الرئيسية » مقالات » ( رسالة الى امرأة عراقية …. )

( رسالة الى امرأة عراقية …. )

الى التي كتبت لي هذه الكلمات الاربع .. امرأة من أنبل نساء العراق … اهدي خطابي هذا .

يوم غادرنا معا الى العراق في يوم 13حزيران 2008 ، هبطنا في اربيل لنتركها سريعا الى بعشيقة الملونة
بظلال الزيتون وبأطياف العراقيين العاطرة، مدينة لايملكها ولن يملكها احد، لأنها روح العراق العامر بالثراء القومي والديني والمذهبي وفي تعايش حبيب من البشر الرائعين الذين يليق بهم ماقاله الشعر والشاعر “كل قلوب الناس جنسيتي” لم يقل لي في بعشيقة من اين انت مادينك ماقوميتك .. بعشيقة عاصمة العالم والمدن التي تدعي الشموخ هي مجرد قرى على سفح جبل مقلوب, جبل المحبة الانسانية المطلقة .. .ياليت كل العراق بعشيقة.. ياليت يمسح من على جدارها المتاخم شعار: بعشيقة وباحزاني ملك صرف للبارزاني. انها، اي بعشيقة، وكل ذرة في ارض العراق هي زهرة محبة للبشر جميعا.

يوم غادرت معك، او غادرت معي لايهم، اطل علينا في الليل اجمل قمر في الدنيا قمر العراق قمر بعشيقة، هل ابكانا؟ بقدر ما داعب جسدينا بالشعاع و”الاحلام الملونة”.. فرحت انظر في عينيك على وسادة طالما بكيت شوقا للبكاء عليها !. تذكرت ام اولادي الغالية عندما كانت تغني لأولادها “ديل ديل ديلاني بعشيقه وباحزاني بابا غاح للضيعه جاب حمص
وقضامي .. خليناهه بالصندوق.. الخ.. واغنية ياقمر مد ايدك خذ نواري بيدك وديه عند نانتو تعطيك حلاوة ايدك!” وكنت انت في طقس روحاني مع حب العراق حاضنة وحله الابدي الذي هو جسدي المداف بالدمع والحبر. وكنا نحلم ببغداد لكن قمر بعشيقة كان بوصلتنا الى حب العالم اجمع. العراق حبي بغداد فلذتي. وسافرنا الى عروسة الماء والجسور .

على اصداء انغام واغان ٍ في بيت في الكرادة ، عرفت كم انت تواقة الى تعميم تجربة فذة هي مكتبة الطفل التي تضطلعين انت ورفيقاتك العظيمات في الرابطة والجمعية والحزب بانشائها وتعميمها .. كان الاطفال يغردون والأهالي
يجلبون فلذات اكبادهم الى هذه الدار التي تشبه ” الملاّ ” أيام زمان لكن خاصتها الرائعة انها لاتحبب الأطفال دينا على دين
او رسا على رس بل تحبب العراق ورسم نهر دجلة والفرات والنخيل وتعلم الموسيقى والكومبيوتر .. ولكم تعرفت انا من خلالك ايتها الهائلة الروعة على انبل النساء من اللواتي يقطعن المسافات ببغداد الحذر والحيطة من الموت وتحت شمس لاهبة .نساء فيهن من الحماسة ما يمنح الروح للطفولة .

نعم في رحلتنا الى بابل، التقينا بعوائل بعضها ممنوعة من مشاهدة فيلم في تلفزيون! او شراء كومبيوتر .. انا معك ومع المدنية لكن واقع الحال تعرفينه!! انه التجهيل الديني المتطرف ..الخوف من الجسد يمنع ثمار التطور الفكري، الخوف على دين واحد يمنع معاينة مالدى الاديان الاخرى، الخوف على ا سلوب واحد وعرف واحد يغطي بكل تقصد على مالدى اعراف العالم .
قال لك الأخ الأكبر ، من اخوتي العارفين بمجتمع الحلة المحافظ، اذا دخلت الى سوق الحلة بسروالك وثوبك هذا ومن دون حجاب ستندمين .. لكننا دخلنا السوق وتجولنا به .. كانوا ينظرون اليك وكأنك النشاز الوحيد على الكرة الارضية … العيون لاتنفك تنظر لنا باستغراب ..في طريق العودة انعطفنا الى سوق جانبي اقصر ، فاذا به سوق القصابين .. كنا نسير مقهقهين
وسط السكاكين والفؤوس ! و …الله ستر ! .
ان الحلة على عهدها فالقلب عامر بحب العلماء بتبادل الرأي بروح الاختلاف .. هل تقف الحلة بكامل عقلها الراجح ضد ثوب دلع ! وسروال !!!!وهي مدينة سعدي الحلي والشعر وقصص العشق والمحبة .. قالوا لنا هكذا ولعنوا فئة متطرفة جرت تصفيتها قبل اشهر . كادت تلك الفئة الانتقامية ان تمنع الهواء عن العراقيين لشدة وكثرة محرماتها وممنوعاتها!.

انحني لك ايتها الغالية بكل اكبار .. انها المرة الثامنة التي تزورين فيها بلدك بعد 2003 .لاتخافين انفجارا ولاتهابين فجارا .ورغم وعورة الحال ، فان الطريق سالكة خاصة الطريق مابين الموصل وكركوك وبغداد اذ يقف مابين قطعة او قطعتين لباص نقل الركاب يقف جندي آشوري وكردي وقوات صحوة .. لقد شجعتني على الذهاب المبكر الى الحبيبة بغداد .. لكن سخونة الجو فوتت علي التأمل والشاعرية وسوّغت لي الهروب من حدائق ابي نؤآس الى البيت رغم انقطاع الكهرباء فيه لمرات عديدة .
بغداد تخرج ثانية من رحم دماء قانية .. بغداد والعراق اجمع في حالة من الصعود وبناء الأمان رغم الانفجار والآخر ! فمرة في ساحة عقبة بن نافع والآخر في ساحة عدن او الخ والناس تعيش بقوة بحب الحياة, بنقدها, بلي يدها .. عندما نمر في الساحات يقولون امس حدث انفجار هنا .. قبل ساعة حدث هناك .. غدا كل شيء جزء ً من اي شي ..الحياة اختلطت بالموت فغدت امتدادا يوميا لاينقطع عن كينونة مستمرة غير قابلة على الاندحار!!!!!!!!!!
العراقيون جميلون حد الموت .. في الكرادة الساهرة كنا نتجول وكان الرصيف يعج بالباعة والناس وحركة الاشياء .. كانت دموع الفرح مختبئة بعيني .. فحتى الموت هنا جميل بين هؤلاء الانبياء بالرأفة والسلام . موتي حتى احلى من الف حياة لي بالدانمارك و سواها .. اقسم بأن هذا الشعور ظل يرافقني منذ تلك اللحظة الى الآن .
عدنا الى بعشيقة الجميلة وفي ذاكرتنا مقاهي نهر الحلة وحيث تعود عائلة مع اطفالها الى البيت من سهرة على النهر
وحيث بغداد التي تنهض من حمّاها للتو وحيث تتوفر على 80 بالمائة من الامان وحيث كردستان الراسخة . انه وطن صاعد .
عدت الى وطني الثاني المبتلى بكونه ” مجتمعا الكترونيا ” على حد الأديب الكبير إب ميكيل .. كان الجو ممطرا .. لا اختلاط ولا الفة .. الكل في البيوت في هذه المجتمعات الأنيقة والاختلاط بالقيراط بصداقات مرسومة ومجدولة .. شعرت بالاختناق .. وقفت وراء نافذتي كسيرا … هناك وطني الحقيقي ، اهلي لغتي ، اصدقائي . اللعنة علي ّ لماذا جئت! هل جئت لأقف وحيدا امام الكومبيوتر في صالتي وامام اغصان ترف بكآبة .. اللعنة علي ّ هناك نار وهنا نار! نار الحنين الكاوية ..
حقا ماقاله رفيق شيوعي في مقر ساحة الاندلس وهو يصف صعوبة الحياة اليومية في العراق : ” هنا الحياة رغم كل شيء عسل ! ” كلمة لا تزال ترن في اذني ..
استدرت بعد ساعة متأخرة من الليل لأدخل ممرا ومن ثم الى حجرة نومي الخالية الموحشة والى فراشي البارد ، كم شعرت ببؤسي وضعتي .. انا بدون وطني مجرد جرذ تافه .. لقد صيرني المنفى مثل غريغوري بطل كافكا الذي استحال الى حشرة .. انا على ثقة ان المنفى مصيدة ونحن جميعا جرذانه . ولا كرامة حقيقية الا بالعودة اليه يوم يخفف من غلوائه ولو قليلا ، هذا الوطن اللاهج بالرصاص والنار واللاهب بالشمس والعنف والغبار ! ياله من وطن ! ياله من عسل ٍ – حنظل !!!!! .