الرئيسية » مقالات » الخيار الجديد لجيش المهدي، خطوة متأخرة جداً

الخيار الجديد لجيش المهدي، خطوة متأخرة جداً

ذكرت صحيفة (وول ستريت) الامريكية، يوم الثلاثاء، الخامس من آب 2008، بانها حصلت على كرّاس خاص، يتحدث عن ان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ينوي تحويل جيش المهدي، الجناح العسكري للتيار، الى منظمة اجتماعية ذات نشاطات سلمية، واضافت الصحيفة بان الشيخ صلاح العبيدي المتحدث باسم مكتب الشهيد الصدر، قد اكد هذه المعلومات التي ستذاع رسمياً على الناس اثناء صلاة الجمعة القادمة حسب الكراس الموما اليه.

قبل البت فيما اذا كانت هذه المعلومات دقيقة ام لا، لابد لنا من تسليط الضوء على ظروف تشكيل ميليشيا جيش المهدي وكيفية نشوئها بعد سقوط النظام السابق عام 2003.

شكّل رجل الدين الشاب مقتدى الصدر ميليشيات جيش المهدي اواخر عام 2003، اي بعد سقوط البعث باشهر معدودات، وكان التشكيل ارهاصة جديدة لوضع غامض وملتبس في بيئة غير واضحة المعالم في شكل نظامها السياسي، حيث لم يكن الدستور مكتوباً، ولم تقع الانتخابات بعد، وليس هناك سوى مجلس الحكم الذي شكلته الاطراف والاحزاب العراقية صاحبة اليد الطولى في معارضة النظام السابق في المنفى، تحت فيتو القوات الامريكية التي سرعان ما تحوّلت من قوات تحرير الى قوات احتلال .. ومنذ اليوم الاول الذي تشكل فيها جيش المهدي اصبح الخطاب الصدري مميّزاً ومتمايزاً عن السرب الشيعي العام باحزابه الاسلامية والعلمانية، فلم ينبع هذا الخطاب من نفس مرجعية الخطاب السياسي الشيعي العام، ولا حتى ينتهي الى مقاصده، بل كان في حقيقة امره، خطاباً مشوّشاً وضبابياً، ينسجم مع الاطر العامة للخطاب الوطني تارة ً، وينقلب عليها في باطن امره تارات عديدة، ليكون احد عناصر التقوقع على المذهب والطائفة، بل وحتى على المنطقة، بعقدة البروليتاريا المسحوقة المتعطشة لمعارضة السلطة والدولة، تحت اي سببٍ كان، ولايّ شيءٍ يحصل.

هذا الخطاب الديماغوجي الصدري وفر شعبية كبيرة وارضية واسعة للتيار ان يكون احد اهم القوى المحرّكة للوضع السياسي الشائك والمعقد في مشهد العراق الجديد .. ومما لاشك فيه ان خطاب الرفض للاجنبي ومعارضة الفيدرالية والثبات على النظام المركزي الشديد حتى بعَلَمه البعثي السابق وبألوانه ونجومه، فضلا ً عن مغازلة عاطفة الجمهور بالمطالبة بتحسين الخدمات اليومية، ورمي كل الاخطاء والمشاكل في سلة الحكومة (حتى قبل ان تُسمّى كذلك)، قد البس التيار سمة الجماهيرية وجعله التيار الأقرب للمواطن الفقير والبسيط، سيما وان قياداته لم تتسم بالفشخرة والتمظهر او حب التفنن باستخدام مصطلحات السياسة الجافة، بل كانت عبارة عن عمائم وكادحين، استوطنوا الشوارع والساحات العامة بلافتاتهم واقوالهم واجسادهم كذلك.

اما قيادة التيار فلم تكن للاسف الشديد، ذات دراية جيدة بحنكة السياسة وخبث ودهاليزها، فكانت تستفز بسهولة وبأقل كلمات ممكنة، لتنجر الى حرب بل حروب سواء مع الحكومة العراقية ام مع الامريكان، دفع من خلالها ابناء التيار ربما اضعاف ما دفعوه على يد البعثيين في السابق. وكان التخبّط في السياسة شعاراً دائماً لهم في معاركهم العرضية والجانبية، فكانت لهم اليمين في البرلمان والحكومة والعملية السياسية، في حين تسرح الشمال بعيداً عن هموم بناء الدولة، لتحارب باسلحتها وعبواتها القوات العراقية والاجنبية على حدٍ سواء .. وهذا ما حيّر النقاد والمراقبين السياسيين، حيث لم يكن من السهل تمييز اذا ما كان التيار يؤمن بالعملية السياسية فعلا ً كسلاح سلمي لاخراج المحتل، ام انه يريد تحقيق هذا الهدف بالآلة العسكرية فقط ولا شيء غيرها، كما هو حال منظمات مسلحة اخرى.

وبعد مسيرة خمس اعوام على التيار بانتعاشاته وانتكاساته السياسية، وصل الامر الى مواجهة علنية وواضحة مع الحكومة العراقية ورئيس وزرائها الحالي نوري المالكي، وانتهت بعملية عسكرية جبارة وقاصمة لتنظيمات جيش المهدي في البصرة ومدينة الصدر ببغداد، وضعت الحكومة في موقف القوي في مفاوضاتها الاخيرة مع التيار، لدخول القطعات العسكرية داخل المدن التي ينشط فيها مع ذراعه جيشه المهدي .. لذا يرى بعضهم بان الخارطة السياسية العراقية تشكّلت بطريقة جديدة وعلى اسس مغايرة عما كانت عليه قبل المواجهات الاخيرة بين الحكومة والتيار، والتي سبّبت ضعفاً واضحاً لميليشياتها وبالتالي ضعفاً لاداء نخب المكتب السياسية التي باتت هي الاخرى مهزوزة نتيجة فقدانها لعنصر قوتها الفعلية الضاغطة على الجميع، اَلا َ وهو جيش المهدي العسكري.

كل هذه الظروف وظروف اخرى موضوعية مرتبطة بالوضع العراقي العام، وثقافة النضج الذي حظيت بها الكتل المتنازعة فيما بينها، خصوصاً الاطراف الطائفية التي تناحرت وهجّرت بعضها بعضهم، ناهيك عن الخذلان الشديد الذي احسّه العراقيون من سياسييّ العراق الجديد والامتعاض القوي من الاداء السياسي المتردّد، اذا ما اضفنا لها انهاك المجتمع العراقي لقواه وخزائنه نتيجة حروب التهجير والقتل المتبادل .. كل ذلك، ادّى بالسيد مقتدى الصدر ان يقرّر تحويل مهام جيش المهدي من منظمة عسكرية قتالية الى منظمة اجتماعية، تعنى بامور واحتياجات العوام من الناس، هذه الخطوة الشجاعة كانت متوقعة من الصدر مؤخراً، خصوصاً اذا علمنا بالبوادر الكثيرة التي سبقتها، مثل التجميد المُكرّر لعمليات جيش المهدي، ومن ثمّ الخطابات المتوالية منه حيث يسكن، والتي تدعو بأجمعها الى ضرورة التهدئة والكف عن قتال الحكومة وحتى القوات الامريكية.

الدور الاقليمي كان هو الآخر عاملا ً مساعداً لتحقيق الاستقرار والامن النسبي في العراق، ودافعاً مهمّاً لمثل هكذا خطوة، حيث الانفتاح السياسي الكلامي والمغازلات الاعلامية الاخيرة بين ايران و(الشيطان الاكبر) امريكا، هيّأت السبل والبيئة المناسبة للصدر، ان يُعلن تغيير ستراتيجيته تجاه المحتل وتحويل مسارات اهتمامه من السياسة الى العلم والدراسة الدينية الحوزوية، معلناً عن توجّه جديد سيكون محض احترام الجميع، حتى المخالفين له.

الصدر ومن خلال هذه الخطوة، يزرع الامل في نفوس المُحبَطين من العملية السياسية والنظام الجديد، من انّ الرضيع الخدّج (العراق الجديد)، لم ييأس بعد، من محاولات الانعاش الديمقراطي وانه ماض نحو تأسيس كيان مسالم ورصين يحترم الانسان، ويقدّس دمه وعرضه وماله وارضه بغض النظر عن طائفته او قوميته .. واتمنى ان يكون هذا التوجّه الجديد نبراساً لمنظمات مسلحة اخرى، يُفترض انها وعت بأن سلاحها كان سبباً في دمار البلد وممتلكاته .. واتمنى كذلك مع خالص الاحترام والتقدير لمن يؤمن بالسلاح فقط في اخراج المحتل، ان يعي جيداً انّ ليس كل العابدين يفهمون ما يفهم .. فكلٌ لديه منهجه وسلوكه، وآن الاوان للتخلّي عن السلاح، وتحكيم منطق العقل والعمل السياسي لاخراج العدو المشترك، على الاقل في الفترة الحالية، حتى نعرف ما الذي يمكن ان يكون في المستقبل.

في النهاية، خطوة الصدر الاخيرة اذا ما ثبتت صحتها فعلا ً، فانها تستحق الاحترام والتقدير حتى ان كانت متأخرة حسب تصوّرنا، لانها تضمر في طياتها الايمان بمجتمع ديمقراطي سلمي اعزل، لا يؤمن بالسلاح كخيار في رسم السياسة العامة للبلد، وانما التعايش والتفاهم هو البديل، وهو بلاشك تحوّل راقي في الفكر الاستراتيجي لاحد الحركات (الشيعية) المناهضة للاحتلال، والتي اُخترقت للأسف، من بعض الانتهازيين، وكانوا دعاة ً وسبباً للحرب الاهلية المقيتة (او سمّها ما شئت)، ممّا لطّخوا سمعة التيار، واثروا في حركته.