الرئيسية » مقالات » المقدمات الخاطئة لن تعطِ إلا نتائج خاطئة وقد تؤدي إلى نتائج كارثية

المقدمات الخاطئة لن تعطِ إلا نتائج خاطئة وقد تؤدي إلى نتائج كارثية

نعم وبكل تأكيد المقدمات الخاطئة لن تعطِ إلا نتائج خاطئة ، هكذا يقول العلم والعلماء، وهكذا تعلمنا خلال سنوات الدراسة، وهذا القانون لا ينطبق على موضوع معين فحسب ، بل ينطبق على كل مجالات العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسائر العلوم الأخرى.
وما يهمنا اليوم في موضوعنا هذا تناول الأحداث التي ترتبت على الاحتلال الأمريكي للعراق، ونتائجها الكارثية على الأوضاع السياسية والاجتماعية للمجتمع العراقي منذ الغزو الأمريكي للعراق في العشرين من آذار 2003 وحتى اليوم ، والتأثيرات السلبية الخطيرة على مستقبل العراق وشعبه.
ولكن لا بأس أن نعود قليلاً إلى الوراء لنستعرض السياسة الرعناء لنظام البعث، والتي قادت العراق إلى المصير المجهول، فقد تعرض العراق على عهد هذا النظام الشمولي الذي دام 35 عاماً ، وبوجه خاص على عهد الدكتاتور صدام حسين الذي فرض نفسه قائداً أوحداً يمسك بين يديه كل مفاصل الدولة، وكل القرارات المتعلقة بمصير الشعب والوطن، لكوارث رهيبة كان أبشعها حروبه الكارثية المتتالية بدءً من حرب الخليج الأولى ضد إيران التي دامت 8 سنوات بالنيابة عن الولايات المتحدة ، فاحتلال الكويت ، فحرب الخليج الثانية التي خطط لها الرئيس بوش الأب بمشاركة جيوش 32 دولة أخرى بدعوى تحرير الكويت، لكن الهدف الأساسي لتلك الحرب كان تدمير القدرات العسكرية العراقية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ثم الحصار الأمريكي الجائر الذي يعتبر بحق أقسى وأشنع أنواع الحروب ضد الشعب العراقي ، والذي دام 13 عاماً عجافا كانت له اشد التأثيرات الكارثية على البنية الاجتماعية والاقتصادية العراقية، ثم تلا ذلك حربه الداخلية لقمع انتفاضة الشعب عام 1991، فاستمراره بلعبة القط والفأر مع الولايات المتحدة حول التخلص من أسلحة الدمار الشامل، ومواصلة الإدارة الأمريكية القصف الجوي المستمر على العراق في عهد الرئيس كلنتون، وأخيراً حرب الخليج الثالثة التي قادها الرئيس بوش الأبن باسم تحرير الشعب العراقي من نظام صدام، وانتهت بسقوط النظام ، واحتلال الجيش الأمريكي للعراق إلى أمد لا أحد يستطيع تحديد مداه، وتكشّف زيف الادعاءات الأمريكية حيث انتقل الشعب العراقي من طغيان نظام صدام إلى طغيان نظام الاحتلال الأمريكي.
لم تكن هناك أية مبررات لتلك الحروب الكارثية، وما كان لها أن تحدث لولا استئثار نظام البعث بالسلطة المطلقة، والتصرف الطائش والأهوج، وجنون العظمة لصدام، وتطلعاته للهيمنة على منطقة الخليج فهي التي قادته، وقادت الشعب العراقي إلى هذه النهاية المفجعة ، وأوصلت العراق إلى الاحتلال والخراب والدمار .
وجاء الاحتلال الأمريكي للعراق على الرغم من معارضة الأمم المتحدة ، ومعارضة معظم دول العالم وفي مقدمتها فرنسا وروسيا والصين الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن لتلك الحرب التي سببت للعراق من الكوارث التي كانت الأشد من سابقاتها بسبب الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الحاكم الأمريكي بريمر خلال عام كامل، وسواء أكانت قرارات بريمر الكارثية قد جرى أعداها سلفا في دهاليس البيت الأبيض والبنتاجون ، وهو ما أرجحه، أم أنها قرارات خاطئة اتخذها بريمر بنفسه فالنتيجة كانت واحدة قيام نظام طائفي وعنصري شوفيني أجج الصراعات الدينية والأثنية بين مكونات المجتمع العراقي والتي قادته إلى الصراع المسلح والحرب الأهلية الطائفية، ولا أريد الإطالة بالحديث عن تفاصيل الكوارث التي حلت في العراق على يد المحتلين ومن جاؤوا بهم وبوأوهم أعلى مناصب الدولة ليقودوا العراق إلى الهاوية فالشعب العراقي كله ما زال يعيش هذه كارثة، وما زال يكتوي بنيرانها، ويدفع كل يوم ثمناً باهظاً من دماء أبنائه البررة التي جاوزت الـ 650 ألف ضحية، وتشريد أكثر من أربعة ملايين مواطن عراقي يقاسون شضف العيش في ظل ظروف قاسية جداً بعد أن جرى إخراجهم من بيوتهم وتهجيرهم تحت تهديد السلاح والقتل والحرق .
لقد حلت الإدارة الأمريكية الجيش وقوات الشرطة ولم تقم بواجبها في حماية مرافق الدولة وحماية المواطنين حسبما تقتضي معاهدة جنيف، فكانت النتيجة سيادة شريعة الغاب تحت سمع وبصر القوات الأمريكية التي كانت تقف مكتوفة الأيدي أمام عمليات السرقة والنهب التي امتدت إلى كل مرافق الدولة دون استثناء ، فهل كانت القوات الأمريكية التي أسقطت نظام صدام بما يمتلك من جيش جرار، وأجهزة أمنية ، وجيش القدس، وفدائيي صدام في 20 يوماً عاجزة عن حماية مرافق الدولة وحماية المواطنين العراقيين؟
ثم هل عجزت الإدارة الأمريكية عن إيجاد 30 عنصرا وطنياً مستقلاً من التنكوقراط لتشكيل حكومة مؤقتة تتولى الحكم لفترة زمنية محدد، وتتولى إعادة الأمن والنظام في البلاد ، وتأمين الخدمات الضرورية للمواطنين، وتهيئة المستلزمات لإقامة المؤسسات لنظام حكم ديمقراطي حقيقي يضمن الحقوق والحريات العامة لسائر مكونات الشعب بصرف النظر عن القومية والدين والطائفة ، أم أن الإدارة الأمريكية قد قررت سلفاً حكم العراق بصورة مباشرة فنصبت بريمر حاكماً على البلاد في بادئ الأمر، ثم اضطرت أمام ضغط واحتجاج العالم اجمع إلى إقامة ما أسمته بالعملية السياسية، وإقامة هذا النظام الطائفي والعرقي المقيت تحت جناحيها لتمزق البنية الاجتماعية للشعب، وتزجه في هذا الصراع العنيف، كي يستمر احتلالها للعراق؟
وجاءت الإدارة الأمريكية بدستور بريمر الذي كرس الطائفية والعرقية في البلاد ، وفتح الباب واسعاً أمام القوى التقسيمية لتفتيتها، و اتُخذ فيما بعد أساساً للدستور الدائم الذي تم وضعه من قبل قادة أحزاب الإسلام السياسي الشيعية وقادة الأحزاب الكردية تحت إشراف السفير الأمريكي، حيث باتت البلاد على كف عفريت.
إن كل ما اتُخذ من إجراءات خاطئة في العراق منذ 9 نيسان 2003 وحتى اليوم تتحمل مسؤوليتها الإدارة الأمريكية، وإن العملية السياسية التي قامت على أسس خاطئة قد جاءت بهذه النتائج الخاطئة، والتي جلبت وما تزال الكوارث للشعب العراقي .
إن العملية السياسية بوضعها الحالي لا يمكن أن تحقق الأمن السلام والحياة الهادئة للشعب، بل على العكس قد أصبحت مدخلاً لصراعات قد تمتد لأمد طويل، وهي تتطلب إعادة النظر الجذرية بكل مفاصلها بدءً من الدستور والبرلمان والحكومة، بما يؤمن الحفاظ على تماسك البنية الاجتماعية والحفاظ على وحدة الشعب والوطن، وكبح جماح الساعين لتقسيم العراق باسم الفيدرالية التي باتت تستهدف تحويل العراق إلى دويلات الطوائف والأعراق، وإن إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في البلاد هو الكفيل بتأمين حقوق وحريات كل القوميات، وكل أتباع الطوائف والأديان ، وتأمين الحياة الكريمة للجميع، والعراق بما يمتلك من موارد نفطية وغيرها من الموارد الوفيرة قادر بكل تأكيد على ضمان حاجات المواطن العراقي المادية على أحسن وجه.

5/8/2008