الرئيسية » مقالات » أعقاب سكائر

أعقاب سكائر

سيكارته التي لم يسحب منها نفسا.. ولم يجرؤ يوما على اشعالها.. تأمل الحروف التي خُطّت عليها وهو يلمسها بعناية فائقة لتذكره بصاحبة تلك الأنامل التي خَطّت الحروف, حين خطفتها ذات يوم من بين شفتيه لتكتب عليها حروف اسمها ولتقسم عليه بأن لايشعلها أو يشعل غيرها.. وهاهو يحافظ على وعده لها.. ثم يعيدها الى علبتها التي لم تحوِ سواها.. ويضعها أمامه على الطاولة الصغيرة والتي تضم أنواعا أخرى كثيرة من السكائر..
عدّل من جلسته على مقعده المتأرجح فوق تلك الصفيحة المعدنية, وهو يراقب امتداد أيادي زبائنه نحو السكائر متلهفة لاشعالها, ليضع ثمنها في جيبه… كان هذا هو عمله.. بعد ان يئس من الحصول على عمل أفضل ليعتاد على ضجيج الشارع المزدحم والذي بدا وكأنه يضم سباقا للسلاحف من شدة زحام السيارات فيه.. فلم تكن له من متعة سوى مراقبة المارة, وذلك الشباك في واجهة البناية ذات الطابقين والتي تنتصب أمامه على الجانب الآخر من الشارع وهو ينتظر بفارغ الصبر أن يفتح لتطل عليه بابتسامة أو اشارة تزيح عنه هموم يومه.
لكنها تأخرت عن موعدها في فتح الشباك حتى بدأ الضجر يتسلل اليه بعد أن كاد صبره ينفد ليجول ببصره في أرجاء الشارع فيلفت نظره توقف سيارة فاخرة بالقرب من الرصيف الذي يضمه ترجل منها شاب في مقتبل العمر بدت عليه ملامح الرفاهية وهو يدور حول سيارته متلفتا يمينا وشمالا, كأنه ينتظر أحدا ما.. وسرعان مانسي أمر الشاب حين كاد قلبه يقفز من بين ضلوعه ليرقص فرحا باطلالتها من ذلك الشباك و… للحظات مرّت سريعة.. وعلى غير عادتها تغلق الشباك دون أن تنظر نحوه, لكن حيرته لم تدم طويلا حين شاهدها تخرج من باب البناية بأفخر ملابسها وهي تحاول عبور الشارع… نهض من مكانه.. وقبل أن يتوجه نحوها أمسك بيد أحد الزبائن الممتدة نحو سكائره وردد بلهجة حادة وعيناه لاتكادان تفارقان الفتاة قائلا.. ((انها لي.. اختر أي نوع آخر الاّ هذه العلبة)).. كانت تلك العلبة تحوي سيكارته ليتركها الزبون مستغربا تصرفه وليأخذ علبة أخرى يسلمه ثمنها ويغادر مسرعا.. لم يشعر بأية رغبة سوى التحدث معها وهو يتوجه نحوها.. وصل منتصف الشارع, تسمّر في مكانه حين مرّت من جانبه غير آبهة به.!! وسرعان ماتحولت حيرته الى غضب وهو يراها تركب تلك السيارة الفاخرة ليتبعها ذلك الشاب بلحظات وينطلق بها في عمق ذلك الزحام..
تصاعدت أبواق السيارات من حوله.. فلم يشعر الاّ على صوت أحد سائقي السيارات وهو يصرخ به.. ليتحرك من وسط الشارع, ويعود الى مكانه ليرمي بثقله على صفيحته المعدنية ويجلس عليها كثمل لايعي مايفعل.. حاول التركيز وهو يعصر أفكاره علّه يجد سببا مقنعا لتصرفها.. لكنه لم يجد في ذاكرته مايبرئ ساحتها… اشتد غضبه وهو يتذكر العلبة التي تحوي سيكارته.. فرفعها من أمامه وقد قرر تهشيم السيكارة التي بداخلها.. لكنها اختفت.! حين فتح العلبة لم تكن موجودة ليجن جنونه وهو يبحث عنها بين العلب الباقية.. لكن محاولاته باءت بالفشل حتى اجتاحه اليأس من ايجادها, لتخور قواه ويسترخي على مقعده غير مهتما بزبائنه.. ويستغرق في تفكير عميق.
بدأ الناس يتسابقون في العودة الى بيوتهم وتحولت سلاحف الشارع الى غزلان مع مغيب الشمس.. لم يكن معتادا على المكوث حتى هذه الساعة المتأخرة حيث خف زحام الشارع وهدأ ضجيجه.. ليهبط ستار الظلام.. والسكون الذي لازمه حتى دوى رنين ضحكاتها في اذنيه مع توقف السيارة الفاخرة في مكانها ذاته لتترجل منها وتنطلق بخطوات مسرعة وتختفي داخل البناية.. ثم يترجل بعدها ذلك الشاب متوجها نحوه بخطى هادئة وبابتسامة أهدأ حتى توقف أمامه ليمد يده في جيبه ويخرج بعض النقود مرددا.. ((لم تكن موجودا حين أخذت سيكارة من سكائرك وأشعلتها.. تفضل هذا ثمنها)).. ينظر الى يد الشاب الممدودة بالنقود ثم يردد بحسرة.. ((يا لبخس الثمن)).