الرئيسية » مقالات » كركوك …فخ الطامعين

كركوك …فخ الطامعين

لم تزل كركوك منذ اكتشاف النفط فيها محط أنظار الطامعين في ثرواتها من الأحزاب والكيانات السياسية غير الوطنية التي كل همها إشباع رغباتها الشخصية ومزج لعابها السائل بالكعكة اللذيذة، فضلا عن الأطماع الخارجية الطامعة بنفط العراق بشكل عام، غير أن تلك الأحزاب والكيانات غير الوطنية لم تكن تملك سوى نظرات التحسر اليائسة صوب محافظة كركوك أو (برميل النفط) كما يحلو للبعض تسميتها؛ بسبب عدم توفر العوامل المساعدة على تحقيق تلك المطامع فأكتفت تلك الجهات بوضع كركوك ضمن أجندتها إلى حين توفر الفرصة السانحة ومن أبرز تلك الجهات الحزبان الكرديان ثم جاء بعدهما حزب الدعوة والمجلس الأعلى أبرز أحزاب قائمة الائتلاف لكن أطماع الحزبين الأخيرين تختلف بطبيعتها عن الأطماع الكوردية.

لقد حاولت الأحزاب الكوردية منذ عشرات السنين أن تزحف على محافظة كركوك من خلال الطريقة الأبرز في مثل هذه الحالات الا وهي زجّ عدد كبير من الأكراد للاستيطان في المحافظة كخطوة أولى وأساس لما بعدها، وهي الطريقة ذاتها التي استخدمها النظام السابق في توطين العرب في كركوك بعد اكتشاف موضوع الزحف الكوردي فيها، وإذا كان النظام السابق يوطن قبائل عربية في كركوك ويُغري بالمقابل عوائل كردية للسكن في بغداد ومحافظات أخرى فإن الأحزاب الكوردية فيما بعد الاحتلال أخذت باستخدام العنف وشتى الأساليب التعسفية في التعامل مع العوائل العربية بغية تهجيرهم من المحافظة وتشريدهم في الشوارع.

لقد أتت الفرصة السانحة والمنتظرة للطامعين بعد احتلال العراق فأصبحت كركوك ورقة في اللعبة السياسية وفقرة من فقرات المساومات السياسية بين تلك الأحزاب التي كانت تدعي الوطنية والنضال زورا وبهتانا، فعندما (حان حينها) كشرت الأحزاب الكوردية عن أنيابها وضربت كل الادعاءات الوطنية عرض الحائط وشرعت في التحدث بلغة الحزبية والعرقية والتهديد بإقامة دولة شمال العراق في حال عدم موافقة الشركاء السياسيين على ضم كركوك إلى إقليم كوردستان وكأن كركوك حديقة عامة تطالب بلدية القضاء بضمها إلى رقعتها، أو أنها ورث ورثه برزاني أو طالباني من أسلافهما.

وأعجب من مطالبتهم تلك أنهم يعلمون مدى عدم تقبل باقي المكونات من عرب وتركمان وأقليات لسلطاتهم والأساليب التي تتبعها قوات البشمركة في التعامل مع المواطنين بفوقية، ففي موضوع كركوك لا وطنية ولا ديمقراطية ولا حرية بل كوردية كوردية، هذا ما اتضح من تعاطي الأكراد مع ملف كركوك. وربما كانت لتظاهرات التي نظمها أبناء المحافظة من عرب وتركمان ضد محاولات ضم كركوك إلى إقليم كوردستان أبلغ رد على تلك الأحزاب الطامعة.

أما أحزاب الائتلاف فهي واقعة في قضية كركوك بين ضغوط داخلية وخارجية أما الداخلية فتتمثل بحرصها على إدامة التحالف مع الجانب الكوردي الذي دعمها ووقف إلى جانبها في إيصالها إلى رئاسة الوزراء والسيطرة على أهم مفاصل الدولة العراقية مقابل شروط عديدة من أهمها منح كركوك للأكراد وفق خطة متسلسلة المراحل متفق عليها من قبل الطرفين، وأما الضغوط الخارجية فتتمثل في كون إيران الداعم الأساس لأحزاب الائتلاف يقف بالضد من توجهات الأكراد حيث يخشى النظام الإيراني أشد الخشية من انضمام كركوك إلى إقليم كوردستان فضلا عن معارضته لفكرة الإقليم من أساسها وهذا يعود إلى دائرة أكبر وأسباب أعمق تعود إلى جوهر القضية الكوردية، والتي تتلخص في كون القوميين من الأكراد يسعون على المدى البعيد إلى تحقيق حلمهم القومي وهو (كوردستان الأم)، وكوردستان الأم عبارة عن خارطة مرسومة في تنظيرات الأكراد القوميين تتكون من انضمام المناطق الكوردية في شمال العراق وجنوب تركيا وشرق وغرب إيران وشرق سورية إلى بعضها لتكون دولة كوردستان الموحدة (كوردستان الأم).

وبناء على هذا فإن إيران وسوريا وتركيا كلهم يخشون من قيام دولة كوردية في شمال العراق كي لا يُغري ذلك الأكراد المتواجدين في دولهم بالمطالبة بمطالب ومشاريع مشابهة وبهذا نفهم سبب التخبط والتضارب في المواقف والتصريحات في هذا الشأن داخل كتلة الإئتلاف.

وتأسيسا على ما تقدم فإننا نجد أن الموقف الكوردي من كركوك تسبب بخسارتهم ثقة المكونات الوطنية لأنه فضح وبأعلى صوت طبيعة التوجهات غير الوطنية للأحزاب الكوردية، كما وضعت قضية كركوك كتلة الإئتلاف العراقي بين ضغطين ربما سيتسببان بتدميرها وتشتيتها بين الولاء لإيران ومحاولة الإيفاء بشروط التحالف مع الأكراد. ويبقى الحل الوطني التوافقي للقضية هو الحل الأوحد – وإن تسبب في خسارة بعض الأطراف لمكاسب شخصية- فمصلحة الشعب والوطن يجب أن تكون أولا.