الرئيسية » مقالات » انقلاب ( ِوِلدْ العم ) في موريتانيا

انقلاب ( ِوِلدْ العم ) في موريتانيا

كان العام 1978 عام الحسم بالنسبة لحزب البعث الفاشي ضد كافة القوى الوطنية اليسارية والدينية وخاصة الحزب الشيوعي العراق وحزب الدعوة الإسلامية . فقد استطاع حزب العفالقة أن يوطد أركان حكمه على ارض الرافدين مستفيدا من لعبة السياسة القذرة التي أطلق عليها في حينها ( الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ) التي أقيمت على حساب ودماء أبناء العراق المظلومين ، والتي لم تتم محاسبة من خطط وشارك بالمساهمة في تلك الكارثة بتدمير وتخريب الوطن العراقي وتوطيد حكم الفاشست العنصريين . لا بل وقف البعض منهم مع الحزب الفاشي وسجلوا في خانة ( الصف الوطني ) أيام تسلطه بعد هجمتهم الفاشية على الحزب الشيوعي وتصفية كوادره الوطنيه الشجاعة ، ولم يلبثوا أن عادوا مهرولين لتسنم مقاعدهم داخل حزب الطبقة العاملة العراقية منتشين فرحين بعد سقوط نظام ( صفهم الوطني ) تاركين المناضلين الحقيقيين مبعدين ومهمشين .
وقد وصلنا في صيف ذلك العام ونحن مجموعة تعد على الأصابع – من الشباب الهاربين من مقصلة البعث قبل أن يرفع الجميع وبضمنهم البعثيين راية المعارضة الكاذبة بغية اللجوء للخارج – إلى المغرب حيث سبقنا للعاصمة الرباط الصحفي الرائع عامر بدر حسون والمرحوم الشاعر مصطفى عبد الله ومجموعة من المدرسين وكان بصحبتي عبد الرضا عبيد ( الأنصاري أبو ماجد ) فيما بعد المقيم في رحاب السيدة زينب في دمشق الشام حاليا .
وفي يوم من شهر أكتوبر / تشرين أول من نفس العام كنت ذاهبا لمطار الدار البيضاء ( كازابلانكا ) لتوديع أصدقاء من أهل البصرة صادفتهم في الدار البيضاء ، وعند شباك قطع التذاكر للباص الذاهب للمطار سألني شخص بطريقة مهذبة ويده مثقلة بحقيبة السمسونايت : الأخ ذاهب للمطار ؟ أجبته بالإيجاب ، فعاد يسألني مستفسرا كون لهجتي ليست مغربية ، فأخبرته بأنني عراقي ، واستبشر الرجل فرحا وقال أنت بغيتي ومن أريد . ثم سألني قائلا : هل تقدم لي خدمة ؟ ، اجبيه : حاضر ، لكن ما الذي تريده ؟ . وقدم الشاب نفسه بأنه سكرتير مدير البنك المركزي الموريتاني ، وهو مشغول جدا مع الوفد الرسمي الزائر للمغرب ، وبمعيته طالب موريتاني يود أن يوصله للمطار ويحصل له على ” اوكي ” على طائرة الخطوط الجوية العراقية الذاهبة إلى بغداد اليوم .
أبديت له استعدادي للمساعدة ، فاشر لشاب يقف بعيدا عنا ولا يتعدى عمره السابعة عشر ، وتلفظ بسرعة قائلا ( أخوك پیاوه ) ، ثم اخرج الكارت الشخصي له وسلمني إياه وهو يدعوني لزيارته لأكون ضيفا عليه في نواكشوط ، ثم تركني والشاب الذاهب لعاصمة الرشيد مهرولا .
ومد الشاب يده لي وهو يقدم نفسه ( پیاوه الحساني ) ، سالت الشاب الاسمر القصير الذي يحمل سحنة ولهجة اهل اليمن : هل انت حساني ؟ ، اجاب نعم نحن في موريتانيا معظمنا من قبيلة بني حسان . قلت له انا ايضا حساني ، وعشيرتنا في العراق تمتد من وسط العراق حتى جنوبه بمحاذاة نهر الفرات . واسرع الشاب يحتضنني مستبشرا وهو يردد ( اهلا بولد العم ).
وفي الباص الذي تحرك ووجهته المطار راح ( پیاوه ) ولا ادري من أي استقى أهله الاسم يحدثني بفخر واعتزاز عن قبيلة الحسانيين ، وهم خيرة أهل البلد هناك ومثقفيه ، ثم استدرك قائلا ستقابل في المطار أولاد عمك من الوجبة الأولى من الطلبة الضباط الذاهبين للدراسة في الكلية العسكرية في بغداد ، فكلهم حسانيين ، وأنا سأكمل الدراسة الثانوية ببغداد .
وبدقائق أكملت له الاوكي على الطائرة العراقية الذاهبة لبغداد بعد سلام وصباح واخذ ورد مع فاتنة من عاصمة الرشيد تجلس في مكتب الخطوط الجوية العراقية وزميلة لها آنذاك ، ووقفنا نتحدث سويا في صالة المطار عندما صاح ( ِولدْ عمي ) الموريتاني : ها هم أولاد عمك قادمون . وبلحظات تجمع حولنا رهط من الشباب الأسمر وهم يرتدون بنطلونات عسكرية خاكيه وقمصان زيتونية غامقة وبرؤوس عارية ملقين السلام على رفيقهم الذاهب معهم لعاصمة العباسيين ، اشر الشاب نحوي وهو يقول لهم سلموا أولا على ابن عمكم الحساني . وانبرى احدهم يسألني بلهجة ودودة أنت حساني .. من أي بلد ؟ أجبته من العراق . وبسرعة البرق احتضنني الشاب ’مقَبلا ًوخلفه الجمع الذي يقارب العشرين كلهم رحبوا بي بمودة فائقة ، وأشبعوني تقبيلا ، وهم يرددون فرحين ( أهلا بولد العم ) . ووقفوا يتحدثون معي وهم يسالون عن بغداد والعراق وأنا أرد على أسئلتهم ، وقال الشاب الذي بادرني بالسلام وهو يبدو أكثر صحة وامتلاء من الآخرين ، ويبدو انه مسؤول أو رئيس المجموعة : وددنا لو تكون معنا على الطائرة لنذهب سويا لبغداد . وأيد قوله الآخرين . وقلت له : سنلتقي يوما ما، فقال سنلتقي حتما في بغداد . أجبته برد العاجزين التقليدي : إنشاء الله . رغم إن الشاب الممتلئ القادم من بلاد شبه صحراوية والمعجون بقيم البداوة النقيه لا يعرف إنني هارب من ظلم وضيم عاصمة الرشيد الذي يحلم بالوصول إليها مثله مثل سلفه الشاعر البدوي العباسي المتبغدد من بعد ذلك والذي أضيف لاسمه لقب ( البغدادي ) ” علي بن الجهم البغدادي – ت سنة 863 م – ” البدوي الجلف الذي دخل على الخليفة المتوكل العباسي ( أبو الفضل جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي (205-247 هـ). أمه أم ولد تركية اسمها شجاع ) ، وانشد قصيدته التي مدح بها المتوكل :
أنت كالكلب في حفاظـك للـود … و كالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـواً … من كبار الدلا كثيـر الذنـوب
وهو ما أثار حفيظة حاشية المتوكل الذين هموا به ومنعهم المتوكل وهو يقول لهم اتركوه يتبغدد ، ليرجع بعد فترة وينشده :

عيون المها بين الرصافـة والجسـر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن … سلوت ولكن زدنَ جمرا على جمر ِ
خليلي مـا أحلـى الهـوى وأمـره … أعرفنـي بالحلـو منـه وبالمـرَّ !
كفى بالهوى شغلاً وبالشيب زاجـراً … لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر
بما بيننا مـن حرمـة هـل علمتمـا … أرق من الشكوى وأقسى من الهجر ؟
و أفضح من عيـن المحـب لسّـره … ولا سيما إن طلقـت دمعـة تجـري
وإن أنست للأشياء لا أنسـى قولهـا … جارتها : مـا أولـع الحـب بالحـر
فقالت لها الأخرى : فمـا لصديقنـا … معنى وهل في قتله لك مـن عـذر ؟
صليه لعل الوصل يحييـه وأعلمـي … بأن أسير الحب فـي أعظـم الأسـر
فقالـت أذود النـاس عنـه وقلـمـا … يطيب الهـوى إلا لمنهتـك الستـر
و ايقنتـا أن قـد سمعـت فقالـتـا … من الطارق المصغي إلينا وما ندري
فقلت فتـى إن شئتمـا كتـم الهـوى … وإلا فـخـلاع الأعـنـة والـغـدر
فقال المتوكل : أوقفوه ، فأنا أخشى أن يذوب رقة و لطافة ! ، وبدل أن يوقف بن الجهم شعره للخير فقد أوقفه للشر وبالضد من آل بيت النبوة الأخيار ، وأصبح وهو القرشي يسخر شعره من اجل إقناع المتوكل بشتم آل بيت الرسول والحط منهم. وهو ما كنت أخافه على الرهط الذاهب لبغداد وأنا أودعهم عند باب المغادرين في داخل المطار من إعادة تكوين قيمهم البدوية الأصيلة ، وأخلاقهم وطباعهم بفعل جند الخليفة الذي كان يجلس على كرسي الخلافة في بغداد والذي يبشر بنظرية الخوف الأزلي وقراءة نوايا الفرد من نظرة عينية ليذيقه عذاب السعير . وبالفعل فقد عاد ( ِوِلدْ العم ) وكلهم مشبع بالروح الانقلابية التي يتبناها الفكر البعثي الفاشي وتتصدر نظامه الداخلي وتتالت الانقلابات على البلد الصحراوي الفقير من ضباط تدربوا تحت خيمة البعث الفاشي .
بقي أن أقول إنني لا زلت أتذكر ملامح الشاب الممتلئ والذي بادرني بالتحية فهي نفس ملامح ( ِولدْ عمي ) القائد الجديد للانقلاب الموريتاني ( الجنرال محمد ولد عبد العزيز ) الذي أطاح بالحكومة الشرعية المنتخبة التي كانت بقيادة الرئيس السابق ( سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ) صباح الأربعاء من هذا الأسبوع . منتظرا أن يهتم بي ( ِوِلدْ عمي) فأنني لم الق أي اهتمام من ( ِولد العم العراقيين ) لان طلعوا مثل ما يقول المثل العراقي ( مابيهم خير ) ، واقصد هنا
( ِولدْ العم ) من العرب والكورد .

* شروكي من بقايا القرامطة وحفدة ثورة الزنج
www.alsaymar.com