقطاعية متخلفة، مثل العرب و الكورد و الشيعة و السُنّة في دولة واحدة (مقدسة) و يتوهمون بأنهم قادرون على تطوير العراقيين فكرياً و إجتماعياً و سياسياً و إقتصادياً خلال بضع سنوات و يحرقون مراحل التطور الطبيعي التي لابد منها. إنّ هؤلاء المساكين يعيشون في أوهام و أحلام وردية، لا يربطهم شئ بالواقع و غير قادرين أو غير راغبين في معرفة الواقع الذي يفرض نفسه، سواء سايره هؤلاء أم عاكسوه. يريدون توحيد المكونات العراقية و صهرها التي هي متخلفة لدرجة أنها في القرن الواحد و العشرين و في عصر العولمة و الإنترنيت و الفضائيات، تقوم بتمجيد القبلية و العشائرية و تأسيس الإتحادات القبلية و تزداد نفوذ و سلطة القبيلة و العشيرة في العراق. يريدون هؤلاء توحيد شعوب و قوميات و طوائف لم تكن متحدة و متفقة في يوم ما و لن تتحد في المستقبل، حيث أنّ عيش هذه المجتمعات ضمن حدود دولة واحدة لم يتم برغبتها و حريتها، بل فُرضت هذه الوحدة القسرية عليها بالقوة و العنف و الإكراه و الإرهاب و سببت هذه الوحدة القسرية حروباً و معارك مستمرة بين التجمعات السكانية المختلفة و التي لا تزال مستمرة و خلّفت وراءها الملايين من الضحايا الأبرياء و حولت البلاد الى خراب و قادت الى الفقر و الجهل و المرض و التخلف رغم الحضارة العريقة لبلاد ما بين النهرين و رغم خيراتها و مياهها و بترولها و ثروتها البشرية.

هكذا نرى أنّه يجب أن يكون الإنسان و رُقيّه و حريته و رفاهيته هي الهدف الأسمى الذي نعمل من أجله و أنّ الحدود الدولية المصطنعة ليست مقدسة و لا تتطلب التضحية من أجلها، بل يجب إحترام إرادات الشعوب و رغباتها و أنّ القوة لا تستطيع فرض الوحدة على الشعوب بالضد من إراداتها و مثل هذه الوحدة الهشة ستنهار و تختفي مهما طال عمرها. لننظر الى دولة الهند الحالية التي كانت دولة واحدة و الآن أصبحت ثلاث دول (الهند و باكستان و بنغلاديش)، الإتحاد السوفيتي السابق إختفى و إنبثقت منها دولاً عديدة. نتجت عن جيكوسلوفاكيا دولتان، هما جمهورية الجيك و سلوفاكيا. إنفصل هذان الشعبان دون إراقة قطرة دم واحدة. يوغسلافيا السابقة تجزأت الى عدة دول و قبل وقت قصير إستقلت كوسوفو. هكذا تستمر الشعوب في فرض إراداتها و لن تكون هناك قوة على كوكبنا قادرة على قهر هذه الإرادات. شعب كيوبك الناطقون بالفرنسية في كندا (تبلغ نفوسهم 23.2% من سكان كندا) و الشعب الأسكتلندي الذي تبلغ نسبتهم 8.5% من نفوس بريطانيا و شعب الباسك و الكتلاني في إسبانيا و شعوب الشرق الأوسط و غيرها من الأمم و الشعوب الأخرى، بما فيها شعب كوردستان، هي في طريقها نحو إستقلالها خلال المستقبل المنظور.

الكُتّاب و المثقفون و السياسيون الذين يصرّون بكل عناد على صهر المكونات العراقية و إرغامها على العيش المشترك، قافزين على الواقع العراقي، يتهربون مما ينقله لنا التأريخ من العلاقات العدائية و غير المتكافئة بين شعوب و قوميات و أديان و مذاهب تعيش على أرض الرافدين. إنهم أُناس حالمين، يعيشون على الأوهام و التمنيات. بإصرارهم هذا، سواء عن فهم أو بدونه، فأنهم يعملون على إستمرار النزيف العراقي و دمار العراق و تخلفه و تناحر مكوناته الى ما لا نهاية و يشجعون إستنزاف الثروات المالية للعراقيين في حروب و صراعات لا تنتهي، دون أن يردعهم ضميرهم الى التوجه الى حلول واقعية حكيمة لإنقاذ الإنسان في هذه البقعة الجغرافية من الحروب و المآسي التي يعيش فيها و دون إعتراف هؤلاء السادة و السيدات بفشل تجربة العيش المشترك بين المكونات التي تعيش على أرض الرافدين قسراً ضمن الكيان العراقي و بالضد من إرادتها و رغبتها. هؤلاء الباكون على وحدة العراق هم أناس يحملون عقليات كلاسيكية بائدة أصبحت جزءً من الماضي و أصبحت متخلفة عن العقليات المتحضرة العصرية التي تتفاعل مع القيم و الأفكار المُعبرة عن عالمنا الراهن. العقليات الكلاسيكية الجامدة عاجزة عن التخلص من الأفكار الماضوية التي كانت سائدة خلال حُقب إزدهار العروبية العنصرية و الشعارات الغوغائية البائسة، فلذلك يصرون على تطبيق ما في عقولهم من أفكار بالية التي لا صلة لها مع واقعنا الحالي، غير آبهين بعشرات الآلاف من النفوس البريئة التي تفقد حياتها و الدمار الذي تتعرض له بلاد الرافدين.

هؤلاء الكُتّاب و المثقفون و السياسيون ينتمون الى مجاميع مختلفة متباينة. فريق منهم هم من العرب السُنة و القومويون و الإسلامويون، الذين يحاولون إعادة عجلة الزمن الى الوراء، حالمين بالسيطرة العروبية المذهبية على الحكم في العراق من جديد و حكم الشيعة و الكورد بالحديد و النار، بل إبادتهم عن بكرة أبيهم و نهب ثروات بلاد الرافدين و و زج أهلها في حروب عبثية، كما فعلوها في السابق. يُنفذ هذا الفريق أجندة نظام آل سعود و النظام التركي و المصري و الأردني على الساحة العراقية، حيث أنّ الحكومات السُنّية لهذه الدول الإقليمية تجد في إستقلال الشعبين الشيعي و الكوردستاني في العراق أو مشاركتهما الفعلية في حكم العراق، تهديداً لأنظمتها الطائفية في المنطقة. هناك فريق آخر من هؤلاء الكُتّاب و المثقفين و السياسيين هم من بقايا أسيري الفكر اليساري الطوباوي الذين يحاولون إجبار سكان العراق، المتنافرين، قومياً و دينياً و مذهبياً، على العيش المشترك حفاظاً على “وحدة الطبقة العاملة” المزعومة التي أُثبتت الأيام فشل صحتها و أصبحت شعاراً من الماضي الذي ولّى زمنه و لن يعود. الفريق الثالث يتألف من الشيعة الذين بدورهم ينقسمون الى مجموعتين: الأولى تُنفّذ الأجندة الإيرانية على الساحة العراقية و التي تعتبر إستقلال كوردستان أو المشاركة الحقيقية للكورد في حكم العراق، تُشكّل تهديداً لأمن إيران القومي، نتيجة إحتلالها لجزء من كوردستان، بينما المجموعة الشيعية الثانية تتألف من أشخاص متأثرين بالترسبات الفكرية و الأبواق الإعلامية للأنظمة البائدة التي تسلطت على حكم العراق و ترسخت في مخيلتهم “قُدسية وحدة العراق أرضاً و شعباً” و هناك منهم مَن يفتقر الى الوعي و الثقافة للتعمق في ماهية هذا الموضوع. الفريق الرابع يتألف من أشخاص ينتمون الى الشعب الكوردي و هم قلة، يُصفقون “للوحدة العراقية” بسبب مصالح شخصية أو الوقوع في براثن اليأس و الإستسلام للأمر الواقع أو نتيجة إفتقارهم لروح ال”كوردايه تي” أو لقلة وعيهم السياسي و الثقافي و لسذاجتهم.

موافقة القيادة الكوردستانية على المادة 58 من الدستور العراقي المؤقت و المتعلقة بتطبيع الأوضاع في المناطق الكوردستانية المعربة، و منها محافظة كركوك، و التي تم تثبيت هذه المادة في الدستور العراقي الدائم و وُضعت تحت المادة 140 فيه، كانت خطأً تأريخياً إقترفته هذه القيادة و الذي ينّم عن إفتقارها الى الحنكة السياسية و يدلّ على سذاجتها السياسية أيضاً. إنّ القبول بإلاستفتاء لتقرير مصير عائدية أجزاء من كوردستان لكوردستان هو حالة غريبة و غير مقبولة و مرفوضة. إنّ النظام الفيدرالي في العراق، الذي ينص عليه الدستور العراقي الدائم، يستند على الفيدرالية التأريخية و الجغرافية، أي أنّ الأقاليم الفيدرالية لا يتم تأسيسها على أساس العامل القومي و الإثني. بناء على ذلك، و بما أنّ محافظة كركوك هي جزء من كوردستان تأريخياً و جغرافياً و الوثائق التأريخية تُثبت كوردستانية كركوك، فأنه حتى في حالة خلو كركوك من العنصر الكوردي بشكل كامل، فمحافظة كركوك يجب أن تبقى جزءً لا يتجزأ من كوردستان تبعاً للدستور العراقي الدائم. تفريط القيادة الكوردستانية بمناطق كوردستانية، خلق مشكلة إضافية لشعب كوردستان و يُعرّض هذه المناطق الى الضياع و الإنسلاخ عن وطنها، كوردستان. القبول بالإستفتاء على هذه المناطق يمكن مقارنته تماماً بصاحب بيت مؤّلف من عدة غرف، يشكّ صاحب الدار بمُلكية بعض غرف داره فيلجأ الى الإحتكام الى الآخرين لتقرير مصير تلك الغرف العائدة للدار و الحُكم على كون تلك الغرف تعود لبيته أم لاء. أليس هذا الأمر غريباً جداً و لا يقبله العقل السليم؟!!

الحكومة العراقية الحالية ضعيفة، لذلك تتبع نفس التكتيك الذي إتبعته الحكومة البعثية البائدة حين وقعت على إتفاقية 11 آذار 1970 مع القيادة الكوردستانية. كان حزب البعث في عام 1970 قد إستلم الحكم في العراق لفترة تقل عن سنتين و كانت هناك مراكز قوى متصارعة ضمن الحزب المذكور و أنّ الحزب لم يكن يسيطر على الجيش بشكل كامل، لذلك خططّ لتحييد شعب كوردستان و كسب الوقت لتحسين الظروف السيئة التي كان يمر بها، للقضاء على مراكز القوى المناوئة لمجموعة أحمد حسن البكر – صدام حسين و لتأمين ولاء الجيش لهما. إتخذ البعثيون تكتيكاً ذكياً لتأمين بقائهم في الحكم و ترسيخ سلطتهم، بالإتفاق مع القيادة الكوردستانية على تنفيذ بنود إتفاقية 11 آذار بعد مرور أربع سنوات على إصدارها، ليتسنى للحزب المذكور تثبيت دعائم حكمه خلال هذه الفترة. نجح في تكتيكه، حيث خدع القيادة الكوردستانية لكسب الوقت لتصفية مناوئيه و من ثم خدع الحزب الشيوعي العراقي و تحالف معه لضرب الثورة الكوردستانية في سنة 1974. هكذا يُعيد التأريخ نفسه من جديد، حيث مرت أكثر بقليل من خمس سنوات على تحرير العراق من الحكم البعثي و إرساء دعائم العراق (الجديد)، بدأت ينكشف الوجه العروبي للحكومة العراقية و بحياكة المؤامرات ضد آمال و طموحات شعب كوردستان، مرةً بالتهرب من تنفيذ الإستحقاق الدستوري المتمثل بالمادة 140، و أخرى بعقد إتفاقيات مع الحكومة التركية ضد الشعب الكوردستاني أو المحاولة بإحتلال كركوك عسكرياً و المُضي على خُطى حزب البعث في الإستمرار على تعريب الكورد و كوردستان.

على شعب كوردستان أن يعرف جيداً واقعه و يُخطط لحياته و مستقبله على ضوء هذا الواقع لينال حريته و إستقلاله و كرامته و يحقق التقدم و الرفاهية لنفسه، كباقي الشعوب المتحضرة الحرة التي تعيش على كوكبنا الأرضي. لو نظرنا الى خارطة التركيبة السكانية الإثنية و المذهبية و الدينية في العراق، لَنرى أن جميع المكوّنات العراقية تتم مساندتها و دعمها سياسياً أو مادياً أو عسكرياً أو إعلامياً من قِبل حكومات و قوى إقليمية و دولية، بإستثناء الشعب الكوردي الذي يفتقر الى دول أو قوى تدعمه و تدافع عن حقوقه. يجب أن لا ننسى بأنّ تلك الحكومات و القوى تُساند المكوّنات العراقية المختلفة و تتدخل في الشئوون العراقية لتمرير مخططاتها في العراق و في منطقة الشرق الأوسط و لحماية مصالحها و أهدافها، مُستغلةً الروابط الإثنية أو المذهبية أو الدينية التي تربط هذه الحكومات و القوى بالمكوّنات السكانية العراقية المتنوعة. بالنسبة الى السُنّة العرب في العراق، فأنهم يتلقون الدعم و التأييد من حكومة آل سعود الوهابية و الحكومة التركية و الأردنية و المصرية و كل القوى السُنّية في المنطقة و العالم، حيث أنّ هذا الدعم يرتكز على العنصر المذهبي و القومي. الحكومات الإقليمية السُنّية تدعم السَنّة العرب في العراق من منظور مذهبي – سياسي للوقوف بوجه نفوذ الشيعة في المنطقة و المتمثلة بالحكومة الإيرانية الشيعية و حلفائها، حكومة سوريا العلوية و حزب الله اللبناني و الحماس الفلسطيني (يشذّ حماس عن قاعدة التحالفات المذهبية بسبب الدعم الكبير الذي يلقاه من كل من الحكومتين الإيرانية و السورية و من حزب الله اللبناني) و شيعة العراق و الخليج و غيرها المنتشرين في المنطقة. من جهة ثانية، يلقى السُنّة العرب على دعم الحكومات العروبية و الإسلاموية، و خاصة النظام السعودي و الأردني و المصري لمنع إنتشار النفوذ الفارسي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط و العالم و التي تهدد وجود و مصالح هذه الأنظمة و للوقوف ضد الطموحات الكوردستانية، حيث يعتبرون إقليم جنوب و غرب كوردستان جزء من “الوطن العربي” و أنّ الكورد يعيشون على أرض عربية!! الشيعة العرب يتلقون الدعم و التأييد من الحكومة الإيرانية و السورية العلوية و القوى و التجمعات الشيعية في المنطقة و في العالم، حيث أنّ العقيدة المذهبية تربطها بالبعض و تستغلها الحكومة الإيرانية و السورية لتحقيق مطامحها و أهدافها السياسية. الكلدان و الآشوريون و الأرمن و السريان في العراق يكتسبون عطف و مساندة الفاتيكان و الحكومات الغربية و التي تشترك معاً في الإنتماء الديني. (تركيا) بدورها تحاول إستغلال التركمان في العراق، بالعزف على الوتر الطوراني، حيث قامت الحكومة التركية بتأسيس ما تُسمّى بالجبهة التركمانية و تمدّها بالمال و السلاح و تخدمها وسائل إعلامها. الهدف من تأسيس (تركيا) للجبهة التركمانية و إحتضانها لها هو إستخدامها لتنفيذ مخططاتها في منع الشعب الكوردي في العراق من التمتع بحقوقه القومية الذي يكون مُلهماً للكوردستانيين الشماليين للكفاح من أجل تحقيق تقرير المصير في الجزء الكوردستاني المحتل من قِبل (تركيا). لذلك نرى أنّ الجبهة التركمانية تتحالف مع بقايا أيتام البعث و تُعادي الشعب الكوردي، في الوقت الذي كان من المفروض أن تتحالف هذه الجبهة مع الشعب الكوردي، حيث أنّ الكورد و التركمان تعرضوا معاً للتبعيث و التعريب و الإبادة و العنصرية خلال حكم البعثيين. هذا يدل بوضوح على أنّ الجبهة التركمانية لا تُمثل القومية التركمانية و تعمل ضد مصالح التركمان و تدفعهم الى سفك دمائهم، بإختلاق إقتتال مع الكورد، خدمةً للمصالح التركية. الحكومة التركية لم ترفع صوتها بوجه الحكم البعثي البائد في العراق، حينما كانت الحكومة العراقية المذكورة تقوم بقتل و قمع التركمان و تعريبهم و تبعيثهم و تهجيرهم و سلب ممتلكاتهم و أموالهم. الآن بعد إنهيار سلطة البعثيين، تتبجح الحكومة التركية بالدفاع عن حقوق التركمان، في الوقت الذي يتمتع التركمان فيه بحريتهم و حقوقهم، حيث أنّ لهم أحزابهم و منظماتهم و جمعياتهم و صحفهم و إذاعاتهم و فضائياتهم و يتم التعليم باللغة التركمانية في مناطق تواجدهم. العامل المتغيّر الوحيد الذي دفع الحكومة التركية الى التباكي على إضطهاد التركمان في إقليم جنوب كوردستان، هو ظهور نظام حكم فيدرالي في العراق و تحسّن الظروف الكوردية، مقارنةً بعهد عمليات الأنفال و التعرّض للأسلحة الكيمياوية و الدفن في مقابر جماعية، و تمتع الكورد بحق المشاركة في حكم العراق و حكم إقليمهم ذاتياً، و الذي يدفع الكرد الشماليين الى تكثيف كفاحهم للخلاص من عمليات التتريك و القتل و التهجير و الإضطهاد و التجويع. إنّ النهضة و اليقظة الكوردستانية في إقليم شمال كوردستان تُشكّل كابوساً للقوى العنصرية التركية و لذلك يحاولون يائسين في عرقلة و منع الشعب الكوردستاني من التحرر و الوصول الى أهدافه بكل الوسائل، و منها إستخدام الجبهة التركمانية، لخلق المشاكل بين الكورد و التركمان و توتير الأجواء بين الجانبين و إبتزاز الكورد للحصول على المزيد من التنازلات السياسية و إلغاء الفيدرالية في العراق و إرجاع عجلة الزمن الى الوراء لإستعباد الكورد من جديد.

ليست هناك حكومة أو قوى تدعم حقوق الشعب الكوردي، حيث تقف الحكومات الإقليمية التي تحتل كوردستان ضد طموحات هذا الشعب العريق، بل تتحالف تلك الحكومات مع بعضها، رغم تناقضاتها و تنافر مصالحها، للوقوف بوجه المطامح الكوردية و إخضاع الشعب الكوردستاني بالحديد و النار. من الممكن أن يستطيع الشعب الكوردستاني الحصول على بعض الدعم المعنوي من الدول الديمقراطية المتحضرة و منظمات حقوق الإنسان و منظمات المجتمع المدني. هذا الدعم المعنوي البسيط، يتعارض مع المصالح الإقتصادية و السياسية التي تربط الحكومات الديمقراطية مع الأنظمة المحتلة لكوردستان و الأنظمة الإقليمية العروبية. من هنا يجد الشعب الكوردستاني نفسه وحيداً بلا حلفاء حقيقيين، حيث لا مصالح كبيرة للدول الكبرى مع شعب كوردستان الذي يفتقد الى كيان سياسي، ليكون مؤهلاً لبناء علاقات سياسية و إقتصاية مع دول العالم و يؤسس مصالح مشتركة مع هذه الدول. لذلك يجب على شعب كوردستان الإعتماد على نفسه و خلق مستلزمات التحرر و الإستقلال. تصل نفوس الكورد حوالي خمسين مليون نسمة، أي ثاني أكبر قومية في منطقة الشرق الأوسط، بعد العرب. تسعون بالمائة من مصادر مياه دجلة و الفرات تنبع من كوردستان و تزخر باطن كوردستان بالبترول و المعادن المختلفة. شجاعة الكورد و تضحياتهم و عشقهم لوطنهم و للحرية، معروفة في العالم. له كفاءات بشرية جيدة في مجال العلوم والتكنولوجيا. عليه يحتاج الكورد فقط الى التوعية القومية الإنسانية المعاصرة للقضاء على العلاقات العشائرية المتخلفة و الإنغلاق الحزبي الأناني و يجعلوا المصلحة الوطنية و القومية فوق المصالح الشخصية و العائلية و العشائرية و الحزبية. التشبّع بالفكر القومي المعاصر هو أول شرط من شروط التحرر الوطني. النقطة الثانية هي تحديد الهدف الذي هو الإستقلال و التحرر و تقدم و رفاهية الإنسان الكوردستاني. توحيد الكلمة الكوردستانية و بناء جبهة موحدة على نطاق كوردستان كلها، هو أحد أركان مستلزمات النجاح في الوصول الى الهدف. تحديد وسائل حضارية ناجحة للوصول الى الهدف هي من الركائز التي تستند عليها حرية شعب كوردستان. مما تقدم، نرى أنّ شعب كوردستان تتمتع بطاقات بشرية خلاقة و ثروات مائية و بترولية و معدنية ضخمة. كل ما يحتاجه الشعب هو الوعي الوطني و تحديد الهدف و توحيد الصفوف و خلق متطلبات النجاح، أي بمعنى آخر أن الظروف الموضوعية ممتازة للشعب الكوردستاني و أنه يحتاج الى تطوير ظروفه الذاتية لتصبح بمستوى الظروف الموضوعية و الذي سيؤمّن الحرية و الإستقلال و المساواة للشعب الكوردستاني.

من مستلزمات خلق ظروف ذاتية جيدة للكوردستايين في إقليم جنوب كوردستان، هو توفير مقومات الأمن القومي الكوردستاني التي تشمل الأمن الغذائي و الإقتصادي و الصناعي و الزراعي و العلمي و التكنولوجي و الإجتماعي و السياسي و الصحي و البيئي و النفسي و العسكري و الإستخباراتي و غيره. هذا يعني العمل على الإكتفاء الذاتي في الغذاء و في مصادر الطاقة و التقدم في مختلف مجالات الحياة و تهيئة الكفاءات البشرية في تلك المجالات و وضع خطط قومية علمية للتنمية و التقدم و التطور و التمسك بالنظام الديمقراطي و بحرية العقائد و الآراء و المرأة و الصحافة و التداول السلمي للسلطة و توفير كافة الخدمات للشعب و العناية بالطفل و بكبار السن. بإختصار، تحتاج حكومة إقليم كوردستان الى الإنتقال من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة و سيادة القانون و الإعتماد على التكنوقراط و المثقفين و الأكاديميين في بناء الوطن و تطوره. إنّ الإعتماد على الدول المحتلة لكوردستان في المواد الإستهلاكية و الطاقة و إعمار كوردستان، هو خطأ إستراتيجي خطير، سيؤدي بدون أدنى شك الى إنهيار التجربة الكوردستانية و فشلها و يكون نقطة ضعف قاتلة في تجربة الإدارة الكوردستانية في إقليم الجنوب. بدون تحقيق مقومات الأمن القومي الكوردستاني لا يمكن لشعب كوردستان أن يتمكن من الوصول الى أهدافه و لا يستطيع الصمود بوجه الضغوط و الإبتزازات التي يتعرض لها الكوردستانيون عراقياً و إقليمياً و دولياً. طالما يعتمد شعب كوردستان على (تركيا) و إيران في غذائه و وقوده و كهربائه و مستلزمات عيشه، و طالما تمرح المخابرات التركية و الإيرانية بحُرّية على أراضي جنوب كوردستان و يعتمد الإقليم في البناء و الإعمار على شركات هاتين الدولتين المحتلتين لكوردستان، فأنّ الشعب الكوردستاني سيبقى فاقداً لحريته في تقرير مصيره و إتخاذ قراراته و سيبقى عاجزاً عن التصدي للتهديدات و الضغوط و الإبتزازات التي يتعرض لها من قِبل الحكومات التركية و الإيرانية و العراقية.

فيما يتعلق بخلق مقومات قوة يرتكز عليها شعب كوردستان في مسيرته نحو تحقيق أهدافه الوطنية، فأنّ العلاقة بين الشعب و الحكومة الكوردستانية يجب أن تكون شفافة. يجب إشراك الشعب في تقرير كافة القرارات الهامة المتعلقة بالشعب الكوردستاني و إعلامه الإستراتيجيات و الخطط و البرامج و الخطوات التي تقوم بها حكومة الإقليم لإشراك الشعب في صنع القرارات و تحمّل المسئولية و الذي يخلق بدوره إلتحاماً حقيقياً بين الشعب و الحكومة و يخلق ثقة متبادلة بين الشعب و السلطة و يجعل الكوردستانيين يقفون صفاً متراصاً في مواجهة التحديات و التهديدات و يسيرون في خطى حثيثة و على أرضية صلبة نحو الحرية و التقدم. إنّ حجب خطط و برامج الحكومة الإقليمية عن الشعب الكوردستاني و قيام الحكومة الإقليمية بإبرام التحالفات و الإتفاقيات السياسية و الإقتصادية في غرف مظلمة، من وراء الستار، بعيدةً عن أنظار الشعب، كما يحصل الآن، كما تقوم بها الأنظمة الدكتاتورية و الشمولية، يعمل على خلق هوة كبيرة بين الشعب و الحكومة و تجد الحكومة نفسها معزولة شعبياً، عاجزةً عن مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها و التصدي لها. في الوقت الذي تهمل الحكومة الكوردستانية الإقليمية إشراك الشعب في إتخاذ القرارات المصيرية و عدم إطلاعه على ما تُبرمه من تحالفات و إتفاقيات، فأنّ الحكومة كلما تواجه مشكلة مع الحكومة المركزية و الحكومات الإقليمية و الدولية، فأنها تلتجئ الى الشعب و تستغيث به.

من المفيد إثارة نقطة هامة أخرى، فيما يتعلق بمصير و مستقبل شعب كوردستان، وهي معرفة القيادة الكوردستانية بأنّ تبؤ الحكم و تحديد مصير الشعب الكوردستاني، هو مسئولية وطنية تأريخية كبرى، يجب تحملّها بأمانة و إخلاص. إنّ إستلام مقاليد الحكم يُلقي مسئولية كبرى على عاتق الحُكام للعمل على تحقيق أماني الشعب في الحرية و الكرامة و الحياة الكريمة. كما أنّ هذه المسئولية تتطلب الكفاءة و الحكمة و الإخلاص لدى أصحاب السلطة. الحُكام يتحملون مسئولية الفشل و الإخفاقات و الإنتكاسات التي يتعرض لها الشعب و في نفس الوقت يمنحهم الشعب التقدير و التثمين على النجاحات و الإنجازات التي يحققونها للشعب. عليه، فأنّ الحاكم مسئول أمام الشعب و أمام التأريخ عن كل الأثار الإيجابية و السلبية الناتجة من أعماله. لا تُقبل أي تبريرات لفشله في الحكم، لأنّ الحاكم عندما يقبل مُهمّة السلطة، فأنه بذلك يوافق على تحمّل مسئولية الحكم و القبول بنتائج أعماله، سلباً أو إيجاباً. إذا ما شكّك الحُكام الكوردستانيون بإفتقارهم الى الكفاءة و الجدارة و شعروا بالعجز في تحمّل المسئولية التأريخية المُلقاة على عاتقهم لتحقيق مطامح و أهداف شعب كوردستان، فعليهم التنحّي جانباً و ترك السلطة لأفراد مؤهلين لتحمّل أعباء المسئولية و قيادة الشعب الكوردستاني الى حيث الحرية و الكرامة و الرفاهية. عندما يتحمل الأفراد مسئولية الحكم في كوردستان فأنهم يتحملون مسئولية أي فشل في تحقيق شعب كوردستان لحقوقه و لا يمكن قبول تبريرات بتحميل عوامل خارجية في التسبّب في ذلك الفشل لأنّ القضية الكوردستانية تخصّ الشعب الكوردستاني و على الكوردستانيين الإعتماد على أنفسهم في نضالهم من أجل حريتهم و إستقلالهم و لا يمكن تحميل الأمريكيين أو الإسرائيليين أو التدخل التركي و الإيراني مثلاً في تبرير فشل الكوردستانيين في تحقيق أهدافهم، حيث يجب أن ندرك بأننا نعيش في عالم متغيّر تتعارض و تلتقي فيه المصالح و الأهداف و تتشابك فيه السياسات و هي في تغيير مستمر. القيادة الكوردستانية الناجحة هي مَن ينجح في وضع خريطة عمل للقضية الكوردستانية المبنية على المعادلات السياسية الذاتية و الإقليمية و الدولية و أن تقود السفينة الكوردستانية في وسط تلاطم أمواج المياه و عنف الرياح الى حيث شاطئ الحرية و الكرامة و الرفاهية. إنّ شعب كوردستان ليس بفئران المختبرات لإجراء الإختبارات عليه، بل أنه ضحى بالكثير من دمائه و ماله و لا يتحمل التعرض الى مزيد من الأنفال و المقابر الجماعية و التعرض للسلاح الكيمياوي و للتشريد و التعريب و الذل و الهزائم.

لِندع الشعوب العائشة في بلاد الرافدين تُقرر مصائرها بنفسها، دون وصاية و نسمح لها في إستفتاء شعبي حر أن تختار هذه الشعوب حياتها و مستقبلها، دون أن يدّعي أحد بتمثيله لها. في هذه الحالة فقط نحافظ على دماء العراقيين و أموالهم و نفسح المجال لهم للعيش بأمان و طمأنينة، بعيدين عن أهوال الحروب و مآسي العنف. في هذه الحالة فقط ندع الجميع يتفرغون للبناء و الإعمار و التقدم و التطور. بهذه الطريقة فقط نمارس الأساليب الديمقراطية و نحترم إرادة الشعوب و حريتها و تتحقق مساواة الشعوب و عدالة الإنسان و سموّه.


http://www.wattan4all.org/wesima_articles/articles-20060123-10245.html الرابط الأول:

http://www.wattan4all.org/wesima_articles/articles-20060123-10245.html الرابط الثاني: