الرئيسية » مقالات » جدلية التوافق السياسي

جدلية التوافق السياسي

فجأة، صار الحديث عن مبدأ التوافق مادة للجدل في المحافل العراقية، السياسية والاعلامية المختلفة، فمن يعده ضروريا في مرحلة الانتقال التي يمر بها العراق، ومن يراه خطيئة تتعارض مع مبدأ الديمقراطية، ومفرخة للمحاصصات، وبدعة من بدع العهد الجديد والاكثرية الحاكمة، واحسب ان مناقشة هذا الموضوع تفترض، اولا وقبل كل شي، تحصينه من لوازم الصراع الفئوي، وتقلّب المواقف، ومزايدات سوق الاعلام، كما تفترض، في المقام الثاني، الاعتراف بان التوافق هو نقطة الوسط في الخيارات المتضاربة، وقد يكون اتفاقا يضم منسوبا متقاربا من المصالح والاهداف، يدرأ فيه المتصارعون خطر الانزلاق الى العنف في ما بينهم، او انهم يضعون فيه حشوة من الحرب ضد جبهات اخرى.
في كل الاحوال، وقبل ان نستطرد في التعرض الى توافقات مجلس النواب على خلفية التصويت على قانون انتخاب مجالس المحافظات، فاننا بحاجة الى ان نقف قليلا عند مكان مبدأ التوافق على خارطة الصراع التاريخي الاوسع.
لنتذكر بان هذا المبدأ كان منبوذا ومرفوضا في الادب السياسي الثوري، اليساري والقومي على وجه خاص، مثله مثل مبادئ الاصلاح والوسطية والمساومة والتهدئة والاعتدال والحوار وانصاف الحلول والتفاوض والمراجعة، وجميعها كانت تعني، (لدينا، نحن ورثة الفكر الثوري) خيانة لدماء الشهداء، وإنكار لتضحيات الاجيال، وتفريط بكفاح المناضلين من اجل الحرية، وكان لبعض وجوه هذا الرفض-طبعا- ما يبرره حيال حماية وحدة المعسكر الثوري(دولا وحركات) وتعبئة الجمهور والحفاظ على مكتسباته، وايضا لما له صلة بطبيعة الاستقطاب بين النظم الفكرية السائدة لما بعد الحرب العالمية الثانية، غير انه تحت خيمة الثورة وراياتها الحمراء كان ثمة وقائع معروفة عن نهج الاستبداد السياسي، وفرض حكم الحزب الواحد، ومصادرة حقوق الانسان.
وكانت السياسات والافكار الاخرى(المناهضة لمعسكر الثورة) تتمترس، بالمقابل، في المفاهيم المتطرفة والعدوانية والتجييش والمخاشنة وتنأى هي الاخرى عن خيار التوافق، وتدبر الكثير من الانقلابات العسكرية والمافوية التي تسفر عن وصفات حكم دكتاتورية وفاشية وشوفينية وحتى قبلية ودينية، وترعى اكثر الانظمة استبدادا في العالم، فيما كانت الحرب الباردة بين المعسكرين وثقافتها العسكرية ومنتوجاتها من الريب والجاسوسية والتآمر وسباق التسلح تلقي باكداس الحطب الى موقد هذا الاستقطاب الفكري، ولم يبق للتوافق من مكان إلا في نداءات بعض الاصوات الكنسية والوعظية ومعوقي الحروب وتجمعات المسنين، لا تكاد تصل الى المسامع كفاية.
وفي غضون عقدين من السنين انتقل ازدراء التوافق، شيئا فشيئا، الى الكتلة الاسلامية ‘الجهادية’ المسلحة، التي انتشرت وتنامت بمقاسات اسطورية، فاعادت انتاج الغلو والتطرف ونبذ الاعتدال والوسطية والاصلاح في خطاب ديني مغلق، عدواني. تكفيري. ماضوي. طائفي. وفي ممارسات اتسمت بالدموية، سقط خلالها ملايين المدنيين الابرياء، هذا مقابل سياسات وممارسات غربية متشددة، وعدوانية، تنتمي الى ثقافة الحرب الباردة واسلابها الفكرية، والى جانب جيوب من الحركة الثورية انغلقت على الجملة المتشددة لما قبل تشكل العالم الجديد.
التوافق ابن شرعي لعصر التحولات، لكن المشكلة تتمثل في انه قد يصبح ابنا عاقا حين يُختزل الى صفقات مشبوهة تهدف الى تكريس الدكتاتوريات والمظالم، وقد يخرج هنا من التعريف المدرسي للتوافق الى معنى آخر اقرب الى التآمر.
وبخلاف ذلك فانه لا مفر من التوافق على حلول وسط، متوازنة ومشرفة، بين الفئات والخيارات السياسية العراقية المختلفة وهي تقف عند منعطف تاريخي مفتوح على احتمالات تمتد بن الجحيم والمعافاة، والبديل عنه يتمثل في مواجهات كارثية لن تعود بالخير على ايّ منها، فيما تدخل قضية كركوك، في مختبر النوايا، وصدقية الالتزام بالعهود، والرغبة في ترجمة شعارات التعايش الى الواقع، على الرغم من ان الكثير من عناصر هذه الازمة مستمدة من ارث النهج الدكتاتوري الاستئصالي السابق، وكان سيتم التوصل الى حل لها لو ازيلت اثار تلك السياسة ولوازمها الشوفينية بروح العدالة والحكمة.
التوافق، طبعا، ليس مبدأ للمحاصصة. الاول عملية تقريب وتجسير لوجهات النظر والمطالب والمشاريع والشروط المتباعدة والمتصارعة وفق قواعد سياسية تتسم بالحرص على نزع فتيل حريق قد يشب في اية لحظة وتجنيب البلاد المزيد من الانشقاقات والحروب، والثاني تقسيم للفرص والوزارات والمواقع والنفوذ والوظائف الحكومية وملازم الثروة والجاه على اساس طائفي وفئوي. الاول، ينطوي على تضحيات مبررة ببعض المصالح، والثاني على تشبث، غير مبرر، بالامتيازات. الاول، يتقرب من معالجة حالات التهميش بالنسبة لمكونات او فئات وكفاءات، والثاني يكرس حالات التهميش لمكونات وجماعات وكفاءات.
والتوافق، احيانا، وفي الظروف الاعتيادية(اقول، الظروف الاعتيادية) قد يضر بمبدا الديمقراطية، لانه يعطل واحدا من اركانها المتمثل بالتصويت الحر لنواب الشعب (او ممثلي قطاعات الراي العام)على المشاريع المطروحة، فهو، بمعنى ما، يقفز من فوق الممارسة الديمقراطية الى ما يشبه الصفقة بحيث لم تعد هناك اهمية لمناسيب الرأي المستقل، فتبتلع الاصطفافات التي تتم في الكواليس الفروق الثانوية بين الخيارات، وتتهمش الاعتراضات والاصوات المستقلة، لكن ينبغي الاستدراك هنا بالقول ان مبادئ الديمقراطية ليست نصوصا مقدسة حتى في اكثر التجارب الديمقراطية عراقة، وان التوافق ليس محرما دائما في تلك التجارب ، ففي البرلمانات العريقة، والمجتمعات صاحبة الخبرة الطويلة في ممارسة الديمقراطية تلجأ الطبقة السياسية واحزابها (الحاكمة والمعارضة) الى مبدا التوافق في حال تواجه البلاد حالة حرب، او حين يتطلب الامر اتخاذ قرار استراتيجي يمس المصالح الكبرى،
والتوافق كمنسوب سياسي حي لمصالح متضاربة، او متجاورة، لا يلغي الفارق بين الحجوم، بل يعني بضبط الصلة السلمية في ما بينها، وقد دخل في السابق ويدخل الآن، وبهذا المعنى، في صلب العلاقات الدولية وفي اساس المعاهدات والموالتي تنظم سبل حل الازمات والحروب بين الدول، ويعود له الفضل في تجنيب البشرية الكثير من الويلات، ويعود اليه العقلاء لتسوية صراعات دموية وتداخلات معقدة.. وقد يعود اليه مجانين ركبوا رؤوسهم ردحا من الزمان، فاكتشفوا عبث الاوهام التي يمتطونها.
ــــــــــــــــــ
كلام مفيد:
‘تذكروا ان رجال الاطفاء لا يكافحون النيران بالنار.’.
يوثانت
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد