الرئيسية » مقالات » (كبار) العراق يتصارعون، و(الصغار) يعانون!

(كبار) العراق يتصارعون، و(الصغار) يعانون!

لا تزال الصراعات السياسية مستمرة حول قانون الانتخابات، ومشكلة كركوك، في وضع لم يستقر بعد، ولم يتأسس في البلد اليوم نظام ديمقراطي علماني، ولم تزل الأخطار الكبرى تحدق بالعراق، وشعب العراق.
نسأل: هل هذا وقت انتخابات المحافظات، بينما غالبية المواطنين تعاني يوميا، ولاسيما أطفالنا، الذين عبر عن مأساتهم تقريران دوليان، حين تحدثا عن “احتضار الطفولة في العراق”؟ نقول هل هذا وقته؟ وهل ستكون الانتخابات لو جرت خطوة هامة نحو الديمقراطية، أم ستجري، كالانتخابات السابقة، بمنطلقات، ومعايير طائفية، وعرقية، وهو الأكيد في نظرنا؟
إن المشاكل السياسية العراقية الداخلية الكبيرة مرتبطة أولا بضمان أمن حقيقي ووطيد، وحماية البلد من التدخل الخارجي، والإيراني بالذات، وحل العقد والمشاكل السياسية الكبرى، حلا وطيدا، وعادلا، ودائما، لا يمكن تصوره في عراق تحكمه أحزاب دينية، ومنها من يوالي إيران، أو يسايرها ويجاملها، حتى عندما تقصف المدن الكردستانية العراقية دون أن يرتفع صوت تنديد عراقي واحد.
نعتقد أن هناك مشاكل سياسية في غاية التعقيد، والتشابك، كمشكلة كركوك، يحتاج حلها إلى مزيد من الوقت، ومزيد من الاستقرار، ومزيد من الصبر، وإلى روح التوافق السليم، لا التوفيقية المهلهلة، والحلول العرجاء.
زعماء العراق يتشاحنون، ويتصارعون، بينما يجب التركيز اليوم، أولا، على القضيتين الأساسيتين التاليتين:
الأولى: ضمان أمن البلد أمنا حقيقيا، بعيدا عن الادعاءات والمزايدات الحكومية، التي تزعم أن قواتنا ستتأهل نهائيا لتولي كامل المسئوليات الأمنية قبل أقل من عامين، وعليه يجب خروج القوات الأمريكية حين ينتهي التخويل الدولي، وكان عمار الحكيم، وهو في سوريا، صريحا تماما حين قال: ” إن الأجواء الفعلية، وظروف العراق، والولايات المتحدة،[؟؟؟]، لا تسمح بتوقيع اتفاقية أمنية دائمة” مع الولايات المتحدة.” واستدراكا، نسأل عن المركز الحكومي الذي يحتله السيد عمار، ومن خوله بإعطاء تصريحات قطعية عن الموضوع؟ هل كان يعبر تماما عن حقيقة مواقف المالكي، وكل الحكومة؟
لقد كتب عدد من كتابنا عن الاتفاقية، ولا نريد العودة هنا للموضوع، وإنما نريد أن نقول للقيادات الكردستانية إن مصير قضية كركوك،[ * انظر الملحق]، بل المصير العراقي، مرتبطان بموضوع الاتفاقية، حيث إذا غادرت القوات الأمريكية بسرعة، وقبل تأهل قواتنا، وتطهيرها تطهيرا شاملا، فإن مكتسبات شعب كردستان أيضا ستكون معرضة للخطر، لاسيما والعراق محاط بدول لا تضمر الخير للأمة الكردية. بناء على ذلك ندعو مخلصين هذه القيادات لكي تضع كل ثقلها السياسي للتوصل لاتفاقية تحمي العراق حقا من الأخطار الإقليمية، وتضمن كلا من سيادة العراق، ومصالح الأمن القومي الأمريكي.
أما القضية الأساسية الثانية، فهي وجوب الانكباب على حل مشاكل المواطنين، وهي مشاكل مستفحلة، تحدثنا عشرات المرات عنها، وبالمناسبة، فقد اطلعنا مؤخرا، مع أخبار الصراعات، والأحاديث المتناقضة عن الاتفاقية، على تقريرين مهمين، ومثيرين:
التقرير الأول، هو عن وضع الأطفال في النجف، وكثرة المتسولين بينهم، والإهمال الذي يواجهونه، ونظرات الريبة بهم من السلطات. هذا وضع للطفولة في مقر الحوزة، وتحت سيطرة الأحزاب الدينية الحاكمة. إن مأساة أطفال النجف جزء من مأساة أطفال العراق، من ترك المدرسة، إلى عدم دخول المدرسة أصلا، إلى انتشار التسول، أو العمل في مهن رثة، تنتهك طفولتهم، وإلى خطر وقوعهم في شباك شبكات الجريمة.
لقد اقترحت منظمة اليونيسيف الدولية للطفولة اعتبار عام 2008 عاما للطفولة العراقية، فأين الحكومة، والقيادات الحاكمة من الاقتراح؟ ألم يكن ليرفع من شأنهم لو أن الحكومة أعلنت رسميا، ومنذ شهور، العام الحالي عاما للطفولة العراقية، وعقدت ندوات لبحث مشاكلهم، وأعدت مشاريع قوانين لصالحهم؟؟ ترى ما معنى الحديث المستمر عن “السيادة”، إن كان الشعب في معاناة مستمرة، والسيادة هي في الجوهر سيادة الشعب؟!
أما التقرير الثاني، فهو عن الوضع المزري لمستشفى الفيحاء البصرية، التي كانت ذات يوم من مستشفيات العراق الأكثر تطورا. التقرير يتحدث عن الإهمال، عن فقدن الأدوية، عن القذارة، عن منع الصحفيين من دخول المستشفى إلا بإذن…الخ. البصرة، كما نعرف، هي تحت سيطرة تامة للأحزاب الدينية، وتحت نفوذ إيراني مستفحل.
إننا نسأل عما إذا لم يكن خيرا للعراق وقيادات الحكم، لو أعطت اهتماما استثنائيا لتطوير الجهاز الطبي، بدلا من تقضية الوقت كله في المشاحنة عن قانون الانتخابات، وهو موضوع قابل للتأجيل، وأما معاناة العراقيين، فإنها من مواضيع الساعة.
5 آب 2008

* الملحق: نشر الدكتور عبد لخالق حسين للتو مقالا مهما عن موضوع كركوك، وهو صديق حميم، وثابت للحقوق الكردية، ويدعو المقال للتأني، والسير بخطوات، والعمل للتوصل لحل توافقي، إذ من الخطر السير بشعار “إما كل شيء، أو لا شيء”. كما نشرت مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، التي كانت دوما مع الأكراد، مقالا مهما جدا لمدير مساعد برنامج الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا في “مجموعة الأزمات الدولية”.
فيما يلي بعض فقرات المقال، وهو مكرس لقضية كركوك، والحقوق الكردية:
” بغض النظر عن أية أقوال، مشروعة، أو غير مشروعة، حول حقوق الأكراد في منطقة كركوك، بناء على التاريخ، والجغرافيا، فإن أمامهم عدة عوائق مهمة في حال أرادوا ضمها: مقاومة الحكومة المركزية، والدول المجاورة، وعدم رغبة الولايات المتحدة برؤية حلفائهم الأكراد يغرقون في القارب العراقي، بالإضافة إلى تحدي الدفاع عن كركوك في حال أرادوا ضمها، ومن الواضح أن الأحزاب الكردية لم تفلح في الماضي في حماية قراها من الغزاة….”