الرئيسية » مقالات » هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟ ـ 2 ـ

هل هناك تغيّر في الستراتيجية الأميركية في المنطقة ؟ ـ 2 ـ

ان نمو الصراع الذي لم يحسم للأقطاب الدولية المتعددة، كشف عن منطق اكثر تنوعاً من منطق الصراع في ” الحرب الباردة ” . بعد ان صارت القوة العسكرية لوحدها لاتؤشر على التفوق الثابت او الدائم، اثر دخول عوامل جديدة في عداد التحكّم بالتفوق، كالأقتصاد وآلياته المتجددة، العلوم والتكنولوجيا، المؤسسات المالية، الثقافات والأديان، العوامل الجيوسياسية المتنوعة، البيئة، النفط والطاقة والخامات والمياه . . اضافة الى نشوء كيانات دولية تحمل طابع السوق السوداء، سواء كانت مالية، عسكرية، شركات حماية ومرتزقة مدفوعي الثمن، وغيرها من التي لاسيطرة نظامية حقيقية عليها، جاهزة لمن يدفع اكثر ، و تزايد دور و تفاعل عوامل ذات الطابع الدولي والمتعدي الجنسية ايضاً، كفرق الأرهاب، المخدرات وغيرها.
اضافة الى النمو المخيف لأقتصاد الأزمات و المضاربات و الفساد الأداري والرشوات، والسرقات والأختلاسات . . الذي زاد من نمو الجريمة المنظمة ذات الأذرع الدولية، و من تحكّم المافيات المتسترة بستائر الأديان والطوائف و غيرها . . بعد ان تزايد غياب التخطيط و سريّته وسيطرت الفوضى والعنف والنهم الذي اخذ يؤدي الى صعود فئات هامشية متنوعة تعتمد العنف والأرهاب … بسبب تزايد مناطق اللااستقرار وغياب و ضياع القانون لأسباب غاية بالتنوع .
في ظروف يتزايد فيها الضياع الإنساني بسبب تزايد الفقر و الجهل و يتصاعد فيها العنف و نزعات : الحقد والكراهية، حساسية الأديان والطوائف وتزايد الصراعات الدموية لأطرافها الأكثر تطرفاً، التي ان تسببت بها القوى الأكثر تطرفا للأسلام السياسي . . تسببت بها الحروب و سياسات العنف و الغطرسة التي تحرّكها الأوساط الأكثر تطرفا و عنفاً في المجمع الصناعي العسكري النفطي، بدوسها على التاريخ باسم ” نهاية التاريخ ” و بان ” التاريخ يبدأ من حيث انفردت الإدارة الأميركية (1) كقطب وحيد يسيطر على العالم ” ، و بدعوة الدين ليلعب دوره، مسخرة لذلك انواع اللوجات السرية و المنظمات الكنائسية والكنسية الأصولية المتطرفة المقابلة، بعد ان ازداد زخم نشاطاتها في تقويض المعسكر الشرقي منذ بدء انهياره .
من ناحية اخرى، و فيما اعادت البلدان و التكوينات و الأتحادات الصناعية، المالية المنافسة للمجمع الصناعي العسكري النفطي الأميركي، اضافة الى بلدان الخامات المتنوعة الكبرى . . ترتيب بيتها بذات الآليات، و تصعيد وتائر تطورها بشكل منافس مذهل في آسيا كما مرّ . اضافة الى نمو و صمود الأتحاد الأوروبي، تزايد التقارب الآسيوي ـ الأميركي اللاتيني والآسيوي ـ الخليجي.
فانها حققت زيادة تقارب وتفاعل و اعادة اصطفاف رؤوس الأموال وهجرتها بشكل مغاير لما ارادته الإحتكارات الأميركية الأكثلر نفوذاً . . في وقت يرى فيه متخصصون، ان تزايد نشاط رؤوس الأموال الأميركية المتعدية الجنسية الأكبر انما يجري في مجالات العسكرتاريا و آليات احكام السيطرة على موارد الطاقة والنفط الخام والغاز، باعتبارها الشريان الرئيسي الذي يحقق لها انفرادها كقطب اعظم عسكري صناعي نفطي وسياسي وحيد، بسيادة العالم، الذي لم ولا تساوم عليه حتى الآن . .
وفيما سعت الرساميل و الإحتكارات الغربية و في مقدمتها الأميركية الكبرى . . الى توظيف الفوضى الناشئة من انهيار المعسكر الشرقي و نشطت باتجاهات سمتها ” الفوضى الخلاّقة “، محاولة بذلك اعادة ترتيب العالم وفق مصالحها و من اجل تحقيقها اعلى الأرباح بأسم ” الديمقراطية ” . . فإنها باتباعها نهج ” الضربات الوقائية “، بعد انفراط عقودها مع حلفاء الأمس حين اجتمعوا معاً على مواجهة العدو المقدّس الأخطر . . ( الخطر الشيوعي ) ! على اساس مواجهة المقدّس بالمقدّس !!
تسببت بزيادة وتيرة العنف في العالم و بتزايد النشاطات الأرهابية المتنوعة و على رأسها منظمة القاعدة الإرهابية، و تزايد نشاطات الدوائر الأكثر عنفا في ايران وفي مقدمتها ” فيلق القدس ” و ” حرس الثورة الأسلامية ” . . مؤدية بذلك الى تزايد الفوضى بشكل رهيب، اوقعها بكثير من المشاكل والخسائر من جهة ، و الى تزايد طغيان و انفراد الإحتكارات النفطية العسكرية الصناعية الأميركية التي استغلت وتستغل الفوضى باسم ” قوننة الفوضى ” !
وفيما يرى مراقبون ان خطأ الأدارة الأميركية الحالية يتجلى في اعتمادها على النهج العسكري، واصرارها على السير بمفاهيم المرحلة الماضية وقصور تحديثها لدوائرها، اضافة الى النظرة المتعالية المقتصرة على النظر الى اهمية المنطقة الستراتيجية الأقتصادية الحالية، دون التعمق بتأريخ المنطقة و شعوبها و اقوامها و بالتالي دون التعمق بكينونة انسانها .
ويتساءل آخرون : متى سيعرفون المنطقة ؟ متى سيعرفون تكويناتها التي ان بنت حضارات سادت وافلت، فان اقوامها هم ورثة ذلك التأريخ الغني الذي لايزال يفعل فعله على كل تناقضاته في كيان و احلام و طموحات وتكوين ابنائها و انشدادهم الى ارضها، بل هم وبكل التناقضات و الشوائب و النواقص ورثة تلك الأقطاب البشرية التي تفاعلت مع الأقطاب الأخرى في تكوين الأرث و الحضارات الإنسانية، وانهم ليسوا اداة طيّعة كما عبّر الجنرال زيني (2) في التسعينات بقوله : ” ان التأريخ يبدأ من وجودنا في المنطقة ” على غرار تقديرات و تفكير و سلوك المستوطنين الأول في القارة الأميركية و مواجهاتهم اللاأنسانية للهنود الحمر (3).
في ظروف ترى اوساط خبيرة فيها، ان دولاً صناعية كبرى لاتريد واخرى انسحبت من الخطط والوصاية الأميركية بطرق متنوعة . . اضافة الى دولٍ كبرى اخرى يبدو انها تلعب دور المنتظر و المراقب ـ الدور الذي لعبته الولايات المتحدة ذاتها عندما ماطلت بفتح الجبهة الثانية في الحرب العالمية الثانية، حين انتظرت انهيار دول اوروبا لتفرض شروطها عليها وهي خربة ومفلسة ـ وخاصة بعد ان ابتدأت الأدارة الأميركية بفرض انفرادها بتقرير مصير العراق وثرواته وفي مقدمتها النفط الخام وموقعه الستراتيجي المتنوع، وحرمتهم من حصصهم من كعكته.
وفيما تزايدت في المنطقة . . رقعة الخلافات السعودية ـ الأميركية وتزايد اقبال السعودية على الصين الذي ترجم بالحجم العملاق للأتفاقات الأقتصادية النفطية الصينية ـ السعودية، اضافة الى تزايد اقبال دول الخليج على اليابان و الهند والأتحاد الأوربي، اضافة الى الصين و روسيا، لعروضها الأكثر اغراءاً ومرونة، مقابل النفط والغاز القابلين للنضوب.
و تزايد الدور العسكري الأيراني المتوع فيها، من التهديد النووي، الى التدخل المتنوع السافر بشؤون العراق وخاصة من خلال الوحدات المقاتلة و الساندة العلنية و السرية لـ ” حرس الثورة ” و ” فيلق القدس ” الذي اخذ يستفزّ قوى واوساطاً عراقية و عربية متنوعة، وخاصة بعد ثبوت ضلوعهما بالتنسيق و التعاون المتنوع مع القاعدة في اكثر من منطقة في العراق .
تشير مصادر اعلامية اوروبية واميركية متواصلة الى حصول تغييرات نوعية في توازن القوى الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية، كنتائج لسياسة ادارة بوش والأحتكارات الساندة لها ، من انفجار فقاعة الأسهم وتراجع حضور ول ستريت، وانفجار الفقاعة العقارية وإفلاس عدد من كبريات المصارف، وصناديق التمويل، والرهونات العقارية، الى تدهور غير محسوب في موقع وسلطة : قطاع المال والمصارف و التأمين بشكل خاص . اضافة الى بروز نتائج السياسات الاجتماعية التي كشفها إعصار كاترينا، والاعفاءات الضريبية للشركات وكبار المتمولين والمضاربين، وتصفية عدد كبير من شبكات التأمين و الضمان الاجتماعي و تزايد تخلف التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والحجم الفلكي الجديد للمديونية . .
كل ذلك وغيره اخذ يترك ضغوطاً على الستراتيجية و السياسة الأميركية . . ففيما يرى مراقبون و خبراء دوليون ان ستراتيجية الإحتكارات الأميركية الهادفة الى ادامة سيطرتها لوحدها (4) على منطقة الشرق الأوسط و الخليج و الحفاظ عليها كمصدر متحكّم للطاقة، والى السعي الى حرمان الآخرين منها دون اذنها . . اضافة الى الأهمية البالغة للأحتفاظ بالمنطقة لأهميتها السياسية، الدينية و الفكرية، في صراعات عالم اليوم . .
والحفاظ عليها لها كسوق لتصريف منتجاتها الصناعية والعالية التصنيع وخاصة السلاح المتطوّر باقيامه الخيالية .. بادامة و احتواء العنف فيها واستمراره في صراع من نوع آخر كثير الغموض، متبادل وفق التوقيتات (5) ، يحاول التأقلم و الأنسجام تحت رايات ( الديمقراطية) التي تطالب بها في الواقع شعوب المنطقة التي تصطلي بنيران صراعاتها التي تُغذىّ من دوائر ستراتيجية عليا .
فانهم يرون ان تلك الستراتيجية الأميركية لم تتغيّر في الجوهر بل تعززت اكثر، رغم التغيّر العالمي الهائل و هبوب رياح الحرية في العقد الأخير من القرن الماضي، الذي ارغمها على السير على طريق منسجم معها، فانها تواصل السير المتنوع الذي تفرضه طبيعة صراعات المنطقة و تطورها و العوامل الأخرى الفاعلة بها، و نشاطات الأقطاب الإقليمية و الدولية الأخرى و حاجاتها ووسائلها و اساليب مناوراتها . . واخيراً و رغم اعتذار الرئيس بوش على الأخطاء الجسيمة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط طوال اكثر من نصف قرن مضى على حد قوله ( راجع خطاب جورج دبليو بوش حول حال الإتحاد اوائل 2002 )
تثبّت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وبوضوح اكثر مما طرحه مشروع بيكر ـ هاملتون آنف الذكر ، حين توضّح انه :
(( مع ان السياسة الأميركية ( الديمقراطية و الجمهورية) في الشرق الأوسط طيلة العقود الستة الماضية ركّزت على المزاوجة بين حقوق الإنسان و تعزيز التطور الديمقراطي ، الاّ انها كانت دوماً تركّز بشكل استثنائي على الإستقرار . .
و انها كانت قائمة على مساومة تقوم على الدعم الأميركي للنظم السلطوية وفي المقابل تعمل هذه الأنظمة على تحقيق الاستقرار الذي تسعي إليه الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها. ولكن بعد 11 سبتمبر اتضح أن تلك المعادلة لا تُساعد على تحقيق الاستقرار، وإن كانت تحققه فإنه استقرار لا يفيد المصالح الأميركية؛ حيث شهدت المنطقة زيادة نفوذ المنظمات الأصولية لاسيما تنظيم القاعدة الذي أصبح يتبني مفهوم استهداف ” العدو البعيد ” ـ في محاولة لتبرير اهمية تواصل وجود القوات الأميركية في المنطقة / م. ب ))
و لتثبّت بتفاصيل كثيرة وواضحة ان هدف السياسة الأميركية في المنطقة في الزمن الراهن هو ليس تحقيق الديمقراطية فيها !! لأسباب تصفها بالموضوعية . . وانما هدفها الأساس هو تحقيق الأستقرار الذي يضمن مصالح الولايات المتحدة الأميركية !! . . ولتضع بذلك النقاط على الحروف لتفسير مجاهيل سير الأحداث وآفاقها في المنطقة وفي العراق بالذات، من وجهة نظر السياسة الستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة و التي تترك ثقلها في تطورات العراق اليوم ، وكما سيأتي . ( راجع ” التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط ” كوندوليزا رايس ، تموز 2008 ) . (يتبع)


7 / 8 / 2008 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. وبالأصح الجهات الأكثر تطرفاً في الإدارة .
2. قائد القوات الأميركية الوسطى آنذاك .
3. مع الأعتذار لقضية الهنود الحمر الأنسانية. و رغم اعتذار ادارة الرئيس كلنتون على لسان احد مبعوثيه فقط شفهياً عنها بعد ان مضى اكثر من قرن و نصف على حصولها .
4. بعد غياب القطب الشرقي المنافس .
5. وعلى سبيل المثال الخبر الهام التالي الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية مؤخراً :
واشنطن ـ وكالات ـ قالت وزارة الدفاع الأميركية أنها بصدد بيع معدات عسكرية للعراق بقيمة تزيد على 9 مليارات دولار . ويشمل المشروع بيع 392 عربة مصفحة خفيفة وأجهزة إرسال وأسلحة مضادة للدروع تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار، وفق وكالة التعاون في مجال الدفاع والأمن. كما يشمل المشروع بيع عربات أخرى مصفحة بينها 140 دبابة من نوع “أبرامز” وسيارات إسعاف مصفحة بقيمة مليارين و 160 مليون دولار. وتقترح وزارة الدفاع كذلك بيع مروحيات بقيمة مليارين و 400 مليون دولار وقذائف صاروخية وقذائف هاون وأسلحة رشاشة وقاذفات صواريخ. كما يمكن للبنتاغون أن يقدم للعراق مساعدة تقنية لبناء ثكنات أو معسكرات تدريب للقوات العراقية بقيمة مليار و 600 مليون دولار، وذلك وفق وكالة التعاون في مجال الدفاع والامن. وكانت الوكالة الاميركية قد اعلنت عن احتمال توقيع عقد مع العراق قريبا لبيع ست طائرات سي-130جي بقيمة مليار ونصف مليار دولار.

مراجع و مقارنات :
ـ ” الحقيقة المحرّمة “، جين ـ شارلز بريزارد/ غيلاومي داسكوي، زيورخ 2002 .
ـ ” أمراء الظلام ” لورينت مورافيك ، نشر ناشيونال بوك ـ نيويورك ، 2008 .
ـ ” النفط كسلاح للسيطرة على العالم ” ف. وليام انغدال ، شتاينهيرست ـ فيسبادن ـ المانيا ، 2003 .
ـ ” القطب العالمي الأعظم ” زبيغنيو بيرجنسكي، منشورات فيشر، فرانكفورت ـ ماين ، 2003 .
ـ ” مشروع بيكر ـ هاملتون ” ، ايلول 2006 .
ـ ” التحديات الرئيسية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط ” كوندوليزا رايس ، تموز 2008 .
ـ ” خطتي بشأن العراق ” المرشح الدمقراطي باراك اوباما، تموز 2008 .