الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل – القسم ال عاشر

حرب وسجن ورحيل – القسم ال عاشر

لقد وصل الوضع التربوي أثناء الحرب ألى حالة كارثية لايمكن تصورهافالكثير من التلاميذ أخذوا يفقدون آباءهم ويتسربون من المدارس للقيام بأعمال شاقة لاتتناسب وأعمارهم الغضه لكي يسدوا رمقهم وكانت المدارس تفتقر ألى أبسط أحتياجاتها من رحلات ولوازم وامتنعت مديريات التربيه عن صرف المبالغ اللازمه لترميم تلك المدارس المتآكلة الجدران وتأمر المدراء بجمع المبالغ من التلاميذ لشراء الطباشير والسبورات وغيرها من اللوازم و الحاجيات وعندما يأتي فصل الشتاء يتحول الصف ألى كتلة من الثلج من شدة البروده حيث كنا نضع قطع من الكارتون على الشبابيك بدل الجام لمنع زمهرير البرد ولكن دون جدوى وكانت عظام التلاميذ ترتعش من البرد والجوع والشيئ المهم في الصف هو أن تعلق صوره كبيره ملونه ومزججه ومؤطره لرئيس النظام في مقدمة الصف وعلى المعلم أن يراقبها حتى لاتتعرض لأي ضرر ويوضع له كرسي ليصعد عليه ومعه قطعة قماش ليمسحها من الغبار لأن المشرف التربوي أذا دخل المدرسه يذهب فورا ألى الصفوف لمشاهدة صور الرئيس للأطمئنان على سلامتها وهذا هو العمل الرئيسي للمشرف التربوي أما المسؤوليه الثانيه الملقاة على عاتقه هي أختبار التلاميذ في موضوع مايسمى بالتوعيه الوطنيه والقوميه وهي معرفة مايسمى بأعضاء مجلس قيادة الثوره ومن هو قائد العرب وبطل الحرب والسلام ورئيس مجلس قيادة الثوره وماذا قال البارحه؟ ومن هم أعداء العراق والأمة العربيه ؟ ولابد أن يجيب التلاميذ بصورة جماعيه هم الفرس المجوس وأذا تلكأ التلاميذ في هذه المعلومات يخضع المعلم للأستجواب من قبل لجنة أنضباطيه خاصه في مديرية التربيه ولها الصلاحيه من قبل وزارة التربيه بأحالته ألى التقاعد أو ألى وظيفة كاتب في أية دائره وقد تم جرد أسماء جميع المعلمين والمدرسين والمعلمات والمدرسات من الكرد الفيليين ألى التقاعد أو ألى وظائف كتابيه لمن لم يكمل الخدمه المقرره وكانت تلك اللجنه قد شكلت برئاسة ( طه ياسين رمضان ) النائب الثاني لما يسمى بمجلس قيادة الثوره وكنت أحد هؤلاء المعلمين الذين شملني القرار حيث كان ( عبد الحسن عبود بشيت ) الموظف البعثي في مديرية التربيه يتلقى الأوامر من مديرية الأمن ويطبع أسماء المعلمين الأكراد ويرفعها على شكل قوائم ألى مديرية التربيه ومديرية التربيه بدورها تبلغ المعلمين المعنيين بذلك القرار ويخير المعلم أو المدرس المعني بالقرار أما الأستقاله وأما الأحاله على التقاعد وأما الأنتقال ألى وظيفه كتابيه وكان لهذا القرار العنصري أثرا سلبيا على سير العمليه التربويه حيث كانت تلك النخبه من المدرسين والمعلمين من خيرة المدرسين والمعلمين الكفوئين ومن ذوي السمعة الحسنة في المحافظه وهذه الشهاده المجرده من كل تحيز أو هوى يعرفها كل الذين كانوا يعملون في حقل التربيه في محافظة واسط آنذاك ومنهم من يتذكر ذلك من الباقين على قيد الحياة أطال الله أعمارهم وكانت حجة النظام في هذا القرار العنصري الشوفيني المجحف هو أن هؤلاء المعلمين والمدرسين يشكلون خطرا على الجيل الجديد وربما سيلوثون أفكارهم ويضعفون التوجه القومي العروبي في نفوسهم هكذا كان يفكر النظام ويبني أوهامه وتوجساته على الشك والشك فقط واليوم نشهد دفاعا قويا ومستميتا عن جماعة مايسمى مجاهدي خلق من بعض مايسمى بأعضاء مجلس النواب وقد ذكرت سابقا بأن أحدهم طالب بمنحهم الجنسيه العراقيه وهم فرس أصلاء لاشك في ذلك ولكن عندما تتحدث معه عن مظلومية الكرد الفيليين وهم عراقيون أصلاء لايريد أن يسمع هذه المظلوميه ويتجاهل كل الفضائع والجرائم التي ارتكبها النظام بحقهم لابل يوجه لهم نفس الأتهامات والمزاعم الباطله التي كان يوجهها أليهم النظام الصدامي المقبور وأول تلك الأتهامات هو التبعيه لأيران أما هو فهو من العرب الأقحاح الذين يحبون العراق وشعبه وهو يستلم 30 مليون دينار شهريا ويزرع الفتن الطائفيه والعنصريه بين أوساط الشعب العراقي في الفضائيات التي تستضيفه كل ليله وصدق الشاعر الذي قال : قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد – وينكر الفم طعم الماء من سقم فمتى نجد العراق وقد خلا من مرضى النفوس والعقول الذين مازالوا يوجهون طعناتهم الغادره لجسم العراق لكي لايشفى من أمراضه وتستمر جراحه تنزف وبالتالي حتى لايقف على قدميه ويتعافى وقد تخلص من كل النعرات والرواسب الطائفيه والعنصريه الشوفينيه التي تنخر في جسم العراق كما تنخر حشرة الأرضه في جسم الشجره .
أعود ألى تلك الظروف المأساويه التي كنا نعيشها لقد كان النظام يبغي من تلك القرارات لتحقيق أهدافه الشوفينيه المقيته بزج أولئك المدرسين والمعلمين في قادسية صدام المشؤومه لأن المعلم والمدرس كانا لايذهبان للحرب كي تبقى المدارس مستمره وعندما يتحول المعلم ألى موظف يساق للحرب فورا ضمن مواليده وقد وصلت المواليد حتى حدود مواليد عام 1945 وكان المعلمون والخريجون الشباب من الكرد الفيليين يوضعون في الخطوط الأماميه الساخنه لجبهات القتال ليلقوا مصيرهم ويتم التخلص منهم بتلك الطريقه الأجراميه وكان لي ابن وقد تخرج توا من كلية الهندسه حيث زج في اشد الأماكن التهابا واحتكاكا بين الطرفين الأيراني والعراقي وعندما لكن أرادة الله أنقذت حياته و كان الشاب الفيلي يقضي سنوات طويله في الحرب ويسرح من الخدمه العسكريه هذا أذا بقي سالما ثم يجد نفسه عاطلا عن العمل و كانت السلطه الغاشمه تتبع مختلف الأساليب الديماغوئيه لتحطيم معنوياتهم بمنعهم من الحصول على أية وظيفه في الدوله مهما كانت صغيره وقد تخرج أبنائي من ا لجامعه وظلوا عاطلين عن العمل حتى خروجهم من العراق عدا واحده عينت في الجامعه وحوربت كثيرا وحاولوا طردها من الجامعه ولم تسلم الا بعد سقوط الصنم وكان هذا حال جميع الأكراد الفيليين وصدر قرار بتحريم تعيينهم كمعلمين أو مدرسين أو موظفين وأغلقت معظم الكليات والمعاهد في وجوههم . لكنهم كانوا يساقون ألى الموت في جبهات القتال بكل يسر هذا لو سلموا من الزج في سجون النظام المظلمه ولم يتم تغييبهم .
لقد انهارت العمليه التربويه تماما وبقيت المدارس مستمره كهيكل فقط وكان راتب المعلم لايكفيه لعدة أيام لاتتجاوز الأسبوع مع انهيار العمله وارتفاع المواد الغذائيه وأخذ المعلمون والموظفون يعملون بمختلف الأعمال كبيع حاجياتهم البيتيه على الرصيف والعمل كحمالين وبقالين وبياعي ملابس قديمه حتى وصل الأمر بالبعض لبيع الماء والقناني الفارغه أمام أبواب المستشفيات وكانت ميزانية التربيه تشكل أثنين بالمئه من ميزانية الدوله ومعظم الأموال مخصصه للحرب وقد ساد التذمر الشديد بين طبقات المجتمع نتيجة الأموال التي كانت تجبى من التلاميذ لتسيير المدارس دون مراعاة لمشاعر الناس وحتى أيتام الحرب كان يطلب منهم ذلك وفي تلك الأثناء بقي الشعار الذي كانت تؤكد مديرية التربيه عليه دائما وهو شعار ( قيام – عاش القائد صدام – جلوس الموت للفرس المجوس ) هكذا كان يردد التلاميذ حال دخول المعلم الصف . أما المشرفون التربويون فكما ذكرت كان همهم الوحيد التأكيد على ماكان يسمى بالتوعيه القوميه والمستوى العلمي هوآخر أولوياتهم وجميعهم من البعثيين الذين لايمتلكون الحد الأدنى من الثقافه العامه وكان يوم الخميس هو يوم رعب بالنسبه للتلاميذ حيث يطلق مدير المدرسه ثلاثين أطلاقه تحية للعلم حيث الرعب يدب في أوصال التلاميذ الصغار وكنت أشاهدهم وهم يرتجفون من شدة الخوف وكان هذا الأمر أمرا عاديا في المدارس المتوسطه والثانويه أما في المدارس الأبتدائيه فلا يقبله منطق ولكن الأمركان هكذا والأعتراض عليه ممنوع منعا باتا وما على المدارس الا التنفيذ وللحديث صله في القسم اللاحق وقد تحملت الأم العراقيه أوزار تلك الحرب الدميويه بعد أن فقدت زوجها وأصبحت المسؤوله الوحيده عن تربية أبناءها في تلك الظروف الرهيبه والقاسيه التي لايمكن وصفها بأسطر قليله وللحديث صلة في القسم اللاحق.