الرئيسية » مقالات » بطلان الفتاوى الاجتهادية

بطلان الفتاوى الاجتهادية

في ظل التطورات الحديثة التي شهدها العصر الراهن ظهرت الى الوجود أمور وأشياء لم يكن لها سابقا وجود،مما دفع رجال الدين الى التماشي مع العصر والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية لهذه المسألة أو تلك،ولتعدد المنابر التشريعية والطوائف الدينية كان للاجتهاد أثره في حدوث تباينات وتقاطعات في وجهات النظر استناد للخلفية الفكرية والهوية المذهبية لهذا أو ذاك،مما أدى الى بروز صراعات تصل في بعض الأحيان الى إراقة الدماء من المناصرين لهذا الزعيم الديني أو ذاك،وأخذت الأمور منحى جديدا في الصراع بعد أن ارتفعت حماة التدخل في العمل السياسي والحياة العامة،فاصدر علماء الدين المسلمين فتاوى تكفيرية أدت إلى إراقة الدماء وإهدار للأرواح،وإحداث الفتن وإشاعة الخرافات مستندين في ذلك لاجتهادات شخصية وتخريجات لأحاديث كان أكثرها من الضعيف والمتروك والمهمل أو غير المتفق عليه أو رواية لخبر الواحد،وكان لتدخلهم في الشأن السياسي تأثيره الكبير في إشاعة التخلف وانحسار الوعي ،فالمعارف العامة أخذت بالضمور لدى الكثير من الشباب المتطلع للمعرفة بسبب انصرافهم لدراسة المعارف الدينية التي تعيش الماضي وما يترتب عليها من آثار كارثية في إشاعة الاحتراب،والابتعاد عن روح العصر بما فيها من تقدم في المجالات العلمية والفكرية،لذلك نشأ الإرهاب الديني الذي أخذ أبعاد خطيرة في تأثيره على التقدم الاجتماعي،وكانت السلفية الأصولية التي اتخذت من أقوال العلماء قوانين وسنن لممارسة نشاطها،وما جاء به الفكر المتطرف من أراء بعيدة عن سمة العصر،وأساء إساءة بالغة للفكر الإسلامي الحر وجعله مرفوضا في المجتمعات الحديثة المتطورة،لأنه أستلهم أفكاره ومثله من عصر تجاوزه العالم وأصبح في ضمير التاريخ وفي طيات الكتب ولم يعد صالحا لما وصل اليه العالم من حياة راقية حافلة بكل ما هو جديد.
لقد أستمد الفكر السلفي أرائه من طبيعة الصحراء ومثلها وتقاليدها وما كان عليه التاريخ الغابر للمسلمين وتناسى هؤلاء أن التاريخ يتقدم الى الأمام وأن ما كان صالحا في زمن من الأزمان لا يمكن أن يكون صالحا في زمن آخر،فالمتاجرة بالرقيق التي كانت سائدة في العصور الإسلامية الزاهية لم يعد لها وجود في قاموس العالم المعاصر،ولا يمكن لنا التفكير بإعادة أسواقها من جديد،وكذلك في مسائل الربا التي جاء الإسلام بتحريمها تحريما نهائيا،فيما أن التعامل في العصر الحديث لا يمكن له أن يكون إلا بالتعامل بهذه الطريقة،ولا يمكن لبلد ما أن يتقدم في هذا العصر دون أن يتفاعل مع قوانينه الاقتصادية التي فرضتها طبيعة المرحلة وما وصل إليه العالم من قوانين اقتصادية بنيت على هذه الأسس.
لقد حاول السائرين على الخط السلفي منذ بداية النهضة الحديثة الوقوف بوجه أي تقدم وتطور يسهم في نمو المجتمعات وبنائها على أسس سليمة تساير الزمن وتتطور بتطوره،لذلك وقفوا بقوة بوجه ما حدث من تطور في مناحي الحضارة المختلفة فكان التعليم في المدارس الحديثة من الكبائر وتعليم المرأة من الجرائم،واستعمال التلفون من الموبقات،والنظر الى التلفزيون مما يستحق الرجم والتعزير،والتقاط الصور تعارض مع مبادئ الدين وصنع التماثيل والنحت مسايرة لعبادة الأوثان، وما الى ذلك من مستجدات ظهرت تناولها هؤلاء بالمنع والتحريم،ووقفوا بوجهها ،ولكن حاجات الناس وتقدم المجتمعات جعل هؤلاء يتراجعون عن أفكارهم الصبيانية بعد أن أتضح للناس بطلانها،بل أن عوائلهم ذاتها كانت تحاول السير مع الزمن والاستفادة من التقدم الحديث فكان أن سكتوا راغمين بل أنهم أصبحوا من المحبذين لها العاملين بها،وفي أيامنا هذه استفادوا منها في نشر فلسفتهم الضالة فترى الجماعات السلفية تمتلك مؤسسات إعلامية كبيرة ،تسهم بشكل كبير في نشر فكرهم المريض ،ولهم قنواتهم الإخبارية التي استطاعت جذب البسطاء والسذج وأنتجت جيل إرهابي مؤثر،كان وراء الكثير من عمليات القتل والدمار التي أودت بحياة الملايين.
لقد تناسى هؤلاء ان الإسلام كان في وقته وقياسا لعصره يمثل الجانب التقدمي في الأفكار السائدة وأن الرسول الكريم حاول أصلاح المجتمعات من خلال نشر الفكر الداعي الى المساواة والبناء الاقتصادي الذي كان في وقته ثورة للفقراء على الأغنياء وبداية لبناء نظام اقتصادي متطور يسهم بشكل أو آخر في محاربة الفقر والقضاء عليه وكان جل المسلمين الأوائل من الطبقات الشعبية الفقيرة التي أخذت تنمو وتتطور حتى بدأت القوى الأرستقراطية تخشى هذا التحول مما دفعها الى الدخول في الدين الجديد من أجل الحفاظ على مكانتها ومكتسباتها الاقتصادية فكانت بداية الانقلاب على النظرية الإسلامية التي أصبحت بمرور الزمن وسيلة لبسط السيطرة والنفوذ واستغلال الماكينة الاقتصادية لمصلحة المترفين وأبعاد الفقراء والكادحين من المسلمين الأوائل الذين آمنوا بالإسلام حلا لمشكلتهم الاقتصادية،فكان رجال الدين الآلة التي استخدمت لتمرير الأجندة الجديدة بما وضعوا من أخبار وأحاديث تخدم توجهات السلطة وما يمتن من وجودها في قيادة المجتمع وبذلك تحول الدين من أداة لإسعاد الفقراء الى نار حامية تصلي ظهورهم بما فرض من ضرائب جعلت الأغنياء أكثر غنى والفقراء أشد فقرا،وبذلك أصبح رجال الدين ضمن السلطة الحاكمة يسيرون بأمرها ويخضعون لتوجهاتها ومن هنا أخذ هؤلاء مكانهم أجراء للحاكم رغم خروجه عن تعاليم السماء.
واليوم بعد التحولات الطارئة في الخارطة الاجتماعية أخذ رجال الدين يخلقون لأنفسهم حيزا جديدا في الحراك الاجتماعي بدخولهم طرفا في النزاع السياسي ،فاستغلوا الدين لتحقيق مصالحهم الخاصة وأصبح لهم مؤسساتهم التجارية والإعلامية المهمة التي تمتلك من الإمكانيات المادية ما يزيد على ما تمتلكه الكثير من البلدان النامية،وتمكنوا بطرقهم التي تعتمد التضليل من خداع لكثيرين بتوجهاتهم الدينية ،فأولوا الدين وتعاليمه لخدمة مصالحهم ،وتمكنوا من بناء منظومة كبيرة أصبح لها تأثيرها على مسار الأحداث ،وجعلوا من الدين سلما للوصول الى غايتهم الكبرى في فرض وجودهم بوسائل كثيرة يعاضدهم في ذلك الجهل المتفشي في المجتمعات الذي أسهموا بتكوينه لما له من أثر في أطالة أمد بقائهم وتحقيق مصالحهم الذاتية.
وقد نجح هؤلاء في أقناع البسطاء والسذج بصحة أطروحاتهم ، بما نشروا من فكر ليس له مكان في عالم اليوم متناسين أن الكثير من الماضي أصبح في ذمة التاريخ ولا مكان له في مواضعات العصر الحالي وأن ما كان سائدا قبل ألف عام ليس من المجدي أحيائه والعمل به،وأن المجتمعات عليها مواكبة التطور والاستفادة من الفكر الجديد الذي يلاءم العصر وأن الرسول الكريم لم يحاول فرض أرائه في المسائل الدنيوية أو أجبار الآخرين على الأخذ بها فقد ورد في الأثر أن النبي قدم الى المدينة فرأى جماعة يأبرون النخل فسألهم عما يصنعون ،فقالوا كنا نصنعه،فقال لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا لكم،قال الراوي فتركوه فنفضت النخلة ثمرها،فذكروا ذلك له فقال ،: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به،وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما الأمر لكم.
وفي رواية أخرى قيل أن النبي مر بقوم يلقحون النخل فقال لو لم تفعلوا لصلح، فخرج شيصا ،فمر بهم ،فقال ما لنخلكم،قالوا لقد عملنا ما أمرتنا به،فقال لهم أنتم أعلم بأمر دنياكم، وقيل أنه قال : ما كان من أمر دينكم فألي ،وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به.ولنا أن نتساءل هل كان الرسول الكريم يجهل أن النخل يحتاج الى لقاح سنوي وأنه لا يمكن أن ينضج إلا بهذا اللقاح،من الغريب أن يجهل ذلك ولكنه حاول بطريق آخر إفهام الناس بأن أمور الدنيا وما يتعلق بحياتهم اليومية هو من صميم عملهم ورأيهم وليس له أمر أو قول فيه وعليهم الاختيار لدنياهم بأنفسهم دون الحاجة الى مشير فأن قناعتهم هي التي توصلهم الى شاطئ الأمان ،فما بال رجال الدين هذه الأيام يحشرون أنفسهم في كل شيء ويجعلون من الإنسان آلة بأيديهم يسيرونها كما يشاءون وما يخدم مصالحهم الذاتية.