الرئيسية » مقالات » كركوك وامتحان النوايا

كركوك وامتحان النوايا

بعد سقوط الدكتاتورية الشوفينية في العراق كان بمقدور القيادات الكردية انتهاز الفرصة لاسترداد الأراضي الكردية المقتطعة من إقليم كردستان الجنوب ولكن حرصا من هذه القيادات على العهود والمواثيق التي قطعتها لأطراف المعارضة العراقية الأخرى والتزاما منها بوحدة العراق وتأكيدا لصدق النوايا الكردية الحسنة , فقد امتنعت عن انتهاز هذه الفرصة التاريخية لاسترداد الحقوق الكردية المغتصبة , مفضلة حل مسالة تلك الأراضي مع شركائها بالتراضي والحوار والطرق الدستورية ,تجنبا لأي صراعات بين مكونات الشعب العراقي وتحديدا التركيبة الاثنية في كركوك , على هذا الأساس امتنع الأكراد عن المساس بالأوضاع القائمة في كركوك ريثما تتشكل الدولة العراقية الجديدة ليصار عبرها إلى حل مسالة الأراضي الكردية المقتطعة عبر الوسائل الدستورية لضمان الحق الكردي قانونيا .
فيما بعد سن الدستور العراقي وتم إقراره وانتخب البرلمان العراقي وتشكلت السلطة السياسية , حيث وفر الدستور الجديد ضمانات للأكراد ليطمئنوا على مصيرهم في العراق الجديد حينما أقرت مواد دستورية متعلقة بالفيدرالية والمادة 140 بخصوص كركوك .
ولكن الذي حدث لاحقا أن الأطراف العراقية الأخرى غير الكردية بدأت تتهرب من تطبيق المادة 140 بذريعة اضطراب الوضع الأمني في البلاد , وقد تفهمت القيادة الكردية المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق فوافقت مرارا وتكرارا على تأجيل تطبيق المادة المذكورة تضامنا مع الشعب العراقي ضد الحرب الإرهابية الشرسة التي يشنها النظام الإقليمي العربي – الإسلامي على العراق , مع إدراك القيادة الكردية أن التأجيل ليس في صالح الشعب الكردي ولكنها فضلت المصلحة العراقية العليا على المصالح الذاتية لإقليم كردستان الجنوب بعيدا عن الأفق القومي الضيق , مع أنها كانت تدرك أن المماطلة والتسويف مضيعة للوقت تكلف الأكراد تبعات كثيرة لأن الطبيعة الجدلية لتطورات الأحداث في العراق والمنطقة تفتح كل الاحتمالات ومن ضمنها تبدل مناخ السياسة الدولية بشكل لا يلائم مصالح الأكراد مما يعني ضعف الموقف الكردي إزاء مواقف الأطراف العراقية الأخرى خاصة تلك التي انكشفت نواياها الحقيقية تجاه كركوك ومع ذلك فقد قبلت القيادة الكردية بالتأجيل احتراما لجراحات العراقيين , وهذه ذروة النبل والتضحية التي تجسد معاني الوطنية الحقة في الدولة العراقية ا.
للأسف كل المخاوف من قصة التأجيل أصبحت واقعية ,إذ لمجرد تراجع حدة الإرهاب وتنفس الحكومة العراقية الصعداء وحدوث انفراج هش في الأزمة السياسية ونزع فتيل الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة ,فان رفاق النضال بالأمس وشركاء البناء في اليوم ردوا الجميل إلى الأكراد بمحاولة الانقلاب على الدستور العراقي الذي اقروه بأنفسهم , وكانت بداية الانقلاب من كركوك .
وهنا لنقارن بين موقف القيادات الكردية حين واتتها الفرصة لاسترداد كركوك ولم تفعل وبين مواقف القيادات العراقية داخل السلطة وخارجها التي ما أن توفرت لها نصف فرصة ميتة حتى سارعت إلى الانقلاب على المادة 140 أي الانقلاب على الدستور باعتبارها جزءا أساسيا منه, وهذه محاولة لتكريس الأمر الواقع في كركوك وفصلها نهائيا عن أراضي إقليم كردستان الجنوب , لقد استغلت أطراف عراقية انفتاح الإدارة الأمريكية على القوى الشوفينية – العنصرية المعادية للقومية الكردية وكذلك ازدياد تدخل الدول الإقليمية في العراق لصالح توجهات مثل هذه القوى لتقوم بمحاولة الانقلاب على الدستور .
هناك تبدل في السياسة الدولية نحو المنطقة وهو تبدل مرحلي ( استراحة محارب ) في هذه المرحلة المؤقتة فان واشنطن مضطرة لأسباب تتعلق بانتخابات الرئاسة في أمريكا إلى مسايرة بعض القوى والدول المناوئة لها وقد تقدم لها بعض المغريات من خلال مساومات وصفقات سيكون لبعض منها اثر سلبي على الجانب الكردي خاصة وعلى قوى الاعتدال والديمقراطية عامة ليس في العراق وحده بل في دول المنطقة عموما , مقابل تلبية هذه القوى لمطالب أمريكا وهي :
إيقاف حرب الإرهاب في العراق – مساعدة واشنطن في إنجاح العملية السياسية في العراق – إضافة إلى مسائل إقليمية أخرى ليست موضوع مقالنا , بناءا على ذلك فأن أمريكا تلبية لرغبة عواصم عربية وافقت على ظهور الصداميين الجدد في العراق – أتمنى لو يكون استنتاجي هذا خاطئا – ليعودوا إلى الحياة السياسية علانية وما أن سمحت لهم الفرصة حتى كشروا عن أنيابهم محاولين ابتلاع كركوك بجرة قلم من خلال إفراغهم للمادة 140 من مضمونها اعتقادا منهم أن بمقدور العواصم العربية وأنقرة التدخل لدى أمريكا بغية إقناعها بغض نظرها عن المهزلة التي وقعت في البرلمان العراقي بغياب الكتلة الكردية ثاني اكبر كتلة برلمانية وشريك أساسي في السلطة المركزية .
لقد نجح الأكراد في اختبار النوايا بعكس القوى الأخرى التي بينت سؤ نواياها تجاه الأكراد , وإذا كانت ثمة مخاوف فهي ليست كما تشيع الدعاية الشوفينية من سير الأكراد نحو الانفصال وإعلان الدولة المستقلة بل الخوف الحقيقي هو من القوى الأخرى السائرة على طريق الانقلاب على الدستور كما انقلبوا على العهود والمواثيق وعلى المادة 140 , من يدري مثل هؤلاء عند أول فرصة تتاح لهم سوف ينقلبون على الفيدرالية أيضا التي تعتبر الضامن الوحيد لحقوق شعب إقليم كردستان الجنوب , وحينها فأن الشوفينيين والعنصريين المدفوعين من الدول الإقليمية هي التي ستجبر الأكراد إلى إعلان الاستقلال ليعود العراق إلى النقطة ما دون الصفر , إذا لم نقل أن هذا الإجراء سيفجر حرب إقليمية طاحنة لن ينجوا أي طرف من كوارثها .
في ظل هذه التوترات والمشاحنات والتقلبات والمؤامرات , فأن القيادة الكردية ممثلة في الرئيس مسعود البرزاني هو الضامن الوحيد للحق العراقي والحق الكردي في كركوك , فقد بينت الأحداث في مواقف عدة انه رجل الساعة والقائد الصلب الذي لا يلين له موقف إذا تعلق الأمر بمصير شعبه , وهو الزعيم الوطني العراقي وصمام أمان سلامة العراق ووحدته واستقراره , كلنا أمل انه يمتلك مشروع حل عادل لقضية كركوك ما يضمن حقوق ومصالح كافة أبنائها دون تمييز , من هنا نناشد كل الغيورين على العراق من قوى الاعتدال والعقلانية أن يتعاونوا مع القيادات الكردية لمعالجة الأزمة الراهنة بما فيه خير كل العراقيين .
لقد بينت الحرب الإرهابية الدائرة منذ 2003 أن الدول الإقليمية والقوى الخارجية غير آبهة بالعراق وشعبه بل كلها تبحث عن مصالحها ومصالح حكامها حيث رأينا كيف أرسلوا جيوش الإرهاب لقتل العراقيين دون تمييز , لذلك ليس من الصواب أن يضع مكون عراقي نفسه تحت خدمة أجندة هذه الدول في العراق لدوافع قومية أو دينية , لقد قتلوا العرب والأكراد والتركمان والكلدواشور من مختلف الأديان والطوائف ,فأين هي غيرتهم على الدم العراقي وأين هي صلة الدم بينهم وبين العراقيين حتى تردعهم عن الجرائم الرهيبة التي ارتكبوها بحق العراقيين , أن الرهان على الدول الإقليمية خاسر حيث لا يجوز للتركمان الاستقواء بتركيا ولا يجوز للعرب السنة الاستقواء بهذه الدولة العربية أو تلك ولا يحق للعرب الشيعة الاستقواء بإيران لأن هذه الدول تبحث عن مصالحها وهي تستغل الرابطة القومية أو الدينية المشتركة بينها وبين مكون عراقي لتجند أبناء هذا المكون في خدمة مصالحها مما يضع العراقيين في مواجهة بعضهم البعض والذين يدفعون الثمن هم العراقيون وليست تلك الدول , لذلك المصلحة العراقية تقتضي تعاون الجميع على تحقيق مصالحهم المشتركة , أقول هذا لآن العامل الإقليمي يحشر انفه في مسالة كركوك ويحرض بعض القوى العربية والتركمانية على تأزم الموقف عل الأمور تتطور إلى الأسوأ لتجد تلك الدول ربما فرصة للتدخل وان لم تجد فإنها على الأقل سوف تنجح في تمديد اجل أزمة الإنسان العراقي إلى ما لانهاية .
أيها العراقيون إذا استنفذت طرق الحوار والسياسة والدبلوماسية وإذا تم الالتفاف على الدستور والقانون , فان الوقت سيمضي سريعا نحو الاشتعال وحينها فان الحكومة الكردية مضطرة إلى اتخاذ الإجراء الأخير (مكره أخاك لا بطل ) فالقائد مسعود البرزاني حسب تصوري المتواضع لشخصيته سوف يناضل من اجل إتباع أقصى درجات العقلانية ولكنه في نفس الوقت سيضع في ذهنه أسوأ الاحتمالات , فإذا سدوا في وجهه سبل الحوار علينا توقع كل شيء بما فيه إعلان حق شعب كردستان في الانفصال وبناء دولته المستقلة وما يترتب على ذلك من احتمالات نشوب نزاع مسلح لا يحمد عقباه , ولقطع الطريق على كل هذه الاحتمالات الرهيبة وتجنب مؤامرة إقليمية – دولية تستهدف العراق يجب العودة إلى الدستور العراقي وإحياء المادة 140 كحكم عادل بين جميع الأطراف .
لقد بينت الأزمة الأخيرة حول كركوك والتي افتعلها الصداميون الجدد , أن نوايا أطراف عراقية غير صافية نحو الأكراد وان المسالة لها أبعاد تتعدى كركوك إلى مصداقيتهم في احترام الدستور العراقي ككل , فالقوى الدكتاتورية والشوفينية والإرهابية المستترة تحت مسميات عدة تتحين الفرص لكي تبتز الحكومة العراقية والإدارة الأمريكية بسلاح الإرهاب فيما لو لم تلبي مطالبها في إعادة العمل بالدستور الصدامي والعودة إلى الحكم المركزي , ولذلك فان مشكلة كركوك لم تعد مسألة استرداد أراضي مقتطعة ولا ثروة بترولية بل باتت بالنسبة للأكراد قضية مصيرية فيها يعاد امتحان نوايا الأطراف العراقية الأخرى نحو إقليم كردستان وشعبه وحتى تعود ثقة الأكراد بشركائهم في الوطن يجب العودة إلى المادة 140 وتحديد سقف زمني نهائي لتطبيقها وفي ذلك يكون الحل العادل .