الرئيسية » مقالات » هل الأخوة الكُرد بحاجة إلى إبعاد المتطرفين منهم عنهم والقبول بمبدأ الحوار؟

هل الأخوة الكُرد بحاجة إلى إبعاد المتطرفين منهم عنهم والقبول بمبدأ الحوار؟

المرحلة التي نمر بها اليوم ليست الأمس , وغداً سيكون شيئاً آخر غير اليوم. وإذا كانت النظم السابقة قد فوتت على الكُرد الاستجابة لمصالحهم وقضاياهم العادلة , فهذا لا يعني بأي حال أن عليهم اليوم أن يمارسوا أساليب القوة لأخذ ما يعتقدون أنه حق مشروع , إذ أن أطرافاً أخرى تعتقد بأنها تطالب بحق مشروع أيضاً , وبالتالي لا تعالج هذه المسائل بمزيد من تنظيم المظاهرات التي يمكن أن تقود في ظروف البلاد الحالية إلى مزيد من التوترات والتي تستغل من آخرين معروفين لنا جميعاً لإشاعة الخراب والدمار والموت في العراق. فلغة القوة وفرض الأمر الواقع ليس طريقاً لمعالجة أي مشكلة في العراق , إذ غالباً ما تعود بعكس ما يرتجى منه لمن يفكر بهذه الطريقة. في كل شعب أناس عقلاء وحكماء يعون أن السياسة فن الممكنات , وأن السياسة حوار وتبادل في الرأي ونقاش حول الأفكار وصولاً إلى الأهداف العملية المرجوة. ولكن في كل شعب نجد أيضاً من هم أقل حكمة وأكثر تطرفاً وأعلى صوتاً وأكثر سعياً للقوة والعنف لانتزاع ما يعتقد بأنه حقهم المشروع. والفارق بين الاثنين كبيرٌ جداً. وإذا كان الأول سيصل إلى ما يبتغيه عبر مساومات , فأن الثاني سيعيق الوصول إلى أي هدف وسيثير المتطرفين في الأطراف الأخرى. والنتيجة تذكرنا بها الكثير من أحداث العراق وأحداث الشعوب الأخرى.
الحوار والصبر وطول البال والاستعداد للمساومة هو الطريق الأمثل للجميع في الوصول إلى الغايات الأقرب إلى الهدف وللجميع , بدلاً من التعنت واعتبار المسألة مرتبطة بالحياة أو الموت , أما تحقيق الهدف كله أو الموت من أجله. وهكذا يهتف الآخرون , والحصيلة معروفة للجميع!
الأخوة الكُرد قد حققوا خلال السنوات الخمس المنصرمة إنجازات مهمة لصالح الشعب الكردي , وهو أمر ساندته وأسانده بحرارة كشخص عراقي وعربي وكعضو في التجمع العربي لنصرة القضية الكردية. وعلى المجتمع الكردي تقع مسؤولية تكريس هذه المنجزات وتعزيزها في إطار العراق الموحد. وتقع على عاتق العرب مسؤولية دعم ذلك. تبقى هناك الكثير من المهمات التي عليها إشكاليات وتحتاج إلى معالجة جدية ومسؤولة وتحتاج إلى وقت أيضاً , وهي ناجمة من تعدد القوميات والاتجاهات وحدود المناطق , وهي مخلفات الفترة الاستعمارية التي لم تعالج الأمور بحكمة , بل عبر رؤية استعمارية وما يخدم مصالحها لا غير , ولكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى عقلانية في الطرح والتحري عن حلول تساومية قدر الإمكان , إذ من المستحيل على طرف واحد فرض أهدافه , حتى لو كانت عادلة ومشروعة بالقوة ولصالح طرف واحد. الرؤوس الحارة لا تحل المشكلات بل تعقدها وتزيدها صعوبة , ولكن الرؤوس الباردة والقلوب الدافئة هي التي يمكنها أن تصل إلى نتائج إيجابية وللجميع.
اشعر بأن الأخوة الكُرد , وأقول الأخوة الكُرد لأن ليست هناك امرأة واحدة في قيادات التحالف الكردستاني التي تشارك في النقاش أو الحوارات السياسية , وكذا الحال بالنسبة للجماعة القومية والإسلامية العربية حيث لا امرأة يمكن أن تجد طريقها إلى تلك القيادات , فهم مجتمع ذكوري لا غير , بأن من واجبهم أن يعملوا على ثلاث جبهات أساسية:
1. أن يعرفوا بأن الحق لا ينتزع بالقوة , وإلا تحولنا إلى ما يماثل فهم صدام حسين ورهطه للأمور , بل أن الحق يؤخذ بالحوار والمناقشة وفهم مطالب الطرف الآخر والتحري عن حلول مشتركة. التطرف القومي لن يخدم أحداً بأي حال , أياً كانت تلك القومية.
2. أن يعرفوا بأن وجود متطرفين في صفوفهم لن يساعد على حل المشكلات بل يزيدها تعقيداً وصعوبة ويهيج المتطرفين في الأطراف الأخرى ويحرك دول الجوار بما لا تحمد عقباه.
3. إن الحق يؤخذ بالتدريج وعبر ممارسة ما أقر في الدستور , إذ لكل حقه ولا يجوز تجاوزه , ولا يعالج التجاوز بالقوة بل بالحوار والبرلمان أيضاً وعبر المحكمة الدستورية .
أدرك جيداً بأن ميزان القوى فرض تحالفات معينة على كل القوى السياسية , ولكن ينبغي أن لا نبالغ بالأمر إلى حد ضياع البوصلة الهادية لا على صعيد كُردستان العراق وحد , بل على صعيد العراق كله. فالقوى المتحالفة أبعدت التفكير بالتحالف مع القوى الديمقراطية وأضعفتها و وهي مسؤولة مع العرب عن ضعف القوى الديمقراطية كلها في العراق.
لست معارضاً في أن يفكر الكُرد بمصالحهم بعد أن حرموا منها عقوداً طويلة , ولكن عليهم الآن أن يفكروا مع الآخرين بحقوق العراق كله , بحقوق الشعب العربي والشعب التركماني والشعب الكلداني الآشوري السرياني , أي بحقوق الجميع وأن يجدوا لغة مشتركة مع الجميع , فبالجميع نحقق المصالح المشتركة وليس بحقوق أحدهم فقط.
لا يجوز التفكير بوجود العراق وحده دون التفكير بوجود دول الجوار أيضا , لا يجوز التفكير بالقوميات الموجودة في العراق وحده , بل بامتدادها في دول الجوار , ولا يجوز التفكير بأهداف وشعارات وحقوق قومية واحدة في العراق وحده , بل بوجود أهداف وشعارات وحقوق للقوميات الأخرى في العراق وفي دول الجوار التي تتخذ مواقف معروفة لا على ساحتها بل على الساحة العراقية أساساً. كم أتمنى أن لا ينسى الأخوات والأخوة الكُرد هذه الأمور لكي لا نفقد البوصلة ونخسر ما حققناه في العراق , رغم بؤس ما تحقق في القسم العربي من العراق حتى الآن , ورغم التحسن النسبي في مجال الأمن الذي أمل أن يتوطد لا أن يتراجع بسبب المشكلات والعقد النارية الموجودة في الساحة السياسية العراقية حالياً. والأسبوعين الأخيرين يشيران إلى بروز مخاطر التراجع عما تحقق نسبياً.
وقفت إلى جانب قضايا الشعب الكُردي مذ كنت طالباً في المتوسطة حين رأيت بعض الأخوة الكُرد البارزانيين بملابسهم الكردية في كربلاء أبعدوا إليها بعد أحداث 1946 حيث تعاطفت معهم بعد أن استفسرت من أبي عنهم وعن مشكلتهم , ومذ كنت عضواً في الحزب الشيوعي العراق وأنا لا أزال صبياً أو شاباً حديث العهد بالسياسة , ودخلت ضمن الحزب الشيوعي في معارك من أجل هذه القضية , وأخطأنا أحياناً بشأنها , وحين كنت مع الشيوعيين وغيرهم في حركة الأنصار البيشمركة في جبال ووديان وأرياف ومدن كُردستان العراق وحين رفضت الاستمرار في التدريس الجامعي في الجزائر لأكون ضمن القوى الأنصارية , وكانت البوصلة دائماً لصالح حقوق الشعب الكُردي والديمقراطية للعراق كله , حتى حين أصبحت مستقلاً من حيث الانتماء السياسي لا غير لم اترك قضية الدفاع عن هذه القضية العادلة وشكلنا بمبادرة من الأستاذ الكاتب والقاضي والصديق زهير كاظم عبود مع مجموعة طيبة من العرب في العراق وخارجه التجمع العربي لنصرة القضية الكردية منذ سنوات عدة وبعد سقوط النظام بفترة وجيزة. وهذه المسؤولية تضع على عاتقنا ليس الدفاع عن القضايا الكردية حسب , بل الدفاع عن قضايا كل القوميات في العراق , ولهذا نرفض أي اعتداء أو تجاوز على حقوق القوميات من جانب أي قومية كانت , ونسعى إلى إنصاف الجميع. إن احترامنا لقوميتنا ونضالنا من أجل مصالح العرب في العراق مثلاً , هو الذي جعلنا نحترم القوميات الكردية والتركمانية والكلدانية الآشورية في العراق ونناضل معهم من أجل مصالحهم وقضاياهم العادلة , وليس غير ذلك.
نشعر اليوم بأن على الأخوات والأخوة الكُرد أن لا يتعجلوا الأمور وأن لا يزيدوا من الضجة الإعلامية والشعبية , التي ربما يريد البعض الآخر في الداخل والجوار إثارته لتوتير الأجواء كلها , بما يؤثر سلباً على أجواء العملية السياسية الجارية في العراق رغم كل النواقص الملازمة لها.
أتمنى عليهم أن يدركوا أهمية الديمقراطية للعراق كله وليس الطائفية المحفوفة بكل المخاطر وللجميع , وأن يفكروا بالشعب العراقي كله وبقواه الديمقراطية , فهم وحدهم الباقون في العراق , أما الآخرون فعائدون من حيث أتوا , إن لم يكن اليوم فغدا , وغداً لناظره قريب.
5/8/2008 كاظم حبيب