الرئيسية » مقالات » نحو هيأة قطاعية تعليمية مستقلة

نحو هيأة قطاعية تعليمية مستقلة

مقدمة:

في عددها المزدوج ليومي السبت والأحد 26/27 يوليوز 2008 على الصفحة العاشرة، نشرت جريدة “العلم” اليومية المغربية بيانا موقعا باسمنا عنوانه “المطالبة بإلغاء الانتقاء القبلي للأساتذة المترشحين لتدريس أبناء الجالية المغربية بالخارج”. وفي اليومين المواليين مباشرة لهدا التاريخ، يوم الاثنين 28 يوليوز 2008، تم الإعلان رسميا عن نتائج مبارتين مهنيتين أخرتين اعتاد المتبارون سماع إعلانها في بداية شهر أكتوبر بعد مرور سنة كاملة على اجتيازها ونسيان المواضيع التي أثيرت فيها والأجواء المشحونة التي تلازمها عادة…
ما بين “المطالبة بإلغاء الانتقاء القبلي للأساتذة المترشحين لتدريس أبناء الجالية المغربية لسنة 2008” والإفراج عن نتائج مباريات مهنية تظل محتجزة لمدة سنة كاملة في الكواليس في انتظار تحميلها وظيفة تؤديها خارج وظيفة إسعاد المتبارين كوظيفة تهدئة وضع حرج أو التنفيس عن كارثة متعاظمة أو للهروب إلى الأمام، ما بين الاثنين ثمة خيط رفيع يمسك بكل عيون شباك الأزمة التي تصدت لها وما زالت “بيانات أكتوبر السنوية” خلال الخمس سنوات الأخيرة وتؤازرها الآن هده البيانات الصيفية الطارئة.


عندما يصبح الإعلان عن نتائج مباراة مهنية فرصة ذهبية للهروب من مأزق مباراة مهنية أخرى:

حدث مرارا اللجوء للهروب من مأزق مباراة من المباريات المهنية باستثمار أوراق مساعدة. ففي سنة 2004 “كوفئ” بالأقدمية من “غير المضربين عن مباراة السلم 11” بالتنجيح بشكل يكاد يكون جماعيا في المباراة الأولى من تاريخ هدا السلم الإداري الجديد على القطاع.
وفي سنة 2005 تم الإعلان عن نتائج مباراة ولوج السلمين 10 و11 في عز الصيف وتمت “معاقبة” نيابة العرائش التي صدر منها بيان أكتوبر الأول بمنحها 7مُنجحين فقط مقابل 117 مُنَجحا في المباراة الأولى.

وفي سنة 2006 ، بعد رد فعل بيان أكتوبر 2005 الذي اعتبر معاقبة نيابة بأكملها على احتجاج حضاري من خلال نتائج المباريات المهنية غير قانوني وغير أخلاقي، مُنِحَتْ نيابة العرائش حصة إضافية “من بيت مال المسلمين” كما كان يقول سلاطين الأمس القريب عند مكافأة شعراء المدح… لتدارك خطأ السنة السابقة.
وهدا الصيف، طبقا لنفس المنطق المزاجي، تعلن نتائج مباريات السنة الماضية بعد يومين فقط من نشر الصحافة الوطنية المغربية الوازنة للبيان الذي يطعن في الشكل اللاقانوني واللامهني للانتقاء الأولي للأساتذة المترشحين لمباراة تدريس أبناء الجالية المغربية في أوروبا الغربية. وهو ما يعني أن إعلان النتائج لا تخضع في إعلانها للانضباط للمواعيد وإنما لمنطق الاستثمار في أوقات الشدة للتهدئة أو التصعيد أو الهروب إلى الأمام…


المطالبة دائما بإلغاء نتائج الانتقاء للأساتذة المترشحين لتدريس ابناء الجالية لسنة 2008:

مخالفة المذكرة الوزارية رقم 84 الواضحة في صياغتها والصادرة بتاريخ 21 جمادى الثانية 1429 الموافق ل25 يونيو 2008 مخالفة مبدئية هو القاسم المشترك الذي شمل كل الأكاديميات الجهوية المغربية عبر كل ربوع الوطن. ولقد تجلى دلك من خلال أزمة فهم معيار “الانتقاء”: هل ينتقى الأستاذ “الأكثر كفاءة” أم “الأقل كفاءة” أم يتم اعتماد “القرعة” كمرادف للكفاءة أم اللجوء للحل الأخير والشائع، “الحل الرابع”؟

لقد أظهرت أزمة فهم معايير انتقاء الأساتذة على أعلى مستوى جهوي وهو الأكاديمية الجهوية وبعدها النيابة الإقليمية أن أزمة التسيير الإداري في قطاع التعليم وصلت مرحلة لا يمكن السكوت عليها. وإذا كان المسئولون لا يتقون إلا بالتقارير الدولية لصندوق النقد الدولية فليتقدموا لصندوق النقد الدولي بطلب في الأمر ليسمعوا ذات الحقيقة التي عرتها ” مباراة تدريس أبناء الجالية المغربية في الخارج” والمباريات الموازية لها.

لقد كانت أبرز علامات عدم التوفق في اختيار المعايير، إن كان ثمة معايير أصلا، استدعاء أكاديمية طنجة- تطوان، على سبيل المثال لا الحصر ، 25 خمسة وعشرين مترشحا لم يصل منهم إلى مرحلة الشفوي غير أربعة مترشحين فقط،. أي أن أقل حتى من الثَُمُنِ المنتقى في أكاديمية وازنة وطنيا كأكاديمية طنجة- تطوان تمكن من اجتياز مباراة موضوعها بسيط لا علاقة له لا بالتخصص ولا بالتحصيل العلمي ولا بأي شيء: موضوع المباراة هو موضوع في “الثقافة العامة”!

إن إعلان نتائج مباراتين مهنيتين أو ثلاث أو حتى عشرة دفعة واحدة وبنسبة “تنجيح” تتجاوز المائة في المائة، فإن دلك لا يمكنه أن يشوش على مطلب عادل يتقاسمه الأساتذة المغاربة المحتجون مع كل الأحرار في العالم وعبر كل عصور التاريخ. كما أن التشويش على مباراة بإعلان نتائج أخرى لا يمكنه أن يساعد على الهروب إلى الأمام من جماهير صمتت طويلا منتظرة تحسن النوايا الإدارية وتطور الأدوات التسييرية.

لقد اثبت صمت الشغيلة التعليمية والاعتماد على النقابات الصورية فشله الذريع، والآن يتم تجريب التواصل فوق سطوح النقابات وبمستوى أعلى من سقوفها عبر الصحافة الورقية والالكترونية. أما غدا، فأشكاله الاحتجاجية متروكة للغدويين من الأساتذة المغاربة الأحرار…

ما بين إرادة الانتقام وإعادة الاعتبار ل”الكفاءة” و”دمقرطة النتائج”:

المتتبع للوتيرة المتصاعدة “للمقاومة الإدارية” في محاولة للحيلولة دون النزول للأرض وفتح التحقيقات، كما تقتضي دلك التقاليد الإدارية في الدول الراقية، وكشف حقيقة ما حدث ويحدث من خروقات يستحيل المضي في تجاهلها ما دامت آثارها بدأت تظهر في التصنيفات الدولية المهينة للتعليم الوطني المغربي.

هل يعني دلك سلوك خط جديد سيرا على نهج فلسفة “هيأة الإنصاف والمصالحة”، وهي بالمناسبة فلسفة عامية قوامها “اللي فات مات واحنا اولاد اليوم”؟

إن الإعلان الأخير ليوم الإثنين 28 يوليوز 2008 لنتائج المباراتين المهنيتين اللتين أريد لهما أن يشوشا عما أثارته مباراة “تدريس أبناء الجالية المغربية بالخارج” هو أيضا مادة صالحة للتحليل ما دام ينهل من نفس بنية التدبير ونفس النيات الإدارية. لدلك، فالملاحظ الفطن سينتبه من أول وهلة إلى أن “المدينة المدللة سابقا لدى الوزارة ” غابت غيابا مطلقا عند الإعلان على الأساتذة المدعوين لاجتياز الامتحان الكتابي لمباراة تدريس أبناء الجالية لسنة 2008 لأول مرة بعد بداية فلسفة “التناوب والتوافق” سنة 1998.

والملاحظ الفطن كذلك سينتبه من أول وهلة إلى أن الحصص على سبورة نتائج الأساتذة المنجحين في السلم 10 لسنة 2008 المخصصة ل “الأكاديمية المدللة سابقا لدى الوزارة ” قد “تقزمت” لأول مرة مند بداية فلسفة “التناوب والتوافق” سنة 1998…

يأتي هدا التغييب وهدا التقزيم بعد حوالي سنة من فضيحة “الستمائة منصب” من مجمل المناصب المتبارى عليها وطنيا لولوج السلمين الإداريين العاشر والحادي عشر في قطاع التعليم والتي لم تنل حظها من الحضور على صفحات الجرائد الوطنية الورقية والالكترونية ولا نالت حظها من النقاش الجاد في أوساط التنظيمات التي تقدم ذاتها للعموم على أنها نقابات!

إن هدا التغييب في منتهى الدلالة وفي منتهى الرمزية!

فمادا يعني تغييب “المدينة المدللة للوزارة سابقا” وتقزيم حصص “النيابة المدللة للوزارة سابقا ” و”الأكاديمية المدللة للوزارة سابقا ” عن لوائح التنجيح في المباريات الثلاث معا؟

هل هي فعل عقابي بمفهوم “العصبية” عند ابن خلدون، أو “العصبية الوزارية” بمفهومنا؟

أم هي رد الاعتبار لباقي الأكاديميات ضحايا سياسة “المدينة المدللة للوزارة” و”النيابة المدللة للوزارة” و”الأكاديمية المدللة للوزارة”؟

أم هي ” هيأة ثانية للإنصاف والمصالحة ” تتغاضى عن فضح أبطال “فضيحة الستمائة منصب” وتسبق الركب بنفخ أرقام عدد المنجحين في الأكاديميات المنسية سابقا؟…

ولمادا أصلا هدا الهوس الجديد بتساوي الحصص بين الأكاديميات في الوقت الذي تقزم فيه او تغيب مناطق كانت حتى عهد قريب “مدللة” لدى الوزارة نفسها وكانت تحصد نتائج أكبر من حجم سكانها وتقطف حصصا اكبر من حصص أكثر المدن كثافة سكانية في المغرب وهي مدينة الدار البيضاء أم الخمسة ملايين نسمة؟

أما فيما يتعلق بالحديث عن “دمقرطة النتائج” فأمر مسل للغاية!

كيف يمكن الحديث عن “دمقرطة النتائج” من خلال توزيع متساو للحصص وفي نفس الوقت يتم الحديث عن “الكفاءات”. إن تناقضا كهذا إما أنه يبين غياب “دمقرطة للنتائج” أو هو يثبت غياب “الكفاءة” كمعيار لسبب بسيط وهو أن “الكفاءة” و”دمقرطة النتائج” قطبان لا يلتقيان: إن “الكفاءة” في المباريات المهنية لا تعترف بالديموقراطية؛ كما أن الديموقراطية تنتهي بتنظيم المباريات في وجه الجميع ولا تسمح لنفسها أو يسمح لها احد بالعبث بالنتائج تحت أي مسمى.


المطالبة بمعرفة “حقيقة ما جرى للأساتذة وإنصافهم من الحيف قبل كل ترقية أوتنجيح أومصالحة”:

البداهة تقول أن الإنصات للضحايا يسبق إصدار قرار الحكم، والبداهة أيضا تقول أن الكشف عن التلاعبات يسبق الحكم على النتائج، والبداهة تقول كذلك أن التعاون مع كل مكونات قطاع التعليم وكل القوى الاقتراحية تسبق الإقصاء والتضييق والاستصغار، والبداهة في الأخير تقول أن إنشاء هيأة تعليمية مستقلة ل”الحقيقة والإنصاف والمصالحة” كان يجب أن تسبق أي مجلس للتعليم كيفما كان نوعه وكيفما كان مقامه…


نحو هيأة تعليمية ل”الحقيقة والإنصاف والمصالحة”:

الجلادون في هدا البلد تحمى أسماؤهم ومرتكبو الفضائح من علية الإداريين تحمى أسماؤهم… أما الأساتذة فتحمل عليهم أخطاء رؤسائهم بدء من تحميلهم عبء التصنيف العالمي المهين للتعليم الوطني إلى إذلالهم عبر إصدار “مذكرة سلا التجريبية” الصادرة يوم 21 ماي 2008 والتي تنص بشكل مهين على تعليق أسماء الأساتذة المتغيبين على لوحة عند مدخل المؤسسة التي يشتغلون بها…

إن تراكم الأخطاء في التسيير الإداري لقطاع التعليم المغربي واستفحال النتائج المترتبة عن هدا التراكم السلبي والحاجة إلى مصالحة وطنية تكون دافعة للنهوض بالقطاع يقتضي المرور عبر بوابة هيأة تعليمية مستقلة ل”الحقيقة والإنصاف والمصالحة” ذات توجه حقوقي مهمتها الإنصات لضحايا القطاع من الداخل والخارج، موظفين وآباء ومتعلمين… أما التحرك الظرفي عقب كل تصنيف مدل للتعليم الوطني فلن يكون أكثر من “رد فعل” يبرد حين يتقادم الفعل المولد له.

آن الأوان للعمل على تأسيس إطار قطاعي تعليمي مستقل “للحقيقة والإنصاف والمصالحة” للاستماع لأنين قطاع التعليم من الداخل بعيدا عن التقارير الدولية، وتحرير الأساتذة من محنهم المتجددة من جراء التسيير الإداري والسياسيات التعليمية المتغيرة مع كل اسم وزاري معين في أي حكومة…


التعويضات:

إن التفكير في “هيأة تعليمية مستقلة للحقيقة والإنصاف والمصالحة” هو تفكير في أشكال النهوض بالواقع الإداري في قطاع التعليم عبر إسماع أنين الشغيلة التعليمية التي تحملت بما فيه الكفاية أعباء ميزانية الدولة وصبرت بما فيه الكفاية عن الأخطاء الإدارية التي تدفع الشغيلة دائما ثمنها. إنه توسيع لفلسفة “هيأة الإنصاف والمصالحة” المنحلة عبر جعلها مفتوحة على الزمن وغير محصورة في حيز زمني ضيق. فلتكن “قطاعية” أيضا وغير محصورة في مصائر السياسيين وحدهم. فلتفتح “الهيأة التعليمية المستقلة للحقيقة والإنصاف والمصالحة” ملفات ضحايا التعليم أيضا وسياسات التعليم وأخطاء التدبير الإداري للتعليم… وليعوض رجال التعليم عما لحق بهم من أذى.

ليعوض الأساتذة المجازون الدين زُجََ بهم في قطاع التعليم الابتدائي ما بين 1986 – 1996 بعدما سدت في وجوههم كل المباريات وبعدما ثم تقديم وعود لهم بتعيينات قريبة وإدماجهم في السلم العاشر وهو ما تأخر لعدة سنوات بعد الخدمة الفعلية، وليعوضوا عن ضياع أربع سنوات مالية وإدارية من جراء التماطل الإداري في تسوية وضعيتهم كاساتدة مصنفين في السلم العاشر، وليعوضوا عن التأخر في إدماجهم آليا بعد عشر سنوات من الخدمة الفعلية في القطاع كمجازين، وليعوضوا عن التعيينات العقابية التي لم يختاروها في مراكز تكوينهم مع فوج 1990 وما بعده ، وليعوضوا عن إدخالهم للتعليم دون أي إرادة إدارية باستثمارهم في سبيل الرقي بالتعليم بعدما كان الهدف هو مجرد استيعاب الجامعيين المتشبعين بثقافة المعارضة وترويضهم من خلال تعيينات في منافي البلاد…

وليعوض الأساتذة من حملة الباكالوريا من الجيل الأخير عن حرمانهم في فترة التسعينيات من حقهم في متابعة دراستهم الجامعية.

وليعوض الأساتذة من جيل السبعينيات عن الاستمرار في تصنيفهم في السلالم الأخيرة (سلم8 و9) والدرجات الأخيرة (الدرجة 3و4)، وليعوضوا عن إهمال وضعهم المالي والإداري، وليعوضوا عن عدم إعطائهم حصة من الحصص التي تعطى في كل المباريات والترقيات ل”النقايبية”، أو”النقابيين النظاميين”، المترشحين لولوج السلالم العليا 10و11 …


ختام: عن “بيانات أكتوبر السنوية” (2004- 2008) مرة أخرى

عندما انطلقت “بيانات أكتوبر السنوية” في أكتوبر سنة 2004 مع أول مباراة مهنية مشكوك في مصداقيتها ومطعون في مصداقيتها، انطلقت معها “بيانات أكتوبر السنوية” كتقليد حداثي نبيل يهدف إلى التغيير عبر الصحافة الورقية والإلكترونية نظرا لتعذر التغيير عبر الخرائط النقابية المبلقنة والتنظيمات الخرافية والتكتلات المتشردمة والكائنات الورقية…

ولقد تدرجت “بيانات أكتوبر السنوية” حسب السنوات:

*من إحداث الصدمة، البيان الأول (10 أكتوبر 2004).
*إلى رصد ردود الفعل الصاخبة لقوى الصيد في المياه العكرة، البيان الثاني (18 أكتوبر 2005).
*إلى إدانة الانحراف النقابي في المغرب، البيان الثالث (بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان 2006).
*إلى النبش في الأهواء الإدارية في التعامل مع ملف التعليم، البيان الرابع (31 أكتوبر 2007).

ولقد جمعت “بيانات أكتوبر السنوية” (2004- 2008) في كتاب إلكتروني مجاني وهو منشور مند سنتين على المكتبات الإلكترونية العربية، على الإنترنت، وعنوانه “تاريخ التلاعب بالمباريات المهنية في المغرب”.

محمد سعيد الريحاني


انقر هنا لتحميل الكتاب الإلكتروني الهام والمجاني
“تاريخ التلاعب بالمباريات المهنية في المغرب”
http://www.khayma.com/culture-space/ebooksmanipulating_professional_contests_in_morocco.pdf



MOHAMED SAID RAIHANI
phone: 0021261682298
e-mail: raihanyat@googlemail.com
http://raihani.free.fr/arabicversion-monograph-index.htm
snail mail: P.O. Box 251, Ksar el Kebir 92150 / Morocco