الرئيسية » التاريخ » موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 -الحلقة السادسة

موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939 -الحلقة السادسة

رسالة تقدمت بها الطالبة كافي سلمان مراد الجادري
طرأت تطورات جديدة على العلاقات بين الحكومة العراقية والكرد بعدما عقد العراق في الثلاثين من حزيران عام 1930 معاهدة مع بريطانيا مهدت الطريق لانهاء الانتداب البريطاني على العراق , ودخوله الى عصبة الامم . فضلا عن المعارضة الشعبية الواسعة التي لقيتها المعاهدة في عموم العراق(1).الا انها واجهت معارضة اشد في المناطق الكردية لانها خلت من الاشارة الى التعهدات الخاصة بالكرد والتي تعهدت بها الحكومتان العراقية والبريطانية لعصبة الامم لانهاء الانتداب على العراق(2) .
ولمواجهة الموقف قرر مجلس الوزراء ان يقوم جعفر العسكري (3) وكيل رئيس الوزراء يرافقه وزيرا الداخلية والعدلية ووكيل المعتمد السامي البريطاني في العراق بزيارة الى الالوية الشمالية لتوضيح سياسة الحكومة وتطمين رغبات السكان.
وصل الوفد في الثامن من اب عام 1930 الى كركوك واجتمع مع الوجهاء والزعماء وكبار الموظفين ومجموعة من افراد الجيش والشرطة. والقى وكيل رئيس الوزراء خطاباً حاول فيه طمأنة مخاوف الكرد ، وعزم الحكومة على الإلتزام بتعهداتها تجاههم(4) .
ومع ذلك عندما جرت ( الإنتخابات(1)) في السليمانية في السادس من ايلول عام 1930,قاطعها سكان المدينة ,وقد تحولت المقاطعة تدريجيا الى انتفاضة شعبية(2).ففي السادس من ايلول توجهت مجموعة من المواطنين الى مقر المتصرف ( دار الحكومة ) وفرضوا حصارا عليها بعد ان رشقوها بالحجارة , كما هاجموا الشرطة وهم يحملون العصي والمسدسات والخناجر . ولمواجهة الموقف تم استدعاء المزيد من قوات الشرطة , وجرى صدام مسلح بين الطرفين , ادى الى مقتل ثلاثة عشر شخصا وجرح خمسة وثلاثون , منهم اربعة جنود وتسعة من رجال الشرطة(3).
انعسكت هذه الاحداث على سير الانتخابات واضطرت الوزارة الى تأجيلها لمدة اسبوع , جرت في اعقابها انتخابات صورية في لواء السليمانية ضمنت فيه الحكومة فوز مرشحيها(4) .
رغم ذلك استمرت اجواء التوتر تخيم على العلاقة بين الحكومة العراقية والكرد في المناطق الشمالية من البلاد . فقد استمرت عرائض الاحتجاج والمذكرات التي تطالب باحترام الحكومة العراقية لتعهداتها تجاه سكان كردستان الجنوبية ( كردستان العراق ) تتوالى على عصبة الامم , خصوصا عندما رفعت الحكومة البريطانية تقريرها الى عصبة الامم ,اوصت فيه برفع الانتداب عن العراق(5) .
لذلك قرر مجلس العصبة بتاريخ الرابع من كانون الاول عام 1931 بتشكيل لجنة خاصة لدراسة طلب الحكومة العراقية(6). وقد طالب مجلس العصبة الحكومة العراقية بتقديم الضمانات الكافية في (( مسائل الاقليات والقانون الدولي))(7).
وفي الثامن والعشرين من كانون الثاني 1932 , تقدمت الحكومة العراقية الى مجلس عصبة الامم بلائحة مصدقة من مجلس الامة العراقي التزمت فيه باحترام تعهداتها تجاه المسائل التي تخص الاقليات والضمانات الاخرى التي اوصى بها مجلس العصبة , وتعهدت الحكومة العراقية ايضا بان تحترم الخصائص الوطنية للكرد القاطنين في الالوية الشمالية , بما فيها استخدام لغتهم القومية , وجعل موظفي الادارات الحكومية من مواطني المنطقة من الكرد (1) .
مهدت هذه التعهدات لدخول العراق عصبة الامم وذلك في الثالث من تشرين الاول عام 1932 ليبدأ عهد جديد في تاريخ العراق الحديث اسهمت القضية الكردية في تشكيل العديد من احداثه المهمة والخطيرة .
الفصــل الثانـــي
التطورات الاجتماعية والاقتصادية في كردستان العراق في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال المبحث الاول : نبذة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للكرد
المبحث الثاني : الواقع الديمغرافي والاقتصادي المبحث الثالث : التعليم والصحة والخدمات
المبحـث الاول : نبذة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للكرد
ان الاوضاع الاقتصادية في العراق في قسميه الشمالي والجنوبي متشابهين , لخضوع الاثنين لمئات السنين للحكم العثماني الذي ترك بصماته المختلفة على الحياة الاقتصادية لكلا القسمين, قوامها اقتصاد زراعي – رعوي ريفي تتحكم بها العلاقات الاقطاعية الى حد كبير(1). ينقسم المجتمع الكردي الى قبائل رحل , وانصاف الرحل , والمستقرين (الحضر)(2).
وقد شكلت القبائل الرحل في منتصف القرن التاسع عشر حوالي ثلث سكان كردستان . وكانت تملك المراعي تملكاً جماعياً .وكانت هذه المراعي تخصص من قبل شيخ القبيلة الذي تقع تحت حمايته(3). اما القبائل نصف الرحل فهي التي زاولت مهنة الرعي الى جانب الزراعة(4). وفي هذا الصدد يقول المتخصص السوفييتي المعروف شاميلوف ((من الصعب ان تجد مجتمعاً يزاول الرعي دون ان يمتهن الزراعة ايضا ))(5). وقد مارست القبائل الرحل التجارة اثناء رحلاتها الصيفية والشتوية , وكانت لها محطات تجارية لبيع وشراء ما تحتاج اليه من السكر والاسلحة التي كانت تأتي من ارمينيا . وكانت تجارة القبائل تشمل الصناعات اليدوية وبعض منتجات الحيوانات(6). ونتيجة لهذا النوع من التجارة فقد تجمعت مقادير من المال لدى بعض الافراد , وكان يتم التعامل التجاري بالنقود . ومثل ذلك بداية ظهور الرأسمالية في كردستان(7).
اما القبائل المستقرة فهي التي احترفت الزراعة واستوطنت القرى , واختلف نمط حياتها واقتصادها بصورة عامة عن العشائر الرحالة(1). وكان انتاجها الزراعي يحقق لها نوعاً من الاكتفاء الذاتي(2).
شهد نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين انعطافاً واضحاً في استيطان القبائل الرحل الكردية , ونمو المدن . فبعد ان كان عدد القبائل الرحل في ولاية الموصل التي كانت كردستان الجنوبية تقع ضمنها يقدر بنسبة 26 ? من عدد السكان في العام 1917, تقلص عددهم الى 11 ? خلال العام 1939(3). وتبع ذلك تقلص دور القبائل الرحل الاقتصادي , والذي اصبح ظاهرة واضحة في المنطقة نظراً لاندماجها بالاسواق الرأسمالية العالمية منذ اواسط القرن التاسع عشر(4).
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر حصل تحول في بيئة المجتمع الكردي, واصبحت الارض الزراعية مرغوبة جداً , فتحول شيوخ العشائر الى ملاكين واقطاعيين , واصبح الكثير من الفلاحين مستأجرين للاراضي , او عمالاً زراعيين بعد ان كانوا شركاء في الارض التي تمتلكها القبيلة (5). وفي اواخر العهد العثماني لجأت السلطات العثمانية الى تمليك الاراضي لشيوخ العشائر واغوات الكرد واعيان المدن . وكان الهدف منه هو ضمان هذه الفئة من الرؤساء بوصفهم زعماء لمجتمع زراعي يصبح فيه انقيادهم سهلاً , لارتباطهم بالارض وتبعيتهم للحكومة ,وبالتالي استعدادهم لدفع الضرائب(6) .
التآخي