الرئيسية » مقالات » من ملفات المحاكم – وحصلت الام على شهادة ميلادها!!

من ملفات المحاكم – وحصلت الام على شهادة ميلادها!!

بين الصور المعلقة على الحائط صورة لفتاة في ريعان الصبا .. تبتسم في امل وهي تمسك بيدها باقة من الزهور ..! هل يصدق احد انها كانت هذه الفتاة الجميلة الممتلئة حيوية وحياة ؟ .
نعم كانت منذ اكثر من اربعين عاماً , عندما ولدت في كنف اسرة ثرية بل فاحشة الثراء .. كان والدها يملك الالاف من الدونمات الزراعية .. وكان الاب سعيداً بحياته وبأولاده ويخص برعايته ابنته الصغيرة زينب.
هكذا عاشت طفلة سعيده, ثم صبيه مرحة حتى جاء وقت الزواج .. وتقدم شاب ثري يطلب يدها من والدها فوافق الاب . كانت تتمنى ان تعيش حياة زوجيه سعيدة .. لكن ليس كل مايتمناه المرء يدركه .. فبعد شهور قليلة بدأت الخلافات تظهر في بيتها .. ورغم محاولاتها المتكررة لكي لاتتسع فجوة هذه الخلافات .. فقد كانت قد بدأت تحس بثمرة الزواج .. جنيناً يتحرك في احشائها . وعندما جاء الطفل ظنت ان ولادته سوف تنهي كل هذه الخلافات .. لكنها كانت واهمة , فقد زادت الخلافات واتسعت المشاكل بينها وبين زوجها حتى وصلا الى مفترق الطريق .. وهكذا وجدت نفسها وهي لاتزال في عنفوان شبابها .. امرأة مطلقة . فاحتضنت وليدها وقررت ان تعيش له ‘ وبه .. وغمرت ابنها بحنان جارف . كانت تستيقظ في الليل ترقبه وهو نائم , يتنفس في هدوء , كأنها تحصي انفاسه .. تفرح اذا لمحت ابتسامة على وجه الطفل .. وتضطرب اذا أسرعت أنفاسه .. وفجأة تقدم رجل معروف لاسرتها يطلب الزواج منها ..! وعاشت لفترة في حيرة , خاصة ان زوجها الاول او – مطلقها – طلب بحضانة الطفل وأخذ الطفل معه .. وهكذا تزوجت للمرة الثانية وانجبت طفلة وبعد سنوات انجبت ولداً ثانياُ. لكن وسط فرحتها بهما .. فجأة رحل الزوج الثاني عن الحياة وتركها وحيدة ترعى الصغيرين .. بل الصغار الثلاثة بعد ان عاد لها ابنها الاول وترك والده الذي سافر وعاش خارج العراق ..
تلتقط – زينب – انفاسها التي تهدجت من مجرد ذكرى السنوات .. وتنظر الى الحائط .. الى صورة ابنها الكبير , بملامحه الحادة ونظراته الجامده .. كان شقياً جاءها بطيش المراهقين .. افسده تدليل والده له فأهمل دراستة .. كان ينتقل من عام دراسي الى اخر بصعوبه .. يسهر الليل مع اصدقائه ويعود في ساعة متأخرة . فأذا عاتبته صاح في وجهها : لست فتاة حتى تخافي من سهري في الخارج .. وكبر الولد وعندما تخطى عامه الواحد والعشرين اعطتة حقه في ميراث ابيه (دوانم زراعيه وبساتين) لكنه باعها كلها .. وعندما اصبح خاوي الوفاض , استدار اليها يطالبها بأيجار المحلات والعمارة التي يملكها .. فكانت تعطيه وتدقق فيما تعطيه .. وتوترت اعصابها بسبب ابنها .. والحال الذي وصل اليها .. تورمت عيناها من كثر السهر في انتظار عودته من الخارج .. وذات يوم فوجئت به يدخل البيت وعلى وجهه ابتسامة تودد .. اقترب منها .. مسح على رأسها ثم قبلها .. ثم قال لها : يا أمي لقد اصبحت اعصابك متوترة هذه الأيام بسببي ..وانا ايضا اعصابي متوترة .. مارأيك في ان نذهب سويه الى احدى المصحات لنقضي عدة ايام معاً في هدوء .. نتمتع بالشمس والهواء النقي.. بعيداًعن الضوضاء والشد العصبي ..؟ وافقت بعد تردد.. وهكذا دخلت المصيدة بقدميها .. لم تعرف انها سقطت في الفخ الذي أعده ونصب شباكه ابنها العاق .. الا بعد ان ذهبت معه الى المصح .. تركها لحظه في غرفتها .. وبعد قليل من انصرافه فوجئت بالباب يغلق عليها من الخارج .. شعرت بالريبه .. حاولت فتح الباب فوجدته موصداً .. اخذت تركل الباب بقدميها مثل حيوان جريح .. تعالت صرخاتها تطلب النجدة .. تركوها حتى اصاب جسدها الانهاك والدموع .. ثم جاء طبيب ومعه بعض الممرضين .. حاولت افهامهم انها تريد الخروج .. لم يفهم الطبيب شيئا .. اعطاها حقنة مهدئة .. نامت .. وعندما استيقظت تكرر ما حدث .. كانت تثور طالبت الخروج .. فيعطونها المهدئات لتنام .. وبعد ايام جاء ابنها , وأعتذر لها عما حدث . قال انه مجرد خطأ . ولم تعاتبه او تعاقبه .. فقد كانت تهفو للعودة الى بيتها اولا . لكنها وهي ترتدي ملابسها لمحت نظرة الشيطان المنتصر في عيني ابنها ..لقد حصل على مراده . في جيبة شهاده من مستشفى الامراض العقليه والنفسية بأن امه عولجت فيها .. هذه الشهاده هي جواز سفره الى ثروة امه بعد ان اضاع ثروته .! .
وظنت انه سوف يشعر بالندم على مافعله معها .. لكن فعل العكس . كان يكمل مخططه .. كان يستفزها ويحاول اثارة اعصابها , ثم تفاجأ بسيارة الاسعاف تقف امام البيت بعد ان اتفق معها ومع سائقها لقاء مبلغ معين .. يفتح ابنها الباب للسائق ومساعده الذين يحملونها عنوة الى المستشفى لتعالج على انها مصابه بالجنون .. ! شهور طويلة وعصيبة عاشتها في المستشفى معزوله عن العالم . وذات يوم وبعد ان انتهى الطبيب من إعطائها الحقنة نظر اليها بشفقة وأخبرها بالحقيقه المروعه:
-اعذريني ياسيدتي .. انا لست متورطاً في ذلك , لكني اشعر بالاسف من اجلك .. انت لست مجنونه , لكن ابنك حصل على تقرير من الاطباء بأنك تعانين من امراض الشيخوخه والجنون , وتقدم بهذا التقرير الى المحكمة , وحصل على حكم قضائي بالحجر عليك وتعيينه قيما على اموالك وثروتك .. واصابها الخبر في مقتل .. ! شعرت بالارض تهتز تحت قدميها وأغمي عليها .. واسرع الطبيب يحاول افاقتها .. لكنها كانت لاتريد ان تستيقظ .. تريد الا تعيش بعد ذلك .. ! .
وبعد ايام هدأت .. وخرجت من المستشفى .. فوجدت ابنها قد تزوج وأقام في شقة في عمارتها التي تملكها .. وجعلها تعيش مع اخته وأخيه الصغير في حجرتين متواضعتين في ملجأ العمارة . وهكذا وجدة بنت الحسب والنسب نفسها تعيش حياة الفقراء .. ومرت سنوات .. كبرت ابنتها ودخلت الجامعة .. اصبحت فتاة يانعه .. كانت البنت تحس بمشاعر الاحباط التي تعاني منها امها , فكانت تحنو عليها وتترفق بها .. وكانت البنت تحاول ان تبعث الامل في نفس امها .. كانت تقول لها : -ياامي ان الله لا يرضى بالظلم .. وعلينا ان نقف في مواجهته .. وان الله سوف يقف بجانبنا .
لكن الام كانت ترد بأستسلام :
-وماذا يمكن ان نفعل , ان اللجوء الى المحاكم يحتاج الى مال ونحن في اسوأ حال ولا يوجد سوى ما يسد الرمق . وتأتي الاجوبه على لسان ابن الجيران .. انه محام شاب كان يتعاطف مع ظروف إلام.. وذات يوم عرض ان يتطوع مجانا برفع دعوى يطالب فيها بالغاء الحجر عليها.. ووافقت على مضض .
وقام المحامي الشاب بالدفاع عن الام المظلومة .. وبدأ يسير خطوة بخطوة مع القضية .. ذهب الى محكمة الأحوال الشخصية وحصل على قرار بأحالة الام المظلومة الى مستشفى الامراض العقلية لفحصها وتقرير مدى سلامة قواها العقلية .. وبعد ان قامت المستشفى بالكشف عن الام اكثر من مرة .. اتى قرارها في النهاية حاسماً : الام سليمة تماماً ولا تعاني من أي امراض عقليه ويمكنها ادارة اموالها بنفسها .. كانت لاتزال جالسة في مقعدها المتحرك .. ومرت عليها الساعات وهي تنظر حكم المحكمة لم تستطع ان تذهب الى المحكمة لسماع الحكم بسبب اصابتها بالشلل .. ودق جرس الباب .. ومشت على كرسيها المتحرك لتفتح الباب .. فوجدت المحامي الشاب امامها.. لم يتكلم .. وانما قدم اليها نسخه من قرار حكم المحكمة .. لم تستطع ان تقرأ سوى كلمات قليلة( حكمت المحكمه برفع الحجر على الام والغاء قوامة الابن العاق على اموالها وممتلكاتها).
همست قائله للمحامي :
– شكراً وحمدا لله .. هذه ليست نسخه من قرار المحكمة .. بل هي شهادة ميلادي من جديد .
وعادت تجر كرسيها الى فراشها لتنام لاول مره منذ سنوات , بعد ان انتهى الكابوس الذي عاشته مع ابنها العاق..

التآخي