الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي- الحلقة الثانية و الخمسون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي- الحلقة الثانية و الخمسون

  يسر صفحة دراسات كوردية ان تقوم بنشر كتاب الدكتور بدرخان السندي
 ( المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) وذلك عبر حلقات متسلسلة.

ويعقب سايكس ان الضابطين المرافقين له في رحلته قد افصحا له عن الموقف، فقد وقف على مشاعر الضباط الاتراك ازاء الفرق الحميدية فهم يعتقدون ان الحكومة التركية الحقت بالجيش العار عندما شجعت الكرد للانخراط في الفرق الحميدية.
 وان ضباط الجيش كانوا على حذر تام، ويعتقدون ان القوات الحميدية هي قوات غير مخلصة، وبالرغم من ذلك كانوا ملزمين بالتغاضي عن اخطائهم وخروقاتهم. وان الفرق الحميدية كانت تعاقب بواسطة المحاكم العسكرية وكانت هذه المحاكم قد تسلمت اوامر سرية بان تبرئ المدانين أو إذا انزلت ببعضهم العقاب فلتكن العقوبات اسمية (أي غير فعلية).
وقد انقلب هذا العار برمته على الجيش واصبح كل ضابط موضع سخرية واحتقار الموظفين المدنيين له مما ادى إلى تفاقم سوء العلاقة بين الموظفين المدنيين والعسكريين، وبسبب حقيقة، ان العسكريين كانوا دوماً يعانون من التقتير عليهم بينما لم يكن المدنيون كذلك، وفي المستويات الدنيا كانت المشاعر نفسها تماماً، فالجنود كانوا يرون ان القوات الكردية غير النظامية تتمتع بكل الاجازات ولهم الحرية بينما هم أي الجنود كانت تطبق عليهم الضوابط القاسية وكانوا نادراً ما يحصلون على ما يكفي من الغذاء للعيش (420).
لقد اشار عزيز الحاج الى ان هذا الزواج السعيد بين رؤساء عشائر القوات الحميدية والدولة التركية لم يدم طويلاً لان هذه القوات مطالبة بسحق الحركات القومية الكردية لا بل اصبحت تحاسب على مدى حماسها في عمليات السحق وان المبررات الدفاعية ذات الطابع القومي في محاربة الارمن بدأت تتلاشى بعد ان انتهى هذا الدور والذي اساء إلى سمعة الكرد في الحقيقة بسبب من قوة الاعلام لصالح الارمن والذي تسرب إلى اوروبا ولكن ما من احد كان يتحدث عن نزعة التوسع الارمني على حساب الاراضي الكردية وما من احد يتحدث عن غزو روسيا للاراضي العثمانية (أي الكردية) وكانت روسيا قد جندت القوات الارمنية غير النظامية التي حصدت رؤوس اعداد غفيرة من الكرد في تركيا وقد ذكرت المصادر المعنية ان عشرات الالاف من الكرد قتلوا خلال الفترة 1915-1918 في المناطق الشرقية من تركيا (أي كردستان).
لقد تعرض الارمن إلى مجزرة على يد القوات العثمانية ولكن تلك القوات أي التركية قامت بحرق القرى الكردية وتشريد اهلها نتيجة عدم مساعدتهم لها ضد القوات الروسية التي كان الارمن بمعيتهم (12).
ادمونـدز
زار ادموندز كردستان مرتين وعايش الاحداث السياسية الساخنة هناك. ويتحدث ادموندز عن الظروف التعيسة التي عاشتها السليمانية عندما وصلها نويل عام 1918 قبل ان يتحدث عن انطباعاته الشخصية. اذ يذكر ادموندز ان المجاعة كانت قد حصدت ارواح الكثير من البشر والحيوان في عام 1918 اذ الفى نويل جثث الموتى ملقاة في الشوارع والمنازل التي تركها اصحابها وحصلت حوادث اكل فيها الجائعون لحم اخوانهم البشر ولم يبق من السكان الأصليين غير الثلث. ويضيف ادموندز ان من اول واجبات نويل انذاك كان تأمين الغذاء للجائعين والكساء للعراة والبذور وحيوانات الحراثة والادوات الزراعية للفلاحين فلم تنس له هذه الخدمات الانسانية وظل الكرد سنوات وسنوات يلهجون شاكرين بهذه الخدمات (79).
ان ما ذهب اليه ادموندز كانت قد اكدته المس بيل في مذكراتها اذ تشير الى وصول الميجر نوئيل الى السليمانية في منتصف تشرين الثاني وتصف استقباله من قبل اهالي السليمانية بالاستقبال المدوي، وكانت البلدة وتقصد السليمانية قد غدت نصف خربة فبادر هذا الى ادخال جهاز موقت للحكومة يكون مقبولاً عند الاهالي ومطمئناً لامانيهم في تأسيس إدارة كردية (189).
يعتقد ادموندز ان طرح اقتراح تكوين دولة كردية تتمتع بالحكم الذاتي في السليمانية والمناطق الكردية الاخرى المجاورة هي سياسة فرضتها على الحكومة البريطانية اعتبارات عسكرية اكثر منها سياسية (60).
ويمكن ان نستنتج مما اشار اليه ادموندز هنا ان مغازلة الكرد بتحقيق امانيهم القومية كانت مسألة تكتيك عسكري اكثر من ان يكون ذلك الغزل سياسياً لكن يبقى السؤال (لماذا؟) أي لماذا لم يكن من صالح بريطانيا انذاك ان تكون جادة في تكوين دولة او كيان سياسي كردي، ولماذا هذا التذبذب؟ ان بريطانيا لم تكن جادة في معاهدة سيفروهي الدولة ذات الباع الاطول انذاك؟ وفي زمن كانت (تفصل) خرائط الدول في الشرق الاوسط لا بل اصطنعت بعض الدول التي لم تكن موجودة اساساً ترضية لهذا الملك او ذاك الامير. ان ادموندز يشك في الدعوة القومية للشيخ محمود فهو أي ادموندز يعد تلك الدعوة القومية بمثابة العباءة لتغطية طموح زعيم فرض نفسه (60).
وعلى الرغم من المبررات التي يأتي بها ادموندز حول هذا الموضوع ولكن تاريخ الشيخ محمود ليس ببعيد ولا يمكن تجريد الشيخ من نزعته الكردية ورغبته الجامحة في اقامة كيان كردي، وهل هناك من زعيم في التاريخ لم يلتفت الى نزعاته الفردية وتوطيد دعائم وجوده كزعيم في المنطقة.
ان ادموندز يرى ان الشيخ محمود وجد في نفسه (عبد الرحمن باشا) ثانياً، ويقصد بعبد الرحمن باشا امير بابان في القرن التاسع عشر وهذا الـ (عبد الرحمن باشا) الذي ظهر في القرن العشرين أي الشيخ محمود وجد نفسه مع حكومة بريطانيا مسايرة لينة تتدخل لا لتفرض سلطانها على حكمه الاوتوقراطي بل لتحول دون تدخل الإيرانيين والحكومات العربية تباعاً إذ كان حكام كرمنشاه وباشوات بغداد يتدخلون في امور السليمانية على ما يذكره ادموندز (60) وهذا واقع تاريخ موجود قبل الشيخ محمود لذا بحسب تحليل ادموندز ان الشيخ محمود وجد في الانكليز من يحول دون تدخل ايران والعراق في شؤون الكرد. واذا كان تعليل ادموندز صحيحاً، نقول ولم لا؟ وما هو الخطأ في ان يفكر الشيخ محمود كذلك؟ افليس الوجود والنفوذ البريطاني في بغداد وانتداب العراق بعد الحرب معناه درء أي تدخل من خارج العراق في شؤون العراق؟ ان هذه المهمة وضعتها بريطانيا على عاتقها من اجل ان تتبلور وتتطور الحكومة العراقية (الوطنية) الفتية انذاك.
نحن نعتقد ان ما ذهب اليه ادموندز زعم ليس في موضعه لسببين اولهما سبب نفسي هو اننا لا يمكن ان نجد في شخصية قيادية لقضية سياسية دون ان تتمتع هذه الشخصية بسمات الزعامة والقدرة على التزعم وكلا الأمرين يرتبطان ببعضهما لا بل يتفاعلان وهذا امر طبيعي وثانيهما ان الشيخ محمود كان واضحاً في طلبه وكان طلبه لا ينطلق من اجتهاده الشخصي فحسب بل من اعلان بريطانيا نفسها انها جاءت لتحرير الاقوام الشرقية من نير الحكم التركي. يذكر ارنولد ولسن في هذا الصدد ان الشيخ محمود سلم له وثيقة متفقاً عليها تحمل تواقيع ما يقرب من اربعين رئيساً وهذا نص الوثيقة: لما كانت حكومة صاحب الجلالة قد اعلنت عزمها على تحرير الاقوام الشرقية من نير الحكم التركي ومنح مساعدتها لهذه الاقوام على تأسيس استقلالها، فان الرؤساء بصفتهم ممثلين لاهالي كردستان يرجون الحكومة ان تقبلهم ايضاً تحت الحماية البريطانية وتلحقهم بالعراق لئلا يحرموا من منافع مثل هذا الارتباط ويسترحمون من الحاكم الملكي العام في العراق ان يبعث لهم ممثلاً عنه مع المساعدة الضرورية التي تمكن الشعب الكردي من التقدم في ظل الاشراف البريطاني تقدماً سلمياً على اسس مدنية. واذا ما قدمت الحكومة مساعدتها وحمايتها للاكراد فهم يتعهدون بتقبل اوامرها ومشورتها (179). ان هذه الوثيقة في نظرنا تدرأ عن الشيخ محمود فرديته وتؤكد عدم تخليه عن ذاتيته فهي مرفوعة من (الرؤساء بصفتهم ممثلين لاهالي كردستان) هذا من جهة ومن جهة اخرى فان طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي في السليمانية كان امتداداً للقبيلة وليس من المتوقع انذاك ان يتزعم الحركات الوطنية غير وجوه المنطقة البرجوازيين ولابد ان يكون لهذه الوجوه، وجه يمثلهم. ان الظروف ساعدت (الحسين) على ان يكون متحدثاً باسم الثورة العربية هي ظروف دينية اقتصادية اجتماعية وهي نفسها التي اهلّت الشيخ محمود تلك الشخصية الدينية البرجوازية الاجتماعية (الكارزماتية) التي جعلته يتحدث باسم حقوق الكرد وتحرير كردستان من النير التركي والمطالبة بتشكيل دولة ذات حكم ذاتي لكن للاسف نجد ان ادموندز جعل من مطالب الشيخ محمود (عباءة) كما اسلف لتغطية زعامته (60) ولا ندري لماذا لم تكن للحسين عباءة ولا لفيصل من بعده؟ في تزعم سوريا حيناً والعراق حيناً اخر، أي في اراضٍ ومجتمعات هي ليست اراضيه ومع تقديرنا للعلاقة بين الأصقاع العربية، لكن السؤال مازال قائماً ألم يستطع العراقيون بأجمعهم انجاب ملك عراقي من بينهم؟ على أي حال منح الشيخ محمود كتاباً خاصاً يسمح فيه لاية قبيلة كردية تريد ان تنضوي تحت زعامته في المنطقة الواقعة بين الزاب الكبير إلى ديالى واستثنيت من ذلك القبائل الساكنة في المناطق الايرانية، هذا ما ذكره ويلسن وهو يؤكد انهم أي الانكليز كانوا قد قرروا تأييد الشيخ محمود (معنوياً) في حكم المناطق المذكورة بالنيابة عن القوات البريطانية لكن ويلسن يؤكد ان منطقتي كركوك وكفري وسكان مدنها راغبتان في الخضوع لسيطرة الشيخ محمود.

التآخي