الرئيسية » مقالات » حتى لايجتاح العراق الكويت ثانية ً

حتى لايجتاح العراق الكويت ثانية ً

في مثل هذه الايام من عام 1990 صحى العالم على زلزال سياسي ذلك هو اجتياح العراق لجارته الصغيرة الكويت. ورغم ان غزو دولة عربية لشقيقتها او اقتطاع قسم من اراضيها او الاقتتال بسبب المشاكل الحدودية أمر ليس بجديد, الا ان الجديد في الاجتياح العراقي هو الظروف التي حدث فيها, وما نشأ عنه من تغيرات كبرى في السياسة الدولية وما صدر من قرارات اممية لاتزال اثارها سارية المفعول.

ورغم اقرار النظام العراقي السابق بالقرارات الاممية ومنها القرار660والقرار 687 اللذان حملا العراق مسؤولية الاجتياح وقيداه بسلسلة ثقيلة من الالتزامات اهمها إقتطاع ما قيمته ثلاثون بالمائة من انتاجه النفطي كتعويضات للكويت وللدول التي تضررت من الاجتياح وبعد ذلك قلصت الى خمسة بالمائة, ورغم ان القرارات الزمت العراق بالاعتراف بالكويت, الا ان كل هذه الاجراءات لن تمنع من تكرار سيناريو الاجتياح ان لم نقل انها ستكون مبررا لتكراره لاسيما بوجود القرار 833 قرار ترسيم الحدود.

يحدثنا التاريخ عن الاسباب التي أدت الى اجتياح المانيا لجارتها بولونيا ومن ثم نشوء الحرب العالمية الثانية, حيث يرى معظم المؤرخين ان اقتطاع جزء من الاراضي الالمانية ومنحها لبولونيا, والزام المانيا بدفع تعويضات الحرب طبقا لمعاهدة فرساي التي انهت الحرب العالمية الاولى, كانت من الاسباب الرئيسية التي دفعت هتلر لإجتياح بولونيا وضمها بالقوة الى المانيا , حيث وبحسب المؤرخين اصاب الذات القومية الالمانية في حينها شعور بالامتهان نتيجة لبنود المعاهدة.

وكعرب علينا ان نعي الدرس الالماني جيدا . فما حصل مع الالمان قد يحصل من جديد مع العراقيين الذين يشعرون الان بوطئة القرارات الدولية التي اعقبت حرب تحرير الكويت. وان النقطة الجوهرية التي يجب فهمها هي عدم أخذ الشعوب بجريرة حكامها وتحميلها النتائج الوخيمة لمغامرات آولئك الحكام مثلما حمل الحلفاء الشعب الالماني مسؤولية الحرب العالمية الاولى التي قام بها القيصر , فكانت النتيجة ولادة الحركة النازية ووصول هتلر الى الحكم وتسببه في حرب عالمية اخرى.

ان من يقرأ تاريخ العلاقات العراقية الكويتية والظروف التي يعيشها العراق الان سيتوصل الى ان اجتياحاً عراقياً ثانياً للكويت امر ممكن ولو بعد حين, ورغم تعهد قادة العراق الجدد بعدم القيام بذلك, واعترافهم الكامل والغير مشروط بدولة الكويت, وأبدائهم الرغبة الصادقة في فتح صفحة جديدة من العلاقات تقوم على الاحترام المتبادل بين البلدين, وعدم التدخل في الشؤون الداخلية, الا ان ذلك لن يغيير من حقيقة الشعور الوطني العراقي تجاه الكويت ورأي الشارع العراقي الذي لايزال يحمل الكويت مسؤولية ما جرى ويجري على العراق.

يضاف الى ذلك الشعور الشعبي الراسخ بعائدية الكويت للعراق وهو شعور ليس وليد الساعة, والقضية لم تتعلق بموقف نظام صدام من الممارسات الكويتية, فلقد سبق وان حصلت مواقف عراقية تطالب بإستعادة الكويت سواء في عهد الملك غازي او الزعيم عبد الكريم قاسم, ورغم الاختلاف الشاسع بين الحكام الثلاثة الا ان رؤيتهم للكويت وموقفهم منها يكاد يكون موحدا, الامر الذي يعكس بشكل عام مزاج الطبقة السياسية العراقية ومن ورائها الشعب تجاه الكويت, ولعل ما حدث عام 2006 من مناوشات بين مواطنين عراقيين غاضبين وبين حرس الحدود الكويتي وازالتهم للأسلاك الشائكة التي تفصل بين البلدين, وتصريحات بعض القادة العراقيين على أثرها تؤكد ما ذهبنا اليه من امكانية وقوع اجتياح آخر متى ما توفرت الظروف الملائمة لذلك ما لم يصار الى معالجة الاسباب التي تؤجج رغبة الاجتياح.

كسياسيين وكنخب ليبرالية نتطلع لتحقيق السلام بين العراق وجيرانه, مثلما نطمح بأقامة افضل العلاقات مع دول الجوار ومنها الكويت وأنهاء ثقافة الاجتياح ولغة التآمر السياسي الى الابد, ولإنجاز ذلك لابد من معالجة الاسباب التي توقظ رغبة الضم وتشجع على الاجتياح.

وفيما يتعلق بالكويت فأن ازالة العوامل التي تنمي فكرة الاجتياح يبدو امرا ضروريا, ومن تلك العوامل الاستحقاقات التي رتبتها القرارات الدولية على العراق بعد الاجتياح, ومن بينها التعويضات التي يقوم بدفعها سنويا للكويت والتي وصلت الى 27 مليار دولار لحد الان, هذا بالاضافة الى الديون التي يجب على العراق تسديدها للكويت, وهي ديون تدخل في خانة ما يصطلح عليه بـ(الديون القذرة) لأنها مولت الآلة العسكرية لنظام صدام في حربه مع ايران. ومن العوامل ايضا ضرورة استرجاع العراق لأراضيه التي ُمنحت للكويت لاسيما تلك التي تشتمل على حقول ابار نفط بالاضافة الى ضرورة حصوله على منفذ بحري دائم.

ذلك لايمنعنا كنخب ليبرالية من ان نثمن الدور الذي قامت به الكويت في حرب اسقاط نظام صدام. ونأمل ان ننجح في التخلص من أثار الصدامية ومنها بالتأكيد ثقافة الاجتياح التي مارسها نظام صدام عدة مرات مع ايران والكويت والسعودية عند اجتياحه لمنطقة الخفجي وبعد ذلك اجتياحه للمدن العراقية في شمال وجنوب العراق إثر انتفاضة أذار 1991.

ليس من السهل التخلص من اثار المرحلة السابقة بوجود بعض العوامل التي تساعد على بقائها حية داخل المجتمع العراقي. ومنها الاسباب التي برر بها صدام الاجتياح كسرقة النفط العراقي عبر الحفر الافقي للأبار, والتعدي على اجزاء من الاراضي العراقية, ومحاولة خنق العراق بحريا, يضاف لها اتهام بعض العراقيين للكويت حاليا بتدخلها اليومي في جنوب العراق وتحديدا في البصرة, حيث تتركز الاتهامات على شراء الكوي لذمم بعض المسؤولين المحليين هناك.

أنه وبوجود مثل هذه المبررات والاتهامات بالاضافة الى الجرح الذي اصاب الذات العراقية نتيجة القرارات التي صدرت بحق العراق أثر الاجتياح, سيكون من الصعوبة ضمان عدم وقوع اجتياح ثانٍ بخاصة اذا ما وقع العراق اتفاقية امنية طويلة الامد مع الولايات المتحدة الامريكية يتحول بموجبها الى حليف إستراتيجي .

أخلص الى القول, اذا كان الاجتياح الاول قد اوهن الجسد العربي وتسبب في تقديم المفاوض الفلسطيني للكثير من التنازلات في مدريد الاول والثاني ووارشو, وعمق الخلافات العربية العربية, فان الاجتياح القادم سيقضي على ما تبقى من قوة العرب, ومن هنا ينبغي على الكويت العمل على عدم اعطاء المسوغات لحصوله, والاخذ بنظر الاعتبار التطور الذي طرأ على العلاقات الامريكية العراقية وما سيترتب عليه من تغيير في موازين القوى ومن تغيير في قواعد اللعبة السياسية.

فامريكا التي قادت تحالفاً اممياً لطرد الجيش العراقي من الكويت عام 1990 بالتأكيد سوف لن تتخذ ذات الموقف معه اذا ما وقع الاجتياح الثاني باعتباره جيش دولة حليفة لها كما هو الحال مع تركيا التي اجتاحت قبرص في السبعينيات وعلى مرأى ومسمع من الولايات المتحدة التي أكتفت بأدانة ماقامت به حليفتها, وستعتبر ساعتها الامر شأناً عربياً داخلياً كما روج صدام بعد لقاءه بالسفيرة الامريكية غلاسبي قبل الأجتياح, خاصة وان خمس نفط العالم سيصبح هذه المرة تحت قبضة أمريكا وتصرفها المباشر الامر الذي يسيل له اللعاب.