الرئيسية » مقالات » أسرى القدس: صلابة أشد من القيد

أسرى القدس: صلابة أشد من القيد

٦٠ عاماً مضت، ولا يزال الاحتلال الصهيوني جاثماً على صدر مدينة القدس، يعبث بقداستها، ويشوّه وجهها، ويفرض على أهلها القوانين التعسفية الظالمة. الأسرى المقدسيون في سجون الاحتلال هم أبرز شاهد على وحشية التعامل الصهيوني مع أهل القدس، حيث يعتبرهم الاحتلال فلسطينيين متى طالبوا بحقوقهم، و”مواطنين إسرائيليين” لا يدخلون في إطار النقاش عند تبادل الأسرى أو في الطروحات السياسية.
“صلابة أشد من القيد” هو عنوان حلقات من دراسة أعدتها “مؤسسة القدس الدولية”، وتتناول أوضاع وأحوال قدامى الأسرى المقدسيين الذين أمضوا أكثر من ٢٠ عاماً في سجون الاحتلال، بعدما نجحت في اختراق قضبان السجون ومحاورة الأسرى، ثم أهلهم، لتكشف مدى الظلم والوحشية اللذين تمارسهما سلطات الاحتلال الصهيوني بحق أسرى القدس.
أكثر من ٢٠ عاماً قضاها الأسير جمال حماد حسين أبو صالح، أحد عمداء “الحركة الأسيرة”، خلف القضبان. في ٢١ شباط عام ١٩٨٨ اقتحمت قوة من الاستخبارات وحرس الحدود الإسرائيلي منزل جمال في القدس، واقتادته إلى مركز اعتقال تعرض فيه لتعذيب قاسٍ طيلة قرابة الشهر. ووجهت للأسير المولود في الثاني من نيسان ١٩٦٤ تهمٌ بالانتماء لتنظيم “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”، رشق الحجارة وتوزيع المنشورات، ثم حكم عليه بالسجن لسنتين ونصف السنة.
وخلال تنفيذه الحكم، وجهت إدارة السجن للأسير جمال تهمة قتل عميل فلسطيني داخل السجن، بمشاركة رفيقيه بلال أبو حسين وأحمد عميرة. وحكم علــى كل منهم بالسجن المؤبد. وفيما تم تخفيف حكم كل من بلال وأحمد إلى ٣٨ عاماً، بعد استئنافهما الحكم، رُفض استئناف جمال بحجة أنه يشكل خطراً على أمن الدولة.
تنقل جمال بين سجون كثيرة، خلال اعتقاله، من شطه وعسقلان، نفحه، جلبوع، إلى الرملة وهشارون الذي يتواجد فيه حالياً. ولم يتمكن الأسير، لكثرة نقله بين السجون، من متابعة دراسته الجامعية بانتظام، بعدما كان قدم التوجيهي من السجن، ودرس فصلاً واحداً في كلية العلوم السياسية في الجامعة العبرية قبل ستة أعوام.
إلى ذلك، فالأسير يعاني من سرطان في العنق والغدد. وقد أجريت له عام ٢٠٠٧ عملية لاستئصال الورم السرطاني، بعدما تدخل محاميه لدى إدارة السجن التي كانت تماطل في هذا الشأن. تقول زوجته “الحمد الله، تم استئصال الورم السرطاني وهو من نوع حميد، ونأمل عدم عودته”. لكن الأسير يعاني أيضاً من أمراض المعدة والروماتيزم وتفتت في الفقرة الرابعة.
على صغر سنه في تاريخ اعتقاله، فالأسير جمال أب لابنة وابن. وتروي زوجته كيف “اعتقل زوجي وعمر ابنتي نسرين عامان ونصف العام، وابني كايد عام ونصف العام، وقد عانيت كثيراً من ظروف الحياة القاسية، وخاصة أنني أصبحت أتحمل مسؤوليتهما وحدي، وبسبب بعدي عن أهلي الذين يقطنون في الأردن، وعدم وجود معيل للأسرة«. تضيف »شعرت حينها بالألم والحسرة، وحتى والدي الذي كان يزورني بين حين وآخر توفي عام ١٩٩١«. وكان موته »فاجعة« بالنسبة لأم كايد، لأنه تزامن مع الحكم على جمال بالسجن المؤبد.
تقول: “تلقيت ضربات قوية عدة في وقت واحد… حتى أنني قضيت ثلاثة أعوام ودمعتي لا تجفّ من عيني… وصرنا، منذ اعتقال زوجي، نعيش في وضع يرثى له أنا وولديّ، ونعيش جميعاً في غرفة واحدة فقط”. إلى المعاناة الاقتصادية، أثر اعتقال جمال “نفسياً على ولديه، وخاصة ابنته التي تشعر أنها ليست كرفيقاتها، ومنذ ولادتها حتى الآن، لم ترَه إلا وهو خلف القضبان”. تضيف زوجة الأســير: “لا نقدر على نسيانه أبداً، هو موجود في كل ركن من المنزل. أشعر به دومــاً، فأنا أحتاج إليه كأي زوجة تحتاج إلى حنان زوجها وعطفه، وأتمـنى أن يمنّ الله عليه بالفرج القريب”.

7/8/2008